أثارت الدعوة التي أطلقها السيد خالد مشعل لتشكيل مرجعية بديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية ردود فعل ونقاشات عديدة ومتباينة، حيث اعتبرها بعضهم دعوة إلى مزيد من الشرذمة والانقسام، فيما رأى آخرون فيها مناسبة لتصفية الحساب مع خط التفاوض والاستسلام وانتصاراً لخط المقاومة ومحور الممانعة العربية. لكن الأمر ليس بهذا التبسيط والاختزال، إذ أن الناظر في الوضع الفلسطيني اليوم، يجد أن المشكلة ليست في منظمة التحرير، التي لم تعد فعلياً ـ كإطار جامع لكل الفلسطينيين ـ المرجعية الوحيدة للشعب الفلسطيني، فهناك السلطة الفلسطينية التي نتجت عن اتفاقات أوسلو، وباتت تحكم اليوم في الضفة الغربية بعد الانقسام الفلسطيني، وهناك المجلس التشريعي الفلسطيني (المعطّل) وحركة "حماس" التي تسيطر على قطاع غزة. وكل هذه الأطر الجديدة، بصرف النظر عن أهميتها وأهليتها، أثّرت على الدور الذي كانت تضطلع به منظمة التحرير، بوصفها قائدة النضال وجامعة القرار والإطار الفلسطينيين، بينما لعبت المنظمة بعد تشكيلها في عام 1964 ما يشبه دور البرلمان الفلسطيني في المنفى. وبدأ الأمر بالتغير عندما أفسحت المنظمة الطريق إلى المجلس التشريعي المنتخب والسلطات المنبثقة منه، حيث أخذت هذه الأطر الجديدة تنهض بدور المرجعية الوطنية والتمثيلية الفلسطينية، وتمخّض عن ذلك صراع حاد على الصلاحيات والتمثيل ما بين المنظمة والسلطة، في ظل سعي السلطة إلى جمع وتركيز كل الصلاحيات القيادية في يدها، فيما كان همّ المنظمة هو السعي إلى الحفاظ على ما تبقى من مشروعيتها التاريخية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ويجد الناظر في مسار حركة التحرر الفلسطينية أن جبهات وتحالفات وطنية عديدة قد تشكلت ثم تلاشت واضمحلت، ولم يطرح أو يشكل أياً منها نفسه بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية أو مرجعاً موازيا لها، ويدخل في هذا المجال الأطر التحالفية التي نشأت بين بعض الفصائل على برنامج سياسي معين، ولم تنازع المنظمة شرعيتها، كما لم تسعَ إلى ذلك.
وقد ساهمت منظمة التحرير الفلسطينية في تأكيد حق الشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة وعودة اللاجئين، مع أنها بقيت إطار هلامياً وواسعاً للعمل الفلسطيني منذ نشأتها، وبرهنت على الدوام على قدرتها على التأقلم مع المتغيرات والتحولات الفلسطينية، إذ بالرغم من أن الحكومات العربية هي التي عملت إنشاء المنظمة، كي تكون في الموقع مضاد للمقاومة، لكن ذلك لم يمنع من تحولها إلى حاضنة للفصائل الفلسطينية وخاصة حركة "فتح" التي تمكنت تدريجياً من التحكم بها. وواجهت المنظمة طوال تاريخها انتقادات واسعة من قِبَل معظم الفصائل، ومع ذلك فإن إنهاء المنظمة كان، وما يزال، مطلباً إسرائيلياً، وهدفاً سعى إلى تحقيقه جميع الساسة الإسرائيليين، لأنهم ينظرون إليها بوصفها الإطار الوطني الجامع الذي يمثل كل الشعب الفلسطيني، في الداخل والخارج.
والملاحظ هو أن الدعوة إلى تشكيل مرجعية بديلة قوبلت بموجة كبيرة من الرفض الفلسطيني، بدءاً من رفض حركة الجهاد الإسلامي حليفة حركة حماس، بل ومن بعض الشخصيات الحمساوية في الداخل، مروراً برفض فصائل مقاومة مثل الجبهتين الشعبية والديمقراطية، اللتان تبديان مواقف تقوم على أساس الاعتراف بشرعية التمثيل ووحدانيته في إطار منظمة التحرير، وصولاً إلى العديد من الشخصيات الفلسطينية التي رفضت الدعوة جملة وتفصيلا، وطالبت بالتمييز ما بين الخلاف السياسي مع المنظمة والاعتراف ممثلاً للشعب الفلسطيني.
ولا شك في أن هناك من يحرص على استمرار النضال الفلسطيني، كي يبلغ غاياته الوطنية في التحرر الوطني من الاحتلال الاستيطاني، ويرى بأن دور المنظمة النضالي لم ينته بعد، خصوصاً من جهة قدرتها على أن تنهض بمهام الإطار الجامع لفلسطينيي الوطن والشتات، وقدرتها على تعبئة طاقاتهم وتمثيل إرادتهم في مسيرة الكفاح الفلسطيني. وهذا لا يمنع من المطالبة بتطوير أوضاع وهيكلية المنظمة، بغية تعزيز دورها على مختلف الصعد، والعمل على إعادة تشكيلها بحيث تعكس التحولات والمتغيرات الفلسطينية الداخلية. وفي هذا المجال ينبغي العمل على فتح أبواب المنظمة لمختلف الفصائل التي مازالت خارجها، لأن من حق أي فصيل يقاوم الاحتلال الإسرائيلي بمختلف الوسائل والأشكال، من حقه إن يدخل المنظمة، ويفعّل دورها، لا أن يهدم كيانها ويعمل على إيجاد "مرجعية" جديدة تحل محلها، لأن المهم هو الحفاظ على المنظمة وإحياء تقاليدها الكيانية التي تجعل منها حاضنة لجميع الفلسطينيين، ولمختلف فصائل العمل الوطني والنضال الفلسطيني.
"المستقبل"




















