من الحكمة لنا بمكان , أن نتوقف طويلاً عند عملية القتل البشعة والمروعة , التي قامت بها ميلشيات الطغمة الحاكمة لـ (إبراهيم قاشوش) , بلبل الثورة السورية , وصّداح أغانيها البسيطة والمعبرة , سواء ما كان يتعلق الأمر منه بالدوافع والأهداف الكامنة وراء عملية القتل هذه , أو ما كان يتعلق منه بالأسلوب ودلالاته السياسية والأخلاقية .
يمكن اعتبار الطريقة التي تم استدراج إبراهيم فيها ومن ثم قتله , الجريمة الأكثر تعبيراً عن ماهية السلطة وحقيقتها المولدة , لهذا الكم الهائل من العنف الممنهج , والقتل الوحشي , وعن السكيولوجيا الجمعية لشهوة امتلاك السلطة , حتى ولو تطلب الأمر انتزاعها من القلوب والحناجر . فلا يمكن لنا فهم هذا الاستهداف الوحشي للجسد البشري , والانتقام منه بهذه الطريقة الهمجية , إلا في اطار الساديّة الجمعية لطغمة الحكم , التي باتت تتفنن وتتلذذ بابتكار أساليب العنف وممارسته , وإلّا كيف يمكن لنا أن نفسّر مشاهد القتل والتعذيب , التي تقوم بها فرق الموت والميليشيات التابعة لها لمواطنين سوريين عزل , وهي ترفع شارات النصر , وتتمايل طرباً ونشوةً فوق أجسادهم المثقلة بالجراح .
حين عجزوا عن الوصول إلى الصداح في بحر الجموع الثائرة في مدينته حماه , قاموا بفعل تقشعر له الأبدان , ويندى له الجبين , وذلك حين انتزعوا طفله الرضيع من على صدر أمه وأخذوه رهينة , لم يحتمل الصداح رؤية رضيعه بين براثنهم الأسدية ,فمشى إليهم مدفوعاً بغريزة الأبوة , وغير آبه بالنهايات . يقال ـ والقول في زمن الثورة أشبه بالأناشيد والحكايا ـ أنهم تفننوا في قتله وتعذيبه , وأنهم تسابقوا على حمل حنجرته إلى أسيادهم , أصحاب النفوس المشبعة بالحقد والكراهية , كي تعلّق نياشين انتصار فوق صدورهم , انتصار أدام من بقاء الجولان تحت الاحتلال ، وأوصلنا إلى ما نحن فيه من خراب .
لا أحد منّا نحن السوريين – سوى أولئك القتلة وأسيادهم – يعرف حجم الألم الذي أصاب إبراهيم حين انتزعت حنجرته , أولئك الذين يعتقدون أنهم , وباصطيادهم الجسد واعتقالهم للحنجرة قد حققوا الانتصار عليه , لكنهم سيدركون لاحقاً أنهم مخطئون , وأن لعنات العالم أجمع ستطاردهم , وأن أغانيه البسيطة والمنطلقة من أفواه الملايين السورية ستؤرق لياليهم , وهي تتعالى مرددةً: /ارحل … ارحل …. الحرية صارت عالباب / .
حين ألقيت جثته في مياه العاصي ,أخذت النواعير تأن وتعنّ , وكان صداها يتردد على الضفاف والوديان , وكانت منابع العاصي في جبال الهرمل اللبنانية تتلقفه على الراح وفي القلب , فتنسجه وتنثره مع الريح وعلى سطح المياه العاصيّة /أغان وفيوض وجدانية/ لأحرار لبنانيين , آثروا الانحياز السياسي والأخلاقي للثورة السورية, ولمطالب أبنائها الحقّة في الحرية والديمقراطية , شكراً للأديب الياس خوري على فيوضه الوجدانية وعلى إعلانه دون تلعثم وبالصوت العالي : إنه زمن الثورة السورية وإنها فعل انعتاق وحريّة.
لم يكن الصدّاح أوّل الضحايا الذين استخدمت الطغمة الحاكمة أجسادهم صناديق بريد لرسائلها الدموية إلى المجتمع السوري , والتي تهدف إلى زرع الرعب والخوف في نفوس أبنائه , وردعهم عن المطالبة بالحرية , والعيش بكرامة إنسانية ، فهناك /عقل قربان / الضابط الشاب ابن مدينة قطنا , والذي تمّ اعتقاله من قبل /الأسد الأب / في بداية انقلابه العسكري , حيث طلب منه شخصيا التراجع عن مواقفه الرافضة الانقلاب , لكنه رفض ذلك وقام بتوجيه الشتائم للأسد ولنظامه , فكان أن ألقي به في سجن المزّة العسكري , فيما يعرف بـ/ سرداب الموت / ,معزولاً عن العالم , وبشروط صحية لا تطاق , وكان لايسمح لأيّ كائن حيّ برؤيته أو التحدث معه . بقي على هذه الحالة حوالي العشر سنوات , تدهورت خلالها صحته وأصيب بالهزال , ثم أصبح يحدث نفسه قبل أن ينقطع عن الكلام , إلى أن أمسى في أواخر أيامه مقعداً – عذرا من روحه النبيلة والطاهرة ــ إلى أن صار ينوء ويعّوي , ويخاف من كل الأضواء , وكان /الأسد الأب / طوال تلك الفترة يتابع ما وصلت إليها حالته , وربّما كان يتشفى ويتلذذ بذلك .
· وهناك أيضا الصحافي اللبناني سليم اللوزي , رئيس تحرير مجلة /الحوادث/ اللبنانية , الذي قطعت يده التي كان يكتب فيها المقالات المناوئة لنظام /الأسد الأب / , وذوبت أصابعها بمادة الأسيد قبل أن يتمّ اغتياله في العام /1981/ .
· وهناك طبيب العيون والشخصية الوطنية المعروفة /عمر الشيشكلي/ ,الذي ترأس الوفد المفاوض عن مدينة حماه قبل اقتحامها في شباط العام /1982/ , من قبل ميليشيات /الأسد الأب / الأمنية والعسكرية , وقد رفض في حينها مطالب السلطة , ووقف مع أهله وأبناء مدينته , في اليوم التالي يتمّ العثور عليه مقتولاً ، ومرمياً في حاوية القمامة أمام عيادته , وقد اقتلعت عيونه من محاجرها , بفعل ذو دلالة على هوية القاتل , وعلى أهدافه وآليات تفكيره السادية والثأرية .
· في عهد /الأسد الابن/ لم يختلف الأمر عن السابق , وبقيت السلطة الموروثة وأدوات القمع والإرهاب فيها على حالها , وأيضاً عقلية الثأر والانتقام التي لم تتغيّر , فقبل قتلها لـ /إبراهيم قاشوش / , أقدمت على قتل من يمكن اعتباره الآن أحد ملهبي الثورة إنه الطفل (حمزة الخطيب ) حامل الزاد لشباب الثورة المحاصرين, حمزة الخارج طلباً لحرية لم يتذوق طعمها إلا بعد موته , ولم يكن يعرف التعبير عنها إلّا بالمزيد من التظاهر, والتعبير عنها بطاقات الجسد الطفوليّ .. حمزة الذي لم تشفع له صرّة الزاد التي كان يحملها لطالبي الحرية من أهله وأبناء عمومته في سهول حوران الأبية , فيسقط جريحا برصاصهم , ويتمّ تعذيبه والثأر من جسده الطفولي حتى الموت , ومن ثمّ اقتلاع أعضائه التناسلية ,تحت حجة أنّه كان في الطريق إلى إحدى الضواحي المسوّرة بالقوة والحقد والتجهيل ليغّتصب النساء هناك !! اقتلاع للأعضاء وعبث وانتقام من الضحية , بطريقة لا تختلف عمّا حدث لكلّ من / طبيب العيون , سليم اللوزي , عقل قربان / من قبل , وللـ /الصدّاح , والكثير من المتظاهرين / الذين قطعت آياديهم انتقاما على تهديمهم لأوثان السلطة في ساحات المدن والبلدات السورية , هي الطريقة ذاتها سواء كان في عهد /الأسد الأب / , أم في عهد /الأسد الابن / التي تؤكد أن القاتل واحد , وأن الضحيّة أيضا واحد من السوريين الذين آثروا العيش بكرامتهم .
نحن الآن في زمن الثورة , سيدرك أولئك الذين يعتقدون أنهم قد حققوا انتصارا حين استباحوا أجساد ضحاياهم وقاموا باستخدامها صناديق لرسائلهم الوحشية ذات المرامي البغيضة , أيّ نصر هذا الذي حققوه على شعب هو الباقي وهم إلى زوال.
6 / 8 / 2011




















