عندما اختير نبيل العربي كأول وزير لخارجية مصر بعد رحيل مبارك ، استبشرنا خيرا بهذا الآتي من ميدان التحرير . وزاد استبشارنا عندما تم انتخابه كأمين عام لجامعة الدول العربية ، على أمل أن يضخّ دما جديدا في أوردة الجامعة المتآكلة منذ زمن بعيد ، وأن يزحزحها عن دورها التّبعي المنفّذ لإرادة الحكام وينقلها إلى دور أقرب لتطلعات الجماهير في عصر “الربيع العربي . “
لم يكن استبشارنا بلا سقف ، كما لم نكن نطمح بتحقيق المعجزات ، إدراكا منا ـ كسائر أبناء أمتنا ـ لوضع الجامعة كمؤسسة رسمية ، ولمحدودية قدراتها . ولهذا تمنّينا أن يُوفّق في مهمته الصعبة بهذه المرحلة الأصعب من تاريخ أمتنا الحديث ، وأن يبدأ عهده الجديد كأمين عام لبيت العرب بوقفة قومية مسؤولة تختلف عن وقَفَات من سبقوه إزاء قضايا أمتنا ، وما يواجهه شعبنا العربي السوري من حملات بطش وإبادة تنتقل ، آملين أن نرى بدايته الطيبة بما يمكنه القيام به إزاء هول ما يجري ، وما يُتوقّع أن تحمله الأيام بل ربما الساعات القادمة ، انطلاقا من إيماننا بأن الجامعة وإن كانت إطارا للأنظمة إلا أنها تُمثّل في عمقها الأبعد شعوبا من واجبها الدفاع عنهم.
لم يمض أسبوعان على استلامه مهمته حتى تلقينا نبأ قيامه بأول جولة عربية له ، بدأها بزيارة سورية والاجتماع برئيسها وسط هدير التظاهرات المطالبة برحيله في سائر المناطق والمدن . وسرعان ما فاجأنا بعد ذلك على الفور بتصريح تضمّن كلاما لم نتوقع قوله على لسانه ، الى جانب كلام آخر لا اعتراض لأحد عليه. ففي بداية حديثه ركّز العربي على موقف الجامعة القاضي برفض أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للدول العربية ـ وهذا أمر لا خلاف عليه ، ولكن ذلك لا يعني الإكتفاء بموقف حيادي أو متفرّج على ما يحصل، بل يفرض من باب الحرص على المصلحة القومية قيام الجامعة بدورها المسؤول كبديل ضروري عن أي تدخّل أجنبي أو اندساس لقوى وشخصيات تعمل لتحقيق أجندات معادية.
لهذا كان لافتا للإنتباه عدم إتيان الدكتور العربي في تصريحه على ذكر الشهداء الذين سقطوا منذ اندلاع الإنتفاضة الشعبية المباركة ، ولا المعتقلين أو الفارين هربا من وحشية النظام الى الدول المجاورة . كما لم يُشر ولو بدبلوماسية “شفّافة” الى ضرورة وقف حمّام الدم وسحب الجيش وقوات القمع من المدن والأحياء الشعبية ، بل أكد على العكس . مع أن الحديث في هذا الجانب الإنساني لا يتناقض مع موقف الجامعة ولا ميثاق الأمم المتحدة . ولكنه آثر الحديث بأسلوب مطابق للغة النظام ومعزز لأطروحاته حيث قال بالنص “تحدثنا بصراحة تامة حول المستجدات في المنطقة العربية ورياح التغيير التي هبت على بعض الدول العربية في مصر واليمن, وما يحدث في سورية التي دخلت مرحلة إصلاح حقيقي .. ” ، مؤكدا على أنه “لا يحق لأحد سحب الشرعية من زعيم لأن الشعب هو الذي يقرر ذلك .“
الملاحظة الأساسية على هذا الكلام تتلخص في أنه إذا كان رفض التدخل الأجنبي موقفا صحيحا ولا خلاف عليه ، فإن عبارته حول “عدم أحقية أحد سحب الشرعية من الزعيم” يكون صحيحا أيضا في حالة عدم سحب الشعب السوري بمعظمه هذه الشرعية منه ؟ وإلا كيف يمكن للثائرين ضد أنظمتهم الدكتاتورية الفاسدة أن يصلوا إلى أهدافهم إذا كان موقف أي أحد إلى جانبهم يحرمهم من هذا الحق الذي مارسوه وحقّقوه على الأرض ؟
أما الملاحظة الأخرى الأكثر إثارة للاستغراب ، فتتعلق بردّه على سؤال وُجّه إليه حول رأيه بما يتعرّض له الشارع السوري من قمع على أيدي قوات النظام ، حيث قال :” إن القوى الأمنية تحفظ الأمن والممتلكات العامة من بعض التجاوزات … ، هناك جهات تروّع المواطنين، لذلك لا يجب سحب الجيش من المدن “!
واجب الشعب وحقوقه
الأمين العام لجامعة الدول العربية يعرف تماما أن هموم شعبنا والتزاماته لم تنحصر يوما في إطار حدوده الجغرافية، بل حَمَل الهمّ العربي من مشرق الوطن إلى مغربه . وإذا كان هذا واجبه المؤمن بأدائه ، فإن من حقه إذا ما تعرّض لأي محنة داخلية أن يرى أشقاءه إلى جانبه لا إلى جانب نظامه الذي تمارس آلته القمعية عمليات إبادة استهدفت تركيعه منذ اليوم الأول لانتفاضته السلمية التي لم تنادي بغير الإصلاح والتصدّي للفساد . ومع ذلك وُوجِهت بوحشية لم تستثن طفلا ولا امرأة أو شيخا مسنّا . وما زالت حتى اللحظة تمعن في ارتكاب المذابح تحت إشراف الرئيس وأفراد عائلته المقرّبين ، غير آبهة بصيحات العالم المستنكرة ولا بسقوط قوافل الشهداء وتزايد آلاف المشردين . وها هي مدينة حماة التي استبيحت في العام 1982 بقرار رئاسي من والد الرئيس الحالي على أيدي قوى البطش التي كان يقودها شقيقه رفعت ، معرّضة في هذه الأيام للاستباحة مرة أخرى ، حيث تحاصرها القوى التابعة لابنه بشار ، بقيادة شقيقه ماهر ، في أغرب تكرار لصفحات تاريخ نظامنا الدكتاتوري بشخوصه ومآسيه وتفاصيله الدقيقة ضد شعبنا .
طبعا ، لا يخفى على الدكتور العربي أن كل شرائح شعبنا ومختلف أحزابه ومنظماته الوطنية وقواه المستقلة تُجمع مهما اشتدّت وطأة الإجرام الرسمي ضدها على عدم إفساح المجال أمام أي تدخّل أجنبي ، إيمانا منها بأن ثورتها المباركة يخوضها شعبنا بإرادته وسواعد أبنائه ، لا بإرادة وسواعد ودعم القوى التي تطمع بأرضه وخيراته . كما تُجمع على التصدّي لكل محاولات الاندساس المخابراتية التآمرية بين صفوفها بغية ضربها من داخلها تحت لافتات الفكر والعمل الإنساني والدفاع عن حقوق الإنسان ، وقد تمثّلت أكثرها غرابة ووقاحة على المكشوف في دعوة عدد من غلاة المناصرين تاريخيا للكيان الصهيوني ، إلى أمسية استعراضية للحوار أقيمت في إحدى دور السينما بالعاصمة الفرنسية من أجل “دعم الثورة ضد النظام” ، يقودها “الفيلسوف” الفرنسي برنار هنري ليفي ، أشدّ أنصار المشروع الصهيوني مع العديد من أعداء أمتنا .
لقد علّقنا آمالا ولو محدودة على الجامعة بشخص أمين عامها الجديد ، واستبشرنا به خيرا لأنه أحد الذين رفعوا أصواتهم في ميدان التحرير ضد الدكتاتورية والفساد ، لكننا صُعقنا بموقفه هذا الذي يتناقض بالكامل مع موقفه السابق . ذلك لأن من يكون ضد الظلم والدكتاتورية والقتل الجماعي في بلده ، عليه بديهيا أن يكون كذلك تجاه الأشقاء في سائر أرجاء بيت العرب. فلماذا كان له في دمشق هذا الموقف المتناقض والغريب عما عرفناه عنه وسمعناه على لسانه في القاهرة ؟
كان عليه أن يُدرك بحنكته وتجربته أن تصريحه هذا سوف يجري استغلاله الى أبعد حد ، ، وهذا ما حصل بالفعل حتى قبل أن يُغادر دمشق ، حيث بدأ النظام استنادا إلى كلامه عن “دخول مرحلة الإصلاح الحقيقي” بترويج أنباء معادة حتى الملل عن نيّة الرئيس الإعلان عن تغييرات جذرية تشمل إبعاد الكثير من المقربين إليه ، وإطلاق الحريات وفك قيود المحتجزين والمساجين ، وأنه سوف يعمل على إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنصّ على قيادة حزب البعث للحكم في البلاد . وحتى إلى ” نيّة الرئيس” حلّ حزب البعث وتشكيل حزب جديد لا علاقة له بالقديم المنحلّ … إلى آخر الوعود الوهمية المكشوفة للجميع!
هل بقي ثمة من يُخدَع ويُصدّق هذه التسريبات ، أو يواصل المراهنة على دور فاعل للجامعة وأمينها العام الجديد ؟
* معارض سوري مستقل يقيم في باريس




















