يكبر السؤال، يتفرّع تشعباً ليدخل كل الدروب، كل المعنيين في بلادنا، وفي ديار العرب، والمسلمين، والعالم.. ونصرخ مع حماة بصوت يأكله الحزن والضجر : وينّا؟.. وين العرب، وين المسلمين، وين العالم مما يجري من حرب الإبادة المنهجة ؟؟؟..
ـ ولأن الحال من بعضه، مدينتنا الغالية، ولأن العرب (الرسميين) استقالوا من التاريخ، وربما من الجغرافيا، ومعظمهم يتفيّأ العالم الرطب لقضاء إجازة الصيف، والهروب من حرّ رمضان المبارك، ولهيب صيامه، وتحدّياته للذات المؤمنة، أو المنافقة ..فإن الشعوب تحاول وإن كان القهر يمضّها، وواقعها المزري الذي أوصلتها إليه نظم الاستبداد والصراخ والتوسل ..
ـ ولأن للعالم حساباته، ودوزناته، ومصالحه، وعربدته، ونفاقه، وصهيونته، واستراتيجياته .. يتعاطى بتؤدة وكأنه في “سونا” لتنشيط مفاصله والتفرّغ إلينا ولو قليلاً.
ـ ولأن المسلمين غارقون في بحر الظلمات وما زالوا يبحثون عن ” القارة المفقودة” في قعر التكوّر، والأسطرة ..
ـ ولأن الجامعة المحنّطة تخشى الصيف خوفاً من اهتراء هيكلها العظمي، أو ذوبان الثلج المصنّع… تقفين حماة، ومدن سورية الثائرة وحيدة ..سلاحك إيمانك، وعزوتك ناسك، ودرعك شعبك، وأملك النصر القادم.. لا محال ..ومعادلتك أنت والحياة صنوان .
****
ـ سيلفّك مدينتنا الحبيبة سؤال مُبهم، قاسٍ، يحزّ في النفس والتاريخ، والحقيقة : أيفعلونها مرة ثانية سلالة الإجرام والحقد ؟؟..
ـ أيقتل أطفالك، وشبابك، وتراثك، وفخرك، ومساجدك، ونسائك.. ونواعيرك هذا الذي نعتز به سنوات الصياح، والحلم : الجيش العربي السوري ؟؟؟؟؟..
ستسألين : أحقاً هو الجيش العربي السوري؟، جيش الوطن والشعب؟؟.. حامي حمى الأرض والحدود؟، المتعطّش لتحرير الجولان.. والحسير على تحرير فلسطين” كل فلسطين”.. أم أنه جيش النظام، بل جيش الطغمة، والعائلة، ومافيا النهب والقتل؟..
ـ ربما مشروعة ردّة فعلك القوية الغاضبة، وربما نتفهم حنقك، وصوت الألم المنبعث من ركام الحطام، ووجع الجرحى والمعطوبين..
ربما يصلك صراخ المعتقلين من مشارح السلخ والتعذيب، فتئنين ، كيف لا وهم فلذة الكبد، عنوان شموخك، ورايات انتصابك عالية فوق قامات الموت، والخوف، والسكينة، وتعضّين على اللسان لأنك تأبين الضعف وخروج صوت الألم كي لا يشمتوا، وكي لا تهنين، وانحناء الرأس إلا للخالق ..وتدعين من طاقات الفجر الداخلي بعودتهم سالمين ..
ـ ربما تعتبين،وتلومين أولئك العساكر الذين يطلقون نيران دباباتهم ومدافعهم على قلبك، وروحك، وتسألين : أيعقل ذلك ؟، أليسوا أبناء البلد؟، ألسنا شعب واحد..أنسوا أنهم أولادنا وأهلنا وعشيرتنا ؟؟.. أم أنهم غرباء، دخلاء؟..
ستجدين العذر لكثيرهم لأنهم أسرى، والأسر أنواع، والأنواع أنواع، فهناك المغلوب على أمره الذي لا يستطيع فعل شيء سوى تنفيذ الأوامر التي اعتادها: ” نفّذ ثم اعترض”، وهناك المغسولة أدمغتهم الذين لا يعرفون حقيقة ما يجري سوى أنها “مؤامرة”، ومؤامرة خارجية، وفيهم من بُرمج على الحقد ضد الآخر، وعبّئ بالشرور، وخزين الفزاعات، وهناك من يتشوٌق للالتحاق بك ليكون جديراً بشرف الانضمام إلى أبناء شعبه، لكنه حائر، وخائف من رصاص الإعدام، وفتك الأجهزة الأمنية التي تحبس أنفاسهم، وترعبهم بالويل والثبور، أو لأنه لا يعرف وسيلة إليك، ولا توجد منطقة آمنة يلجأ إليها.. فتبكي أعينه حرقة ما يرى وما يسمع، داعيا لك، وللمدن السورية بالصبر، والنصر ..
ـ ستغضبين، فما يجري يُبكي الحجر، فكيف وزهراتك يقطفون أمام ناظريك، ونواعيرك تبكي بصمت غيابهم، واختفاء الآذان، وصلاة التراويح في شهر التبريك والرحمة، بينما يصعد القاشوش عناء الكون، يومي إليك باسماً، أنت الحليمة، الحريصة على الوطن ووحدته، ومستقبله، فيشدّك الانتماء أقوى من ردّات الفعل، ووقع الألم، والغضب، ويمنعك الانزلاق إلى حيث يريد النظام : الحرب الأهلية، فتعظين على النواجذ، وتصرخين بالشباب المتحمّس : إياكم والوقوع في فخاخ النظام . إياكم والدخول تنانير المحرقة..
ـ ولأن الشباب يغلي، ودمه يفور.. قد تفهمين انفلاتاً هنا، وتأديباً لشبيح قاتل هناك، وتهديداً لقنّاص مجرم بالقصاص العادل.. وقد تتسامحين قليلاً في بعض ردود الفعل الفردية، لكنك أبداً لا ترضين أن ينخرط أبناؤك في حمام دم يشتهيه السفّاك، مصاص الدماء كي ينتشي خزينه المريضن ويعلنها حرب إبادة لا تبقي ولا تذر ..
ـ وحين أراك تمسحين دموعك بيد صلبة أعلم أنك لا تريدين أن يراك أحد في موقع، أو موقف حزين، وأنك تأبين الضعف، والانحناء، فتهنهنين بصمت الثكالى والعين على شعاع الفجر القادم.. يحمله شبابك الميامين ..
ـ ستسألين كثيراً، لكنك تعلمين الأجوبة : أمّ التجارب، ومنجبة رموز سورية شامخة.. بأن الشعب هو استنادك، وهو عمادك، وقد قالها الشعب وقرر، وعليك دفع المهر يا أم أجمل عرائس حلمنا الأبدي : الحرية ..
كاتب وروائي ـ الجزائر




















