واجهات حزينة مغلقة بستائر قاتمة أو بطبقة من النايلون بهدف إخفاء ما يحصل في الداخل عن أعين الفضوليين والمارة في الخارج. في النهار تكون هذا الواجهات كجفون مطبقة على المحلات فتبدو كأنها مهجورة منذ زمن سحيق لا تكاد تلحظ أي حركة وراء الواجهات النائمة على مضض. تخفي في صمتها الحزين آلات (ماكينات) تشبه ماكينات "التسلية" الشهيرة في الكازينو، لكنها أصغر منها على مختلف المستويات، كأنما هي "بناتها القاصرات" وحدها رائحة دخان التبغ المنبعثة من تحت باب المدخل تكاد تفضح سر الحياة المستترة خلفها والممزوجة بأحلام صغيرة محطمة.
هذه المحلات، بحسب ما هو مدوّن على لافتات نيونيّة باللغة الأجنبية "مراكز التسلية". إنها وهي منتشرة بكثرة في مناطق كبدارو والدكوانة وأنطلياس وجونية، لتسلية أشخاص من الأعمار كافة يرتادونها ليتسمّروا أمام شاشات للمقامرة الآلية والفردية بأوراق اللعب (الشدّة) المرسومة على هذه الشاشات.
دوام عمل هذه المحال ثمانية عشر ساعة يومياُ، تنقسم إلى مناوبتين، الأولى من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساء، الأخرى تمتد الى الثانية بعد منتصف الليل. في الصباح تستيقظ هذه المحال على عجل، تبدأ عملية تنظيف آثار البارحة من دخان السجائر والمشروبات المسكوبة على الأرض. في الليل تشع أحرف راياتها الكبيرة بشتى الألوان التي ترمز إلى بهجة الربيع والفرح الموعود. إنها محلات التسلية، "بنات الكازينو القاصرات". أمكنة مصغرة عما تراه في "كازينو لبنان"، وعلى عكس هذا الأخير، ليس مفروضاً عليك أن تكون فاحش الثراء أو تأتي مرتدياً بذلة أنيقة وربطة عنق. فهذه المحلات عفوية أكثر، تستقبلك كيفما جئتها، لتستقطب شريحة مرفوضة في كازينو لبنان. روادها ليسوا فقط من الجنسية اللبنانية، بل هي ترحب بكل التابعيات الموجودة على الأراضي اللبنانية، وبطبقات المجتمع المتوسطة الدخل بشكل عام والطبقات الفقيرة بشكل خاص. هذه الشريحة الكبيرة التي تعيش في الحد الأدنى من ضرورات الحياة اليومية تلجأ إلى أي فرصة تقودها إلى أحلام الثراء السريع، أينما وجدت. فالحلم واحة المحتاج. ما لا يصدقه بعضهم، أن الحلم قد يتحول إلى كابوس يصنعونه مرات من دون وعي، ومرات كثيرة لأنهم لا يصدقون ما جنته أيديهم.
تنتشر محال التسلية هذه على الأراضي اللبنانية كافة، وبكثافة في بيروت الكبرى وضواحيها، وإن كانت المنطقة "الشرقية" تستحوذ على العدد الأكبر منها. هي شرعية، وتحتاج الى ترخيص لمزاولة العمل وهي خاضعة لقوانين وإجراءات الدولة اللبنانية. تخضع لعمليات تدقيق وتفتيش من قبل موظفين معتمدين لدى الدولة. مهمة المفتش تقضي بالسهر على أمن المواطن بالدرجة الأولى أي عدم السماح لأصحاب هذه المحلات برفع تعرفة الـ"فيشة" عن الحد الأدنى المسموح به رسمياً وهو ثلاثمئة ليرة، وذلك منعاً لخسارة اللاعب أمواله بسرعة وبغية إفساح المجال له بالتسلية لأطول فترة ممكنة. تعرفة الـ"فيشة" في كثير من المحال تتراوح بين الحد الأدنى المذكور وتصل الى ألف ليرة. ومن مهام المفتش، وأيضاً من أجل مصلحة اللاعب، البحث عما إذا كان أصحاب المحلات يحثّون الرواد على لعب مضاعف عبر ترغيبهم بجوائز خارج ما يربحونه عادة من لعبهم على شاشات الماكينات الموزعة في كل محال تسلية من هذا النوع. وعدد الماكينات في المكان الواحد يتراوح بين 20 و50 شاشة.
[ قوانين اللعبة
عندما يحصل أحدهم على سلسلة معينة من أوراق اللعب، وبحسب ترتيب محدد وألوان معينة، يربح و..يفرح. لكن هذا نادراً ما يحصل، وإن حصل، فالفرحة لا تدوم طويلاً. آلية الربح تتضمن جائزة مالية تسمى "خارجية". مثلاً مجموعة خمسة أوراق مرتبة على الشكل الآتي: دام + دام + آس + دام + دام، تربح جائزة قدرها خمسين ألف ليرة لبنانية. في بعض المحال، يعمد مسؤول الصالة إلى إذاعة مبلغ الجائزة مصحوباً باسم اللاعب على مكبّر للصوت، صوت يسري في عروق باقي الموجودين، ويشعرهم أولاً بالحسد، سرعان ما يزول تاركاً خلفه شعوراً بإعادة الثقة في المكان وإيجاد أعذار واهية لربح تأخّر. مهمة إضافية للمفتش غايتها المحافظة على إيرادات الخزينة، وتكمن في إحصاء عدد ماكينات اللعب ومقارنتها بالأرقام المصرّح بها، لأن كل ماكينة تخضع لرسم معين.
باقة القوانين وواجبات المفتشين تنبعث منها رائحة الطمأنينة. ولكن… ابتسم نحن في لبنان. القوانين وجدت لتُكسر، واللبناني حذق، بدلاً من أن يخضع للقوانين، يبعدها عنه بأسلوب أصبح معروفاً. فبعض هذه المحلات غير موجود على الخارطة (سهواً أو رشوةً)، لا يزوره بتاتاً أي مدقق، والبعضٌ آخر لا تشمله الزيارات لعدم وجود أعداد كافية من المفتشين. كذلك وخلافاً للقانون المنصوص، تستقبل هذه المحال الجميع حتى من يقل عمره عن 21 سنة، وهي السن القانونية للدخول.
[ فئات اللاعبين وتعاساتهم
رواد هذه المحال مختلفون يجمعهم الحلم بتغيير واقع يعتبرونه ظالماً. تختلط الأديان والمذاهب، تتداخل الأحزاب، تمتزج ألوانها في إنصهار وطني فريد. ينظر كل منهم الى الآخر وكأنه شريك في معركة، لا يهم العمر، الطبقة الاجتماعية، المولد أو حتى التبعية السياسية. كلهم حالمون، كلهم برسم الخسارة، قلة منهم ستربح اليوم. أما بالنسبة لمسؤول الصالة، فاللاعبون مجرد أرقام، يحتفظ بمساعدة كومبيوتر وبرنامج خاص، بسجلّ عن زيارات كل لاعب إضافة إلى المال المصروف والمال المكتسب، حتى الماكينات التي استخدمها اللاعب والوقت الذي سكبه من عمره.
تحتضن هذه الصالات أنواعاً مختلفة من الأشخاص: موظف هارب من مركز عمله لنصف ساعة، سائق سيارة أجرة، أهالي بعض الفنانين المعروفين، طلاب مدارس وجامعات، عاطلون عن العمل، أطباء، أصحاب مؤسسات صغيرة، مدمنون سابقون على الرهان في سباق الخيل. لكن هؤلاء جميعاً متساوون هنا، لا طبقية، لا طائفية، رجل أو إمرأة، لا فضل لمتعلم على أمّي. إنها مساواة عجزت القوانين الإنسانية عن تحقيقها. الحلم يجمع الكل. قد تجد شاباً في مقتبل العمر وعجوزاً "على حافة قبره" يجلسان جنباً الى جنب يتبادلان النظرات، الابتسامات المشجعة، وحتى الدموع الخجولة.
داخل الصالة أنوار خفيفة باهتة، موسيقى أو أغانٍ منخفضة، لا يهم نوعها أو بأي لغة، المهم أن تساهم بإضفاء جو من الهدوء. ماكينات ملتصقة بالجدران كأحجار الدومينو. المشروب مجاني: قهوة، شاي، مياه معدنية، عصير، مشروبات غازية. حتى الكحولية منها مسموحة في بعض المحال، إضافة إلى المأكولات الخفيفة التي تشكل حافزاً للبقاء فترة أطول.
الدخول الى هذه الصالات يسير، فالجميع مدعو. لكن الصعب هو الخروج، وقد يصبح مذلاً قي معظم الأحيان. معرفة ما علق من أخبار في زوايا الصالات مثير. تقف في منتصف الصالة، وتتخيل رائحة الأعمار المبددة تلفح وجهك كريح حزينة. تسمع الدعاء الممزوج بالشتائم يطلقها شخص وحيد في غابة استسلمت لعويل ذئاب جائعة. صامتاً تشاهد انهيار البعض من دون أن تنبس بنبت شفة. تلاحقك صور وجوههم التاعسة كأحلامهم الصغيرة المتواضعة.
أن تكون موظف صالة في محل تسلية، ليس مسلياً أبداً. ليلك يصير سلسلة من كوابيس عبثية مضنية، كأنك أمل هؤلاء التعساء الوحيد، أو الصاحي الوحيد بين جمع من المخدرين المنوّمين.
[ بون الترحيب و"الرجمة"
في المحل سياسة تسمى بـ "بون الترحيب". يُعطى اللاعب عشرة آلاف ليرة تضاف إلى المبلغ الذي يريد أن يلعب به. وهذه القيمة تمنح مرة واحدة فقط في النهار. هكذا معظم الزائرين يستهلّون رهانهم بعشرة آلاف يزيدون عليها عشرة أخرى، بذلك يلعب كل شخص بضعف المبلغ الذي بدأ به، فيشعر أنه ربح مسبقاً قبل أن يبدأ. ومن السياسات الإضافية أيضاً "بون الخسارة"، نعيد تعبئة الماكينة بمبلغ خمسة آلاف ليرة عند خسارة اللاعب خمسين ألفاً. معظمهم يباشرون بمبلغ العشرين ألفاً المضاعفة. تتغير سحنتهم بحسب الصراع الخفي الدائر بينهم وبين الآلة. يخسرون تارة، يربحون طوراً. الحد الأقصى لخسارتهم مرتبط باللعب بالمبلغ الذي في جيوبهم. فيبادلون عشرة آلاف بـ"فيش" اللعب. في النهاية يخسرون ويعاودون الكرة، نزيف حتى آخر قطرة لرهان حتى آخر ليرة.
في محال الألعاب، هناك عرفٌ يستطيع من خلاله موظف الصالة أن يعطي الخاسر مبلغ عشرة آلاف ليرة، بعد خسارته أمواله كلها، شرط أن يكون قد لعب وخسر ما يفوق مئة ألف ليرة. والعشرة آلاف التي تمنح للخاسر تسمى "الرجعة"، التي تكفيه ليستقلّ سيارة أجرة عائداً إلى بيته.
حكايات كثيرة تدور في هذه الصالات. وبعض هذه الحكايات كنت مشاركاً فيها بدور ثانوي.
مرة تقدم مني أحد اللاعبين طالباً مني أن أصرف له عشرين ألف ليرة أخرى، بعدما لعب وخسر العشرين ألف ليرة الأولى. لعب وخسر من جديد. ثم تكرر المشهد مرات ثلاث. خسر ما يقارب ستين ألف ليرة. اقترب من الآلة وضربها بيده، منتظراً أن تجاوبه. كانت أصابعه مشدودة على شكل قبضة جاهزة للكم الآلة لكمة أخرى أقسى من الأولى. لم أتحرك من مكاني قيد أنملة. وانشغلت في النظر في ورقة أمامي كنت أكتب عليها. سمعت وقع خطواته تدنو من مكتبي، لكنني لم أرفع عينيّ. توجه إلي بصوت خفيض، قائلاً "أرجوك يجب أن أعود إلى زوجتي وأولادي" ثم انتظر قليلاً منتظراً إشارة مني. ظللت صامتاً، وهو يعرف تماماً أنني لا أستطيع أن أعيد له ماله.
[ في حرب تموز
أثناء حرب تموز 2006، كان المحل أشبه بمغارة منسية كأن الحرب كانت تدور في سماء منطقتنا. رغم ذلك، كنت أفتح المحل صباحاً، لم يمض يوم من دون استقبال بعض من كان يفتش عن تسلية.
من المواظبين رقم واحد شاب في الثلاثين من عمره. في ذلك اليوم قرر أن يلعب على ماكينة "هوفر". وصل ما جمعه إلى تسعة وأربعين ألفاً. الحد الأدنى لسحب المال من الماكينة يجب أن يتخطى الخمسين ألفاً. وقد وضعت هذه القاعدة حتى لا يسحب اللاعب "بون الترحيب". مجموع ما كان قد ربحه في خلال شهرين كان أكثر من تسع مئة ألف. طلب أن أسحب النقود من الماكينة. رفضت. أكمل اللعب، وخسر. كانت المرة الأولى التي يخسر فيها، والمرة الأولى التي يطلب فيها إعادة تعبئة الماكينة. أعاد الكرة. أنفق أكثر من أربع مئة وثمانين ألفاً في أربعين دقيقة. بات يتكلم "هندي"…
بعد أن انتهت نوبة الجنون، أمرني أن أحجز له الماكينة. رجع بعد ثلاث ساعات ليخسر ثلاث مئة ألف ليرة. ومع إحتراق كل عشرة آلاف كان لا يتوانى عن الشتم وضرب الماكينة. كدت أن أفقد أعصابي في كثير من الفترات، لكنني سكت على مضض. وحين بلعت غضبي، سمّرت عينيّ على شاشة التلفزيون، أتابع المجازر الإسرائيلية. عندما دقّت الساعة الخامسة مساءً، انتهت نوبتي وسلّمت الصندوق إلى بديلي، وذهبت الى نادي الأثقال. هناك أروّح عن نفسي. بعد أقل من نصف ساعة على وصولي تلقيت اتصالاً وقبل أن أتفوه بكلمة سمعت صوتاً يكاد يثقب أذني: "إسمعني جيداً، ستشهد مجزرة اليوم إن لم تُعد لي كل أموالي وسأغرق المحل بالدم…". وبعد أن عرّف عن نفسه، فهمت أن بديلي جبان، أعطاه رقمي. لا أدري من أين أوتيت بهذه الشجاعة، صرخت فيه: "إنتظرني أنا قادم اليك، سأريك من أين سيسيل الدم". أقفلت الخط وشرعت بإرتداء ملابسي. رن الهاتف من جديد بعد دقيقتين. كان هو يتكلم بصوت متهدج: "روّق بالك، لم أقصد، أرجوك، صرفت الأموال المرسلة من أهلي في الخارج". أشفقت عليه، طلبت من بديلي أن يعطيه مئة ألف. رحل بعدها شاكراً.
جئت صباحاً كالمعتاد في اليوم التالي. كان واقفاً أمام الباب بكل تهذيب. جاء حاملاً سبعة وعشرون الفاً، لعب على ماكينة "كريمة"، أصاب "رويال" مجموعة من خمسة أوراق تتألف من (أس، ختيار، دام، شاب، وعشرة) من الصنف واللون عينه. لكن بدلاً من أن يسحب أمواله وينصرف، أصرّ أن يلعب على الماكينة نفسها التي لعب عليها البارحة وخسر. عاد يطلب ثأراً من قطعة حديد، وخسر مجدداً. انهار، سحب محفظته، أراني صور إبنه وابنته. أقسم أنه سيكون "إبن شر… إن عاود لعب القمار بعد اليوم". ورغم كل ذلك لم يحترم قسمه وعاد إلى اللعب.
شهادات
هذه الحكايا الواقعية هي جزء من شهادة مدير إحدى صالات التسلية الرخيصة في الحياء المدينية، التي يدمن روادها المقامرة على أوراق اللعب المرتسمة على شاشات الآلات (الصغيرة) المنتشرة في هذه الصالات والشبيهة بأمهاتها (الكبيرة) المتوفرة في صالات كازينو لبنان، بحيث سميناها "بنات كازينو لبنان القاصرات".
والحكايا هذه رواها محدثي عن تجربتي الطويلة في إحدى الصالات، تاركاً في حوزتي باقة من الأخبار عن نماذج على المقامرة الفردية البائسة.
وحكمة الراوي الأخيرة خلاصة لتجربته، لخصها في العبارة الآتية: عندما يصبح السعي وراء الأحلام أكثر بؤساً من واقع أليم، تصير الأحلام البائسة جريمة.
[ طبيب اطفال يحتاج الى طبيب
ثيابه الأنيقة المرتبة حين يدخل تشير إلى أنه رجل مرتاح ويعتني بمظهره. عرفت لاحقاً أنه طبيب أطفال. يقف أمامي من دون أن ينظر مباشرة في عينيّ. أكاد لا أشعر بوجوده، يحيّيني بأدب ويناولني عشرة آلاف ليرة، ثم يشير بيده إلى الماكينة التي يرغب في اللعب عليها.
خساراته تراوح بين المئة والأربعمئة ألف في اليوم الواحد. إنها حصيلة معاينات الأطفال الذين يزورونه على الأرجح، اليد نفسها التي تتحسس الأجساد الصغيرة بحثاً عن المرض فيها صباحاً، تتحول إلى داء يبدأ في أطراف الأصابع ليتفشى في جسمه وروحه. إدمان خبيث يتفوق على ثقافة سنوات طويلة ودراستها.
في كل مرة يأتي فيها كنت أمشي أمامه وهو يسير ورائي صاغراً ومكسوراً كجندي يفتش عن عذر بعد أن خسر كل المعارك التي خاضها. أسأله إن كان في حاجة إلى شراب، وفي كل مرة يكون جوابه: "كأس ماء من فضلك". يجلس، يلعب بهدوء، يبتسم في صمت عندما يربح. وصامتاً أيضاً يغضب عندما يخسر. يفكر كثيراً بين الجولات، يحتسب الأرقام في رأسه، يتمتم بصوت منخفض بضع كلمات غير مفهومة، ينعزل عن محيطه. لم أسمعه يوماً شاكياً أو لاعناً… يصبح امتداداً للآلة أمامه.
مرة، بينما كان منكباً على الأرقام، مسمّراً كصنم في معرض، شعر بنظرات تنهمر على كتفيه. لم يلتفت. وحدها عينه اليسرى تحرّكت. خلفه وقفت امرأة تبدو عليها إمارات التعب والسهر. أذكرُ شعرها الأسود القصير، ثيابها الرثة، وكيف توقف عن اللعب عندما رمقها بطرف عينه. تأملتها، سألت في سري: لا بد أن تكون متسوّلة وقد اختارت الطبيب لحسن هندامه. كانت الساعة تشارف الرابعة بعد الظهر. تبادلا الصمت. فكّرتُ أن أتدخّل، أن أطردها ربما. تأمين الراحة للزبائن وظيفتي. مشيتُ باتجاهها، كانت قد قررت الرحيل من دون أن تتكلم. وراءها، على مسافة بضع خطوات، كان الطبيب يسير مطأطئ الرأس. اقترب مني، كالعادة لم ينظر الى وجهي، ثم همس في أذني طالباً أن أحجز مقعده إلى الغد.
الحديث الصامت الذي تبادلاه، لم يكن صعباً فهم مكنوناته عندما عرفت لاحقاً أن المرأة المتعبة التي رأيتها كانت أمه. أمّ ضحت من أجل أن يصبح إبنها "دكتوراً". وجاء "الدكتور" بعد عدة أيام، لعب من جديد، خسر من جديد ولم تتوقف زياراته كما توقعت، إلى أن جاءت والدته في أحد الأيام، لم يكن يومها في المحل. سألتني عنه. خجلت من حضورها، سكتُّ، نظرت إليها، كأنها الحزن مصبوباً في جسد امرأة. أجبتها بالنفي، كذبت. أخبرته لاحقاً أنها سألت عنه. لم يتكلم. لعب وتجاهلني. خسر ورحل. ولكنني لم أره بعدها، لا أدري إن كان أقلع عن اللعب أم أنه اختار البحث عن محل تسلية آخر لا تعرفه والدته.
[ سائق سيارة أجرة
ممشوق القامة، يقارب المترين طولاً، مفتول العضلات، قوي البنية. يملك طلّة تخيف أشجع الرجال. صوته جهوري. في الأربعين من عمره، ويمشي واثقاً. إنه من الأشخاص الذين تتلافى إغضابهم أو حتى النظر مباشرة في عيونهم. كان يدخل دائماً مستعجلاً، ويبدأ كالجميع بالعشرين ألفاً المضاعفة. هو من الرجال المحظوظين في ألعاب التسلية. أقول من المحظوظين لأنني أصبحت واثقاً، بعد عامين من العمل في محلّين مختلفين من محلات التسلية، من أنه لا يوجد رجال ماهرون في هذه الألعاب. كان في كل مرة يخرج منتشياً، منتصراً. لم يخسر أبداً لفترة زمنية طويلة. وعلى ما أذكر لأكثر من سبعة أشهر، كنت أراه خلالها مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع الواحد. لم يتعدّ المبلغ الذى يراهن به ثلاثين ألفاً في اليوم الواحد. بالنسبة إليه كان المجيء الى الصالة وظيفة ثانية تعود اليه بدخل إضافي. يتوقف عن اللعب عندما يربح ما يقارب ستين ألفاً أو سبعين. كنت أبتسم في كل مرة يودّعني فيها ضاحكاً، وأخاف أن يكون دوامي في المناوبة إذا خسر. تمنيتُ ألا يخسر أبداً.
مرة لعب وخسر. شعرت ببرودة قارسة تسري في جسدي. جاء إلي طالباً أن أصرف له عشرين ألفاً أخرى. لعب وخسر مرة ثانية، ثم ثالثة، فضرب الآلة بقبضته.
عندما رآني صامتاً تقدم مني قائلاً: "أحتاج إلى ثلاثة آلاف لأملأ خزان السيارة بالوقود، لأعمل". ناولته خمسة آلاف، على الرغم من أنه لم يكن مسموحاً لي. أخذت الأمر على عاتقي، أردته أن يخرج بأقل أضرار ممكنة. شكرني وخرج. تنفست الصعداء، وأكملت مناوبتي. كانت الساعة قد قاربت الحادية عشرة ليلاً. بعد ساعة عاد، حاملاً ثلاثين ألفاً. أشار بسبابته إلى الماكينة نفسها. قال: "عبيلي المكنة ستة". أطعته. لعب وخسر من جديد. تكرر المشهد نفسه، وفي المرة الأخيرة أضاف قبل أن يرحل أن زوجته أوصته بشراء أغراض من السوق.
تُقفل أبواب المحل بحلول الساعة الثانية صباحاً. انتصب من جديد أمامي قرابة الثانية إلا ربعاً. عاد لينتقم من الماكينة رقم ستة. أصبحت عدوه اللدود والثأر ينهش عينيه المحمرّتين. طلبت منه أن يلعب على ماكينة أخرى. لم يقبل. حاولت أكثر من مرة، كان يزداد إصراراً. ما لا يعرفه اللاعبون أن الماكينات تبرمج. فهي تقسّم في أوساط اللاعبين الى ثلاث فئات: كريمة، رخوة، وبخيلة. الماكينة رقم ستة يومذاك كانت بخيلة.
على عكس المرتين السابقتين ربح. أصبحت الماكينة مدينة له بأكثر من مئة ألف ليرة. اقتربت منه، همست في أذنه أن يسحب المال ويرحل. أجابني: "لا، المكنة فيها بعد". أخبرته أنه إذا خسر مجدداً لن أستطيع أن أهبه الـ"الرجعة". سخر مني قائلاً: "ما رح عوزا". انصرفت عنه متوجساً الشر الآتي. ثم بدأت الماكينة عقابها القاسي. تبخرت أمواله على دفعات ولم يتوقف عن اللعب. دخّن كثيراً، عبقت الصالة بالدخان الأبيض. رماد السجائر في كل أرجاء المكان، فيما خلا المنفضة بجانبه. عاد يضرب الماكينة شاتماً الحظ والقمار والطمع.
جاء إليّ صارخاً بصوت شلّني من الرعب "طاروا المصريات". لم أتكلم. فهم من نظرتي أنني أنذرته سابقاً. طلب عشرة آلاف. رفضت. طلب من جديد، أخبرني عن أولاده وزوجته عارضاً تقبيل يدي. لم أستطع أن أمنع نفسي من وعظه وهو سمعني كتلميذ نجيب. هز رأسه موافقاً. فجأة شهق، وتحوّل المارد ولداً يبكي. حاولت أن أكلمه، تابع النحيب لأكثر من خمس دقائق. كان يرتجف كورقة يابسة تنتظر سقوطها عن الشجرة. أعطيته عشرة آلاف من جيبي الخاص. رحل ولم يعد مطلقاً.
[ فتيان فلسطينيون
هم فلسطينيو الجنسية، مجموعة من ثلاثة فتيان شرسين. يتحاشاهم الجميع، يشعرون بأنهم ليسوا في وعيهم الطبيعي. يتناولون حبوب هلوسة ممزوجة بدواء سعال (dulsana) أو أي صنف مماثل، يشربونه دفعة واحدة. يسمى شرب هذا المزيج في العامية "تحبحب"، المشتقة من كلمة حبة.
مرة دخل أحدهم إلى الصالة منتشياً جداً. لعب بخمسة عشر ألف ليرة. طال الوقت بين ربح وخسارة. ضرب الماكينة، لعن الدين، شتم أصحاب المحل ومن فيه، وأخيراً توجه إلي طالباً أن أملأ الماكينة بعشرين ألفاً كعلاوة. رفضت ذلك فأنا أستطيع أن أعيد ملء الماكينة بخمسة آلاف عند خسارة اللاعب خمسين ألفاً. قابل رفضي بالتهديد. لم أذعن، هددته بدوري. ساد صمت في الصالة، كان كل منا ينظر في عيني الآخر. صديقاه تسمّرا بعيداً يراقبان ما يحدث. بحركة مفاجئة انقضّ الشاب على العامل المصري المسؤول عن تنظيف الصالة ووجّه إليه ضربة على وجهه أوقعته أرضاً. ما إن سمع الموظف الثاني صوت جسد يهوي أرضاً حتى أطلق ساقيه هارباً من المحل.
إلتفت الشاب نحوي وانتشل من جيبه قطعة حديدية، وضعها حول مفاصل أصابعه. أغلق يده على قبضة الحديد المحدودبة الأطراف التي تعرف بالـ "برجمة"، وبالعامية الـ "بونية". هجم عليّ كوحش مسعور، فتراجعت الى الوراء علّني أتفادى ضربة مؤكدة. لا أزال أذكر لمعان الحديد ووهج الضربة المنقض بها عليّ. تناولت كرسياً حديدياً من جانبي وضربت الفتى على صدره بكامل قواي. طار عن الأرض وسقط مغشياً عليه بلا حراك. في هذه اللحظة فقط شعرت بالرعب يسري كالسم في عروقي. خفت أن يكون قد لاقى حتفه. مرت دقائق طويلة قبل أن يتمكن من الحراك بانزعاج، فحمله أصحابه ورحلوا. "القمرجي جبان"، على ما يقال.
[ سمّاك يقامر باللقز
صياد سمك، يعرف باسمه الأول متبوعاً بـ"السمّاك" بدلاً من اسم الشهرة. فمه يشبه الكهف المظلم، لا يوجد أي أثر لسنّ أو ضرس بين شدقيه. قصير القامة، نحيل جداً. كان "قطافاً" وهي صفة تطلق على الأشخاص الذين يلعبون ويربحون دائماً. يلعب دائماً على ماكينة خسر عليها أحدهم مبلغاً كبيراً. "يقطف" ما زرعه غيره. يأتي صباحاً ويتوجه مباشرة الى الماكينة التي تلقى "تعليمة" من أحد رفاقه عنها. الرسالة غالباً ما تكون على الشكل الآتي: "روح لعاب عالمكنة 15، أكلت بونين ومئة الف"، في إشارة الى بون الترحيب والمبلغ الذي خسره البارحة أحدهم.
غالباً ما كان يأتي واثقاً من نفسه. في إحدى المرات جلس وراء ماكينة بخيلة. لعب وخسر. بحث في جيبه، للمرة الأولى، عن محاولة ثانية. الخسارة أمر مستحيل عنده. يجب أن يحافظ على صيته وعلى قناعاته. لعب حتى خسر آخر ليرة معه. لم يستطع أن يتوقف. جال بين الحاضرين عارضاً بيع كيلو سمك اللقز (الهامور) بعشرين دولاراً. عربته التي يبيع عليها السمك متوقفة خارج الصالة. باع الكيلو أخيراً بعشرين ألفاً. بادل السمك بالمال والمال بالـ"فيش". ابتلعت الماكينة الـ"فيش"، وتضاءلت أسعار اللّقُز مع شح الطلب بين الموجودين. باع آخر كلغ وخسر كل المال الذي جناه. توجه إلي، أخذني جانباً ليخبرني بأنه يحتفظ بأربعة كيلوغرامات قريدس ثم سألني إذا كنت مهتماً بشرائها بعشرة آلاف ليرة فقط لا غير، فقبلت. دفعت له خمسة عشر ألفاً، لعب بها وخسر. خرج من الصالة قبل أن تحين ساعة الظهيرة، ليعود إلى بيته بعد أن باع كل أسماكه على غير عادة… باكراً.
[ مسدس العائد من ألمانيا
وضع الهاتف في جيب سترته، معلناً أنه يريد استرجاع أمواله بأي طريقة منتظراً مساعدة صديقه الذي اتصل به ليجمع عدداً من الأصحاب ويهددوا مسؤول الصالة. عاد ينظر إلى الماكينة أمامه. يتأمّل زجاجها المكسور، وقبضة يده التي يسيل منها الدم. خسر مبلغاً كبيراً. "غرق" في ماكينة معروفة باسم "هوفر"، والكلمة مشتقة من الماركة الشهيرة للمكانس الكهربائية. سعر الـ"فيش" على الماكينة المذكورة يبلغ أقصاه. يصل الى الألف ليرة. الربح مغرٍ والخسارة موجعة الى أقصى حد.
لم يكتف الرجل العائد حديثاً من ألمانيا باللعب على ماكينة الـ"هوفر". وصل به الغضب إلى اللجوء الى زر الـ"دبل" في محاولة لمضاعفة الربح وطمعاً باسترداد ما خسره بجولة واحدة. خسر كل شيء، ضرب الآلة وكسر زجاجها. وعندما لم تردّ له ماله المهدور، لجأ الى طريقة القبضايات. لم يعد مجدياً انتظار أصحابه، تأخروا كثيراً. بينما كان مدير المحل يحاول أن يطيّب خاطره، سحب مسدساً من جيبه وضربه بقبضته على رأسه. سقط هذا الأخير عن الدرج مضرجاً بالدماء. هرب العامل المصري هذه المرة من دون أن يفكر للحظة. سادت الفوضى في الصالة، وتدافع الموجودون فيها إلى الخارج.
خفت كثيراً هذه المرة. أيقنت أن تماريني الرياضية المنتظمة وعضلات جسمي المفتولة، لن تتمكن من تحدي المسدس. اتصلتُ بصاحب المحل، أخبرته بما حدث. دقائق قليلة مرت ببطء على من يعرف أن الحياة تعتمد على ثانية لتستمر. وصل صاحب المحل بسيارته السريعة الباهظة الثمن. نزل من السيارة يسبقه حارسه الشخصي. وقبل أن أعي التتمة، كانت سيارتا "مخابرات" تغلقان أي منفذ محتمل للهروب من المأزق الذي وجد صاحبنا نفسه سجيناً فيه. آخر ما رأيته صفعة كادت تقتلع رأس الرجل من مكانه. اختفى من بعدها ولم يأتِ إلى المحل مطلقاً. عرفت أنه سجن لثلاثة أشهر.
بعد هذه الحادثة، تحولت قصة هذا الرجل إلى أمثولة تلوكها الألسن في الصالة لشهور طويلة. أضحت أسطورة المحل. القدامى يحذرون الجدد. لم يجرؤ من بعدها أي شخص أن يشهر مسدساً. أمثولة علمتنا نحن أيضاً درساً. ففي اليوم التالي وظفنا حارساً ضخماً مهمته الوقوف قرب المدخل، لتذكير الداخل بأننا جاهزون لأي مغامرة.
ماكينة لبلع معاش التقاعد
من زوار المحل الدائمين، رجل وولداه يأتون سوياً. مشهورون بالتذمر والشكوى. امتحان صعب للصبر. الإبن الأصغر في منتصف العشرين من عمره، مريض "يغسل الكلى"، ومزعج إلى أقصى حد. يسكب المشروب أرضاً، يضرب الماكينة، يشتم كل من وما تراه عيناه. يستفزك لتضربه، يعرف جيداً أن شفقتك عليه ستمنعك من ذلك في نهاية الأمر. يبكي في كل مرة لأنه صرف أموال العلاج.
عائلة أخرى مؤلفة من رجل وزوجته وأمه. الزوج يخسر دائماً، الزوجة من الجنسية السريلنكية تربح دائماً. الوالدة غالباً ما تخسر ولكنها تجد دائماً صديقاً جديداً يعيد ملء ماكينتها لتلعب من جديد. صداقة تدوم الى أبعد من حدود اللقاء في الصالة.
مدام "واو"، إمرأة في الخمسين من عمرها بحسب الهوية، وفي العشرين وفقاً لأسلوب لبسها. ترتدي ثياباً ضيقة تبرز تفاصيل جسد حافظت على رشاقته رغم عبث الزمن به. تتغاضى عن نظرات الرجال الى ما بان من صدرها المكشوف. تستعين بكلمات فرنسية في عباراتها. تتكلم بصوت هادئ فيه نغمة مثيرة تتقنها جيداً. لا تشرب القهوة إلا في فنجان من زجاج بدلاً من الفناجين البلاستيكية التي نستعملها عادةً. تتراقص بين أناملها سيجارة طويلة ورفيعة. عندما تصل تطلب مني: "أريد مكنة تلعّبني"، في إشارة الى ماكينة تلعب عليها طويلاً، كي تخسر وتربح لأطول فترة ممكنة.
أرملة أحد العسكريين، تأتي في بداية كل شهر. تقبض معاش تقاعد زوجها من الدولة. تبادل أموالاً جديدة بـ"فيش" اللعب. أنيقة المظهر. تلعب بهدوء. تتقبل خسارتها بصمت. تبقى جالسة أمام الماكينة حتى بعد خسارة كل ما تحمل من مال في حقيبتها. تنظر إلى اللاشيء.
حكايات كأنها من بنات الجحيم، لكنها واقعية، من بنات أحيائنا، على الرغم من أنها نادراً ما تجد من يرويها. حكايا تدور بكل قسوتها وجنونها، خلف أبواب عادية… تشبه الكثير من الأبواب، لكنها تفتح لروّادها بوّابات لا مثيل لها إلا… في الجحيم. وهو جحيم "قانوني"، بمعنى أنه يعيش في ظلّ القانون. أما روّاد ذلك النوع من "التسلية" الذين لا يملوّن من "لحس المبرد"، فقد علّمتهم تجاربهم المريرة أن القانون الذي يحمي المقامرة، لا يحمي المغفّلين.
" المستقبل "




















