الحياة – 11/02/09//
خلال كل الحروب التي عاشتها المنطقة العربية منذ إحتلال قوات صدام حسين الكويت (آب/أغسطس 1990)، مرورا بحرب استعادتها منه، ثم حرب احتلال العراق، والعدوان الإسرائيلي على لبنان صيف العام 2006، وصولا إلى الهجوم التدميري الإسرائيلي على غزة شهدت المدن والعواصم العربية مظاهرات شعبية صاخبة أطلق خلالها المتظاهرون سراح غضبهم على واقع الحال الرسمي إلى أبعد الحدود الممكنة. مع ذلك يمكن رصد بعض الشعارات التي شكّلت ولا تزال ما يشبه «الثوابت» التي تتكرّر في كل تلك التظاهرات الموازية لحروب ساخنة وقعت في العراق ولبنان وفلسطين. من بين تلك «الثوابت» المطالبات المتكرّرة بفتح الجبهات العربية مع إسرائيل، أي اعتماد الخيار العسكري في التعامل مع الدولة العبرية بديلا من خيار الأنظمة العربية السلمي السائد منذ عقدين ويزيد.
هو شعار لا يزال يحمل بريقه الذي يلمع في نفوس مطلقيه في صخب التظاهرات التي تندلع مع كل حرب جديدة تعيشها منطقة عربية، ويعتقد مطلقوه أنه الرّد الحازم على الاعتداءات، والذي يمكنه وقفها ووضع حد نهائي لها، بل ويستطيع تحقيق الهدف العربي الأهم في تحرير الأراضي المحتلة وإعادة الشعب الفلسطيني إلى أرض وطنه. اللافت هنا أن شعار فتح الجبهات ينطلق من حناجر مطلقيه في معزل عن ملاحظة التجارب العسكرية العربية الكثيرة التي خسرت رهان الحروب السابقة، بل والتي كانت نتائجها المباشرة وقوع أراض عربية جديدة تحت الاحتلال، وهي مفارقة تجعل من الدعوة إلى حرب جديدة دعوة إلى هزيمة جديدة، أو إذا شئنا أن نحسن النيّة دعوة إلى تقديس الحرب في حد ذاتها (الحرب هنا تعني رفض الخنوع في حين يعني السلام الخنوع)، وهي مسألة باتت ملحوظة بكثافة لمن راقب المظاهرات التي واكبت العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.
واللافت هنا أيضا أن مطلقي ذلك الشعار الذين يطالبون الأنظمة العربية بفتح حدود بلادها للعمل العسكري يحرصون في الوقت ذاته على تخوين تلك الحكومات التي تحكم تلك الحدود، أي أنهم يقعون في التناقض الحاد، فكيف لحكومات نزعوا هم عنها صفات الوطنية أن تمارس فعل الحرب الوطنية وتقوم بتحرير أراض محتلة؟
نقول ذلك ونحن نلحظ أن معظم من يطالبون بالحرب في المظاهرات العربية إنما يضمرون في أنفسهم أنها حرب تقع في بلدان عربية أخرى وليس في بلدهم هم، ولعل تجربة غزة الأخيرة دليلا ساطعا على ما نقول، فبسبب عقدة تقديس الحرب في ذاتها وبمعزل عن موازين القوى شاهدنا وسمعنا كيف كانت الدعوة لوقف إطلاق النار تهمة يتعرض صاحبها للتشكيك في وطنيته. كان لسان حال الكثيرين أنه لا بد من مواصلة المعارك في غزة حتى تحقيق النصر الذي قال بعضهم أنه صار «صبر ساعة»، بل إن البعض لم يتورّع عن التأكيد أنه آت ولا يهم في سبيل تحقيقه أن يسقط بضعة آلاف من فلسطينيي القطاع!
أتذكر هنا أن أحد المتحمسين ضد الأنظمة العربية قد طالب الجماهير في برنامج»الاتجاه المعاكس» بالقيام بحرب عصابات ضد الأنظمة في بلدان عربية محددة، فما كان من «خصمه» في البرنامج إلا أن سأله: لماذا ضد تلك البلدان بالذات وليس في بلدك ؟
هـي ظاهرة ثقافية بمعنى ما، ذلك أن الجماهير العربية (تتم تسميتها هذه الأيام الشارع العربي) تعيش منذ نصف قرن ويزيد عطالة سياسية تجعلها تقف حائرة لا تدري ماذا تفعل خصوصا في مواجهة النكبات الكبرى، وإلا كيف لنا أن نفسّر تلك الدعوات شبه الغيبية لتقديس حروب يعرف القاصي والداني أن نتائجها شبه مضمونة لغير صالحنا ومهما حسنت النوايا؟.
ولأنها ظاهرة ثقافية بامتياز يمكن رؤية تعبيراتها السلبية من خلال الأفعال الانفعالية وذات الطابع المؤقت الذي تنجح الأحزاب والقوى المتطرفة من كل الاتجاهات الإسلامية والقومية في استثارتها واستدراجها. من يتأمّل في ظاهرة المظاهرات رغم إيجابيتها في التضامن مع الشعب الفلسطيني يتأكد أن توظيفها يجري بسهولة ويسر، حيث يمكن فعل ذلك من خلال الإعلام وبالذات التلفزيوني، وهو الذي تعتمد بعض قنواته الأكثر شهرة والأوسع انتشارا على «التهييج» القائم بدوره على تقديم بعض الحقيقة وبأساليب تدغدغ الغرائز وتدفع للإنفعال. نتذكر ما حدث ونرى جميعا بأمهات أعيننا أن كل المظاهرات الصاخبة التي استثارها مشهد الدم في غزة أيام العدوان عادت بسرعة وانطفأت وكأن شيئا لم يكن. لا نعني هنا أننا نريد تظاهرات دائمة ومتّصلة على مدار الساعة، ولكننا نشير فقط إلى ارفضاض تلك التظاهرات دون أن ترتقي إلى آليات فعل حقيقية تضمن دوام فاعلية التضامن مع الشعب الفلسطيني من خلال عمل منظم، مؤسسي ويمتلك برامج نشاطات واضحة ومحددة وذات أجندات وثيقة الصلة بالواقع.
خرج المتظاهرون وهتفوا مطالين بفتح الجبهات وإعلان الحرب.
صمتت المدافع في غزة ومن حولها واتجهت التطورات نحو تثبيت وقف إطلاق النار والتهدئة. جرت هتافات كثيرة وحتى متناقضة، وبقيت حالة الفعل الحقيقي الغائب الكبير عن ذلك كله.
* كاتب فلسطيني.




















