أثار إعلان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل نيّته تشكيل "مرجعية فلسطينية جديدة" بديلا من منظمة التحرير الفلسطينية، استياءا وغضبا واسعين في صفوف مختلف القوى السياسية والقطاعات الشعبية الفلسطينية.
الاستياء والغضب تفجّرا بسبب ما شكّله الإعلان المذكور من قفز بالخلاف والانقسام من حيز التنافر السياسي إلى القطيعة النهائية، أو إذا شئنا الدقة واستخدام لغة السياسة، إلى تبنّي مشروع آخر، لا علاقة له البتة بمشروع المنظمة، والذي ظلّ منذ تأسيسها عام 1964 يتّجه سياسيا نحو بلورة الكيانية الفلسطينية وشحذ الوطنية وتوجيهها نحو أهداف كانت بدأت عامة، ثم تبلورت، ولكنها في كل الحالات والأحوال ظلت ترفع راية الاستقلال الوطني.
وبهذا المعنى بالذات ارتبط تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية شعبيا بكونها الوطن السياسي والمعنوي للشعب الفلسطيني، و"الكيان الجامع" الذي يمكنه وحده التعبير عن إرادة الفلسطينيين في مختلف أماكن شتاتهم داخل الوطن وخارجه في مخيمات اللجوء وتجمعات الشتات الأوروبي والأميركي والأسترالي. ذلك الكيان الجامع" يعني غيابه عودة الشعب الفلسطيني من جديد إلى مرحلة "التيه الوطني" التي تعني عزل التجمعات الشعبية الفلسطينية عن بعضها البعض، وافتقادها إلى الحاضنة الوطنية الواحدة، وفتح الباب أمام خلق أدوات سياسية متعددة تعنى كل واحدة منها بشؤون محلية تخص هذا التجمع الشعبي أو ذاك، ولا تستطيع ـ مهما كانت نواياها ـ الارتقاء إلى مستوى المواجهة الشاملة لمتطلبات واستحقاقات العملية الكفاحية الوطنية الشاملة لإحباط مخططات إسرائيل، من أجل استشراف أفق الاستقلال وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة.
من يتأمّل اليوم تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية سوف يكتشف دون عناء كبير أنه تماما تاريخ الكفاح الوطني الفلسطيني الشامل لكل القوى السياسية الفلسطينية مجتمعة ومنفردة طيلة العقود الخمسة الماضية، وهو كفاح كانت محطاته الرئيسة تتوّج دوما بارتقاء مكانة المنظمة من طور إلى طور أعلى، وصولا إلى الاعتراف العربي الشامل بها "كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني"، وهو الاعتراف الذي كان بوّابة الاعتراف العالمي عبر دعوة الأمم المتحدة للرئيس الراحل ياسر عرفات إلى إلقاء كلمته الشهيرة أمام الجمعية العامة للمنظمة الدولية، ومن ثمّ قبول المنظمة عضوا مراقبا في الأمم المتحدة، أي بلغة السياسة والقانون الدولي معا الاعتراف بعدالة الكفاح الوطني الفلسطيني ومشروعيته، والاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني مثل سائر الأمم والشعوب في العالم.
المسألة بهذا المعنى، وبالسياقات الكفاحية المتّصلة به ومعه، ليست خلافا حول تنظيم أو حزب، ولا حتى مواقف سياسية وفكرية يمكن لأحد أن يتخذها، فذلك طبيعي ومشروع بل بديهي، لكنها تتعلّق وبصورة مباشرة بالكيان السياسي الوطني التمثيلي والجامع والمتداول في أربعة أركان المعمورة باعتباره صورة الشعب الفلسطيني وجنين دولته المستقلة القادمة بالضرورة وبقوانين المنطق الكفاحي وليس منطق العدالة الإنسانية وحسب.
وبهذا المعنى أيضا وبالذات نرى محاولة العبث الجديدة ليس باعتبارها اعتداء على المنظمة وحسب، ولكن على الحلم الوطني الفلسطيني، وعلى إطاره الكياني الرّاهن بما هو حاضنة كل الجهود الوطنية القادرة والمؤهلة على تأطيرها وزجّها في السياق العام للفعل الوطني وضروراته.
نقول ذلك ونحن نعرف بالتجربة والمعايشة والفهم العميق أن الدعوة إلى بناء "مرجعية جديدة" هي بالضرورة دعوة للخروج ليس على الإطار التمثيلي للمنظمة وحسب، ولكن فوق ذلك ومعه على ما تجسّده المنظمة وما هو مناط بها، وعلى مجموع الإنجازات التي حققتها في الساحتين العربية والدولية طيلة العقود الماضية، وهو خروج يفتح الأبواب على مصاريعها لتعزيز الفكرة المعادية للحقوق الوطنية الفلسطينية التي بات عنوانها الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، ذلك أن أشد المعادين لاتفاق أوسلو يعترفون له بأن منجزه الأهم كان بالتأكيد توقيع رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين باسم حكومته على نص تعترف من خلاله بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد له، وهو اعتراف جاء بعد سلسلة طويلة من السياسات الإسرائيلية القائمة على إنكار وجود الشعب الفلسطيني الذي كانت تردد غولدا مائير أنها لم تسمع به، وهو قبل ذلك وبعده إعتراف رسمي إسرائيلي دفع الشعب الفلسطيني ثمنه من دم عشرات آلاف الشهداء من أبنائه خلال كفاح طويل في إطار المنظمة وفصائلها الوطنية المؤتلفة في صفوفها، ولم يكن منّة من دولة أو حتى مجموعة من الدول.
الحديث عن "مرجعية" بديلة لمنظمة التحرير يتجاوز هنا منطق "المناكفة" السياسية ليذهب في اتجاه مزيد من تشتيت الجهد والتوجه على حد سواء، خصوصا وأنه يصادر الحوار الفلسطيني المزمع عقده في القاهرة، بل إنه يضع مزيدا من العصي في دواليبه. فلا يمكن أن يستقيم حوار وطني إذا كانت بعض أطرافه تعلن سلفا أنها حتى ولو اتفقت على القضايا السياسية إلا أنها لن تتفق على الإطار التمثيلي والحاضنة الوطنية، ما يعني عمليا نسف الحوار قبل أن ينطلق. وفي سياق "مناكفة" كهذه تتضح الفجوة الشاسعة بين مشروعين سياسيين نقيضين ما أن يتقاربا قليلا حتى يتنافرا بسرعة ومع كل منهما تحالفاته الفلسطينية والعربية والدولية، بما يجعل الصورة صورتين والمنطق منطقين.
لقد دلّلت تجارب الانقسام السابقة خطل المراهنة على إلغاء منظمة التحرير الفلسطينية أو تهميشها لسبب بسيط أن المنظمة لا تدين بوجودها وحضورها الدولي إلى شخص أو مجموعة أشخاص، مثلما لا تستمد شرعيتها من قرارات يمكن أن تنقضها هذه الدولة أو تلك. فالشرعية هنا تنبع من حضور المنظمة الرّاسخ في وعي الفلسطينيين، ومن حاجتهم لها ككيان سياسي يحرصون على وجوده حتى وهي في أشد حالاتها ترهلا وحاجة جديّة للإصلاح، ذلك أن الإصلاح المقبول بل والمطالب به بقوة، شيء آخر مختلف ومتناقض تماما مع فكرة هدم المنظمة أو السعي إلى خلق بديل لها، يعرف الفلسطينيون أنه وإن نجح في هدم المنظمة إلا أن المؤكد أنه لن ينجح في نيل الشرعية الشعبية أولا، ثم لن ينجح في نيل اعتراف دول الجامعة العربية ودول العالم الخارجي خصوصا وأن أصحاب الدعوة لتأسيس تلك "المرجعية" ينطلقون من سياسات لا تلقى قبولا في أي مكان من عالمنا الواسع، وهم سوف يؤلفون "مرجعيتهم" من قماشة تلك السياسات المعزولة فيورثونها عزلتهم.
مع ذلك فقد شهدت الأيام القليلة التي أعقبت إعلان خالد مشعل "تراجعا" ملحوظا من خلال مجموعة "التفسيرات" التي أطلقها عدد من مسؤولي حركة حماس، والناطقين الإعلاميين باسمها، والتي انصبّت على "توضيح" أن "المرجعية" العتيدة ليست بديلا عن المنظمة.
ذلك حدث بفعل حجم المعارضة الفصائلية والشعبية والعربية الواسعة للفكرة بما في ذلك معارضة حركة "الجهاد الإسلامي" الفصيل الإسلامي الفلسطيني ناهيك عن معارضة الجبهتين الديمقراطية والشعبية وحزب الشعب الفلسطيني وحزب فدا، وناهيك أيضا عن المعارضة الأساس التي مثّلتها حركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية وصاحبة المشروع الوطني الفلسطيني.
[ 2
خلال أيام العدوان الهمجي الإسرائيلي على قطاع غزة ظهر واضحا للعيان أن الرأي العام العالمي قد استعاد كثيرا من عافيته بعد الإرهاب الطويل الذي تعرض له خلال حملة الولايات المتحدة الأميركية على "الإرهاب" زمن ولايتي جورج بوش الطويلتين والمريرتين بما أنتجته تلك الحملة من سطوة طالت مختلف شعوب الأرض، وأثخنت الرأي العام العالمي وأصابت إنسانيته بجراح كثيرة.
لقد أثبت الرأي العام العالمي في مختلف العواصم والمدن العالمية وقوفه بقوة وشرف إلى جانب الشعب الفلسطيني في محنته التي تعرّض خلالها لأشرس حملة قتل منظم قامت بها قوات جيش حديث ومدجج بأحدث آلات القتل الأميركية، وهي وقفة تحتاج إلى تفعيل يضمن إدامتها مثلما يضمن تثميرها. ذلك ممكن بالتأكيد من خلال رفع قضايا أمام المحاكم الدولية التابعة للأمم المتحدة كما أمام محاكم البلدان المستقلة والتي تهتم قوانينها بمحاكمة مجرمي وجرائم الحرب ضد المدنيين.
ندعو إلى فعل ذلك بقوّة بالرّغم من عوائق كثيرة سوف تصادفنا في الطريق، وهي عوائق معروفة ومتوقعة، ولكنها لا تمنع من إيصال صوت الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال المحرقة الهمجية. بل إننا نرى حوافز دولية كثيرة معنا أطلقتها قوى ومؤسسات حقوق الإنسان في غير مكان من العالم وعبّر أصحابها عن شجبهم واستنكارهم للجرائم الإسرائيلية في صورة غير مسبوقة طيلة عقود الصراع العربي الإسرائيلي الستة.
من المفيد في حملة إنسانية وحقوقية كهذه توظيف الإعلام عموما والفن التلفزيوني خصوصا، وهو توظيف يمكنه الاستناد إلى كم هائل من الأشرطة المصوّرة التي سجّلتها عدسات مراسلي القنوات الفضائية بالصورة والصوت، والتي يمكنها أن تكون شهودا وأدلة إثبات لا يمكن دحضها وبالذات في ما يتعلق باستخدام الأسلحة المحرّم استخدامها دوليا ضد المدنيين ومنها القنابل الفوسفورية.
هنا بالذات يتوجب إبداء عناية خاصة بإظهار حجم الجرائم التي طالت الأطفال الفلسطينيين جرّاء تعرضهم المباشر لفتك تلك القنابل الحارقة، وتقديم هؤلاء الأطفال الضحايا شهودا في المحاكم الدولية وأمام منظمات حقوق الإنسان.
هي معركة أخرى لا تقل شرفا ولا شراسة عن معركة مواجهة المحرقة ذاتها، ففي الميدانين تتوجب المواجهة وكشف القتلة.
"المستقبل"




















