الحياة – 11/02/09//
لم تكن الولايات المتحدة في حاجة إلى «بيرل هاربر» كي تفك عزلتها وتنهي حالة الغموض التي وسمت النظام الدولي طيلة النصف الأول من القرن العشرين. ولم تكن روسيا السوفياتية في حاجة إلى سقوط حائط برلين في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1989 كي تدرك أنها لم تعد قطباً دولياً يحظى باحترام ومهابة أعدائه، فضلاً عن تابعيه. ففي كلتا الحالين كانت ثمة إرهاصات ماثلة تمهد لحدوث مثل هذه التحولات، ولم يكن ينقصها سوى الاعتراف.
في المقابل لم يكن العرب في حاجة إلى ثلاث هزائم من إسرائيل كي يدركوا أن ثمة نظاماً إقليمياً يجري ترسيخه، بتوافق دولي، يسعى لإعطاء تل أبيب اليد الطولى في تحديد تفاعلات المنطقة لعقود قادمة. وهي التي غامرت بخوض حروب ثلاث من أجل ترسيخ وضعها كقوة بازغة يجب التحسُّب لها.
لذا فقد كانت الوظيفة الأساسية للقوى العربية «التقليدية» طيلة العقود الخمسة الماضية هي محاولة تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل. وذلك على نحو ما فعلت مصر طيلة الخمسينات والستينات، والعراق وسورية في السبعينات والثمانينات، حتى انفرط العقد في التسعينات، وانتهت صلاحية النظام العربي الرسمي الذي نشأ بالأساس لمواجهة إسرائيل.
الآن يأبى كثير من العرب الاعتراف بأن نظاماً إقليمياً جديداً جرى ترسيخه طيلة الأعوام الستة الماضية، وأن ما يحدث حالياً ليس مجرد تجاذبات تمليها ظروف طارئة أو محاولات لفرض إرادة طرف على طرف، بقدر ما هي مخاض لنظام إقليمي جديد ينهض على أنقاض «الشرق الأوسط القديم» الذي انقضى بانتهاء التوازن «التقليدي» بين العرب وإسرائيل، وذلك إما نتيجة لخروج مصر من اللعبة وتحديد سقف تحركها بعدم الدخول في مواجهة جديدة مع إسرائيل، وذلك على نحو ما كان واضحاً في أزمة غزة الأخيرة، أو بسبب اختفاء العراق «القديم» وانهماكه في ترتيب أوضاعه الجديدة.
وقد غاب عن الجميع أن حروباً ثلاثاً جرت فى أقل من ست سنوات (2003 – 2009) تبدو كفيلة بقلب الموازين وإعادة ترتيب الأوضاع والأدوار، وطمْس ما تبقى من معالم النظام الإقليمي «القديم». وفي هذا السياق لن يصبح غريباً أن تسعى قوى إقليمية «ناشئة» مثل إيران وتركيا، ليس فقط باتجاه تحقيق التوازن مع إسرائيل على نحو ما كانت تفعل القوى التقليدية، وإنما أيضا للحلول محل هذه القوى وإنهاء تفوقها الإقليمي.
خصائص أربع تمثل الملامح العامة للشرق الأوسط «الجديد»: أولاً، انتقال مركز الثقل في تفاعلات النظام الإقليمي من القلب (مصر والسعودية والعراق) إلى الأطراف (إيران وتركيا)، بالإضافة إلى انتهاء أسطورة التوازن العربي مع إسرائيل. فالتفاعلات الرئيسية في المنطقة هي بالأساس تفاعلات غير عربية، وهي موزّعة على النحو التالي: تفاعلات أميركية – إيرانية، وتفاعلات إيرانية – إسرائيلية، وتفاعلات إسرائيلية – تركية، وفي كلٍ من هذه التفاعلات لا تقوم الأطراف العربية فيها إلا بأدوار المحفِّز (سورية) أو المسِّهل (قطر و «حزب الله» و «حماس»).
فالولايات المتحدة لا ترى تهديداً لمصالحها في المنطقة أكثر من بروز إيران كقوة إقليمية ذات ثقل. ويبدو إصرار واشنطن على «استرضاء» طهران بمثابة اعتراف صريح بمدى النفوذ الذي تمتلكه هذه الأخيرة، وترسيخ ضمني لدورها كطرف أصيل فى إدارة التفاعلات العربية – العربية. وهي حال تشبه حال إيزنهاور مع عبدالناصر خلال الخمسينات والتي أعطت مصر دوراً مركزياً في تحديد تفاعلات المنطقة. لذا لن يبدو غريباً أن تلعب إيران دوراً رئيسياً في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، وهي لن تساوم أميركا على أقل من ذلك.
في حين تبدو إسرائيل «مفزوعة» من الخطر الإيراني الذي بات يطوّقها بأذرعه الممتدة إلى قلب المنطقة العربية. وهي لم تعد تلقي بالاً للنظام العربي الذي بات كأسد عجوز فقد أسنانه، بقدر ما تتحسب لبروز إيران كقوة إقليمية ونووية لا يمكن ردعها مستقبلاً.
أما تركيا فتلعب على أوتار التوتر القائم فى المنطقة، وتقوم بتوظيفه لمصلحتها، سواء من خلال القيام بدور «المبرّد» للخلافات الإقليمية والعربية (كالوساطة بين دمشق وتل أبيب، أو بين «حماس» و «فتح»، وربما بين «حماس» وإسرائيل، وطهران وواشنطن مستقبلاً)، أو من خلال المزايدة على القضايا العربية عبر استنفار الروح «العثمانية» في مواجهة تل أبيب وذلك على نحو ما يردد دائماً رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان.
ثانياً، حدوث تحولات استراتيجية في منظومة الأمن الإقليمي، وهي تحوّلات تجسد عملياً انتهاء أطروحة «الأمن الإقليمي العربي»، كي تحل محلّها أطروحة «الترتيبات الأمنية الثنائية». وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى ثلاثة أنماط من الترتيبات الأمنية الجديدة، أولها ترتيبات إقليمية عربية تظهر جلياً في صيغة التحالف السوري – الإيراني. وثانيها الترتيبات الأمنية «الوظيفية» وتتجسد جلياً في علاقة التحالف بين طهران والفاعلين الجدد («حزب الله» و «حماس»). وثالثها ترتيبات إقليمية دولية سواء من خلال الصيغة الإسرائيلية – الأميركية التي تمت بلورتها أخيراً في الاتفاق الأمني بين تل أبيب وواشنطن، والتي تقوَض الأمن العربي من باب المندب وحتى البحر المتوسط، أو من خلال صيغة التحالف الأمني بين إسرائيل والقوى الأوروبية الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا من أجل وقف تهريب الأسلحة لحركة «حماس».
ثالثاً، تحول أنماط الدولة – النموذج (الدولة – القائد) من المحيط العربي إلى نظيره الإقليمي، وهو ما تجسده بوضوح حالتا إيران وتركيا. فالأولى لا تعرض نفسها على الشعوب العربية كقوة إقليمية تسعى للهيمنة، بقدر ما تتلبس عباءة المدافِع عن القضايا والحقوق العربية، بخاصة في ظل القيود المفروضة على القوى العربية «التقليدية». وهي ببساطة تسعى كي تصبح نسخة مكررة عن «مصر الناصرية» وذلك عبر وسيلتين، أولاهما الظهور بمظهر الداعِم لقوى «المقاومة والتحرير» في العالم العربي (كما فعل عبدالناصر مع حركات التحرر الإفريقية والعربية). وثانيهما، الإصرار على امتلاك التكنولوجيا النووية لتحقيق التوازن «المفقود» مع إسرائيل، ما يزيد من رصيدها وشعبيتها في الشارع العربي بوصفها قوة نووية «إسلامية».
أما تركيا فلا تقدم نفسها باعتبارها قوة إقليمية «ناشئة» تسعى لمد نفوذها إلى حديقتها «الخلفية»، بخاصة في ظل الأبواب الأوروبية الموصَدة أمامها، وإنما كطرف نزيه يعبأ بحال الضعف والهزال العربي. وهي في ذلك تملك مزيتين، أولاهما أنها دولة سنيّة شأنها في ذلك شأن الدول العربية، ما ينفي عنها التهمة المذهبية. وثانيهما أنها دولة ديموقراطية ما يجعلها منافساً أصيلاً لإسرائيل وينفي عنها صفة التفرد «النموذجي» في المنطقة. لذا، فلا عجب أن تصبح كلتا الدولتين (إيران وتركيا) محط إعجاب الكثيرين في العالم العربي، وأن تحظيا بتأييد ومباركة كل خطواتهما في سبيل تعزيز نفوذهما في المنطقة.
رابعاً، التحول في طبيعة «العدو»، ما يعني عملياً انتهاء أطروحة «العمل الجماعي»، مقابل ترسيخ سياسة «المحاور». وهي علامة بارزة على نهاية أهم ملامح الشرق الأوسط «القديم» الذي حملت فيه إسرائيل لقب «العدو» الأوحد من دون منازع. والآن ثمة تحولات جذرية في الوعي الرسمي العربي، تسعى لإعطاء هذا «اللقب» لقوى إقليمية جديدة. وهو بقدر ما يعكس هروباً جماعياً من مواجهة العدو «المؤكّد» وهو إسرائيل، فإنه يعكس أيضا الفشل الذريع في احتواء «العدو المحتمَل» وهو إيران. ولم يكن اجتماع أبوظبي قبل أسبوع سوى دليل كاشف على محدودية الخيارات العربية في التعاطي مع هذه الازدواجية.
ونتائج ما سبق مريرة، فحالياً يجري «تسميم» العلاقات العربية – العربية، والخروج بها من دائرة الاختلاف في الرؤية والاتجاه، إلى تصويرها بأنها خلافات حول المصالح والأهداف. في حين يجري تسخين الساحة العربية من أجل الدخول إما في مواجهة مباشرة مع الخطر التقليدي (إسرائيل) تحت ذريعة «الانتصار لخيار المقاومة»، أو في مواجهة غير مباشرة مع الخطر المحتمَل (إيران) بدعوى صد المد «الفارسي» عن المنطقة. لذا فليس غريباً أن تشهد الكواليس الإقليمية حالياً صراعاً ضارياً بين أجهزتها المختلفة، وذلك من أجل التحكم ببوصلة «الشرق الأوسط الجديد».
* كاتب مصري




















