يُعّد اعلان دمشق الابن الشرعي وغير الوحيد للمعارضة الكلاسيكية السورية , ومن الطبيعي أن يحمل الكثير من آلام وآمال الأم.
ان أهم إشكالات المعارضة السورية تنبع من انطلاقتها الأولى التي لم يكن الدافع اليها فهم مختلف للديمقراطية عما يفهمه نظامها. لقد كانت تقف على أرضية إيديولوجية واحدة معه يحكمها الفهم القديم للصراع على المستوى العالمي بين قوى الثورة المضادة وقوى الثورة العالمية التي تتألف من ثلاثة فصائل هي المعسكر الاشتراكي والطبقة العاملة العالمية وحركات التحرر , وبالطبع النظام السوري جزء من حركات التحرر واختلافها معه كان على طريقة إدارته للسلطة وغالبية فصائلها هي انشقاقات لأحزاب كانت وما زالت ممثلة في الجبهة الوطنية التقدمية .
ورغم انهيار النظام العالمي السابق و تصدع ما يسمى قوى الثورة , وتشكل نظام عالمي جديد , لم تستطع المعارضة التخلص من ماضيها لتنظر الى الصراع على المستوى المحلي والعالمي نظرة جديدة منسجمة مع معطيات التطور الاجتماعي , فقد ظلت ترى في أن ما جرى في منطقتنا وكأنه ليس سوى جولة بين الأمبريالية والصهيونية وبين حركة التحرر العربية ربحتها قوى الثورة المضادة. ولكن لابأس من تشديد النضال داخليا من اجل الديمقراطية لسحب الذرائع من الخارج الطامح بثرواتنا الذي يتخذها الغرب مطية من اجل هذا الغرض . بدا ذلك جليا في وثيقة ما سمي هيئة التنسيق بين القوى المعارضة السورية التي سبقت ظهور اعلان دمشق .
بالمقابل كان انهيار المعسكر الاشتراكي بتلك الطريقة الدراماتيكية – وما تبعه من تحول العالم الى قرية كونية واحد ة بفضل تكنولوجيا الاتصالات – وراء ظهور حالات عديدة داخل صفوف المعارضة السورية بدأت تنظر الى الديمقراطية كآلية في الحكم وكمعطى انساني وهي لازمة لنا مثل كل شعوب الأرض . وان الاستبداد اخطر على شعوبنا من الامبريالية ويجب توجيه الضربة الرئيسية باتجاهه, وهذه الحالات كان لها اليد الطولى في صوغ الوثيقة الأولى لاعلان دمشق .
بدأ الكّر والفر بين الجهتين من أجل الاستحواذ على ماضي وتاريخ ونضال القوى الوطنية المعارضة, وقد تمكنت الجهة الأخرى من إصدار توضيحات بموافقة اغلب الفصائل المشاركة في الإعلان لكي تصبح جزءا من الوثيقة , والتوضيحات ليست سوى تدارك النقص في الوثيقة الرسمية التي تهمل الحاجة الى تشديد النضال بوجه الامبريالية والصهيونية .
مع ذلك استطاع الفريقان من الوصول الى صيغة توفيقية بينهما تمكنوا فيها من عقد المجلس الوطني الأول..
كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في المؤتمر هي عدم نجاح أي من حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الشيوعي في الانتخابات التي أفرزت الأمانة العامة للإعلان عكس ما كانوا يتوقعون فانقلبوا على الاعلان وانسحبوا منه وأعلنوا ندمهم على دخوله قبل الاتفاق على المحاصصة في توزيع القيادة استنادا الى الأحزاب المشاركة فيه للحيلولة من سيطرة اللبراليين الجدد في سوريا على الاعلان تحت بند المستقلين الذين خطفوا الاعلان بالنهاية وتنكروا لماضيهم النضالي وأبوا الإكثار من الشتائم ضد الامبريالية في البيان الختامي حسب وصف الصديق جورج كتن .
ولقد فهم النظام السوري كعادته الأمر جيدا , فالقول بأن الاستبداد اخطر من الامبريالية يجعل من اعلان دمشق رأس الحربة ضد المقاومة والمانعة التي يقودها , مثله مثل فريق الرابع عشر من آذار في لبنان .
وهكذا تُرِك اعلان دمشق يواجه مصيره ضد نظام لايرحم بدءا من السجون وانتهاء بالملاحقة والمحاصرة والتهديد بقطع لقمة العيش واستعمال كل السبل الممكنة لعزله ومحاصرته داخل المجتمع السوري . وقد نجح في ذلك الى حد كبير لدرجة تذّكرنا بنجاح الأسد الأب فترة جبهة الصمود والتصدي مع تغير بسيط في الشعارات والتحالفات , نظام الأسد الابن يعتمد شعار المقاومة والممانعه , وحلفاؤه ربما كانوا أكثر من حلفاء والده في الفترة التي تلت انعقاد المجلس الوطني- أي منذ سنة 2008 وحتى سنة 2011 التي بدأ فيها الربيع العربي –
صمد الإعلان رغم كل الضغوط عليه من قبل مناصري جبهة المقاومة والممانعة بقيادة النظام السوري , والفضل في ذلك يعود لمن تبقى من هيأته القيادية التي آلت على نفسها ان تكمل الطريق مهما كلفها ذلك من تضحيات وفاء لخط اعلان دمشق ولكوادره التي تقبع خلف القضبان .
أما أعضاء ومناصرو إعلان دمشق فقد اشتد الجدل بينهم حول جدوى النضال ضمن شكل تنظيمي في ظل نظام مثل النظام السوري. قال بعضهم :
– ان طريقة عمل الاعلان طريقة قديمة لاتنسجم مع ما نطمح اليه في ان يكون نضالنا سلميا وعلنيا بالدرجة الأولى .
– وذهب آخرون الى القول صراحة: لماذا نريد ان نسقط رغباتنا على الواقع ولا ننتظر شرعية قانونية يوفرها لنا التطور على الصعيد العالمي.
– وتساءل آخرون هل عملنا هذا ضار ام نافع للمجتمع ؟
ورد البعض الآخر بالقول :
من يصف اعلان دمشق انه يعمل على الطريقة السابقة وكأنه حزب سياسي- كلام حق يراد به باطل – إما ان نعمل ضمن شرعية واقعية مفروضة علينا واما ان نقعد في بيوتنا , أيهما الأجدى, سؤال مشروع , اما الغمز واللمز من قناة من يعمل من أجل المجتمع رغم كل ما يحيط بهم من صعوبات فهو أمر ضار وغير نافع .
لم ينته الصراع ولن ينتهي قريبا بين جناحي المعارضة التقليدية , واكبر دليل على ذلك هي هيئة التنسيق التي ظهرت الى العلن مجددا وبنفس الفهم الذي يحمله ناطقها الرسمي حسن عبد العظيم عن الصراع على المستوى العالمي ,كما هو مرسوم في بيانها التأسيسي الذي يطالب بتسريع وتائر التقدم في سوريا وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بشكل يكفل حفظ امن الوطن من المخاطر الخارجية . والهيئة لاتضم الاتحاد الاشتراكي فقط , بل وقّع عليها كل أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي باستثناء حزب الشعب وأيضا أحزاب الحركة الوطنية الكردية حسب بيانها التأسيسي.لابل ان الهيئة تضم تجمعا يطلق على نفسه اسم تجمع اليسار الماركسي , أي انه يتبع الى النبي ماركس كما يتبع المسيحيون الى المسيح , والاسلاميون الى محمد ,مع أن عمارة ماركس الأيديولوجية انهارت مع انهيار حجر الزاوية فيها وهو (ديكتاتورية البروليتاريا ). لو كان التجمع يسمي نفسه تجمع اليسار الشيوعي لهان الأمر , فالشيوعية كتيار فكري لم تبدأ بماركس ولن تنتهي به .
ومكتبها التنفيذي يضم رموزا شيوعية( تروتسكية على ستالينية) لا يختلفون كثيرا نظرية وممارسة عن أقرانهم البكداشيين في الجبهة الوطنية التقدمية .
للحقيقة والتاريخ لو اقتنع أقطاب المعارضة أنهم أصبحوا مدرستان وتركوا الصراع بين التيارين يتم على أرضية ديمقراطية بدلا من اللف والدوران على بعضهما لكان ذلك مفيد للوطن وللمعارضة – مثل السجال المفتوح حول القضايا النظرية والسياسية – والتنسيق فيما بين الجناحين حول الانتقال بسوريا من الدولة الأمنية الحالية الى دولة مدنية ديمقراطية
الطريف في الأمر ان قوى هيئة التنسيق هي ذاتها التي تأخذ على الإعلان إهماله للنضال ضد الامبريالية الأمريكية تحديدا ,ولكنها هذه الأيام هي وامريكا في موقع واحد ويعملان سوية من اجل اجهاض الثورة السورية, فالجهتان يرون أن اسقاط النظام سيأتي ببديل أقل علمانية منه ويجنح لمسايرة الاسلاميين كما يظنون ,. في حين يقف الاعلان بوضوح الى جانب الثورة السورية وضد سياسة أمريكا التي تعمل لتلميع صورة النظام , فأمريكا تريد تغيير سلوك النظام وليس اسقاطه , وهي تدعم التيار الاصلاحي فيه بقيادة بشار الأسد مثلها مثل هيئة التنسيق , وتعمل لنصرته باي شكل, وما ذهاب السفير الأمريكي الى حماه حبا بالشعب الحموي , بل من اجل نصرة تيار الأسد الاصلاحي وإبعاد شبح الحسم العسكري في حماه الذي لن يتحمله المجتمع الدولي وبالتالي سيذهب تيار الأسد الإصلاحي فرق عملة وهذا ما لا تريده أمريكا ولا هيئة التنسيق أيضا .
يهمنا هنا اعلان دمشق الذي تخلّص الى حد كبير من الفهم السياسي القديم للصراع ولكنه لم يتخلص بنفس القدر منه على المستوى التنظيمي فمازالت أغلب فصائله تعقد مؤتمراتها بوحي من مدرسة لينين التنظيمية القائمة على ما تسميه المركزية الديمقراطية والتي تتجسد في تقديم مشاريع للمؤتمر من قبل القيادة يتم مناقشتها من الأعضاء والمناصرين وإقرارها غالبا دون تعديل يذكر عليها . والشكل الصحيح للديمقراطية هو ان تصاغ مشاريع البيانات الختامية من قبل المؤتمرين أنفسهم وتكلف اللجنة المنتخبة باخراجها ومن ثم طرحها على الشارع لكي يتم اغناءها وتصويبها من مؤتمر جديد قادم .
ان أهمية اعلان دمشق للثورة السورية الحالية كبيرة جدا كونه يمثل خبرة الشيوخ – اذا صح التعبير – التي يجب ان تقدم ليستفيد منها الشباب الثائر الآن .
ان سوريا تمر بظرف دقيق تجري فيه ثورة ربما لا تقل عراقة وأصالة عن الثورة الفرنسية أو الروسية .. وآلة القمع التي تواجهها اشد من آلة القمع التي واجهته الثورتان السابقتان
يواجه الشعب السوري بقواه الحية جبروت آلة قمعية تتميز بأنها عقائدية مما يزيد من عدتها وعددها ( جيش عقائدي وأجهزة أمن واتحادات طلبة وعمال وفلاحين وشبيحة …..الخ ) .
يكفي الشعب السوري فخرا انه كسر حاجز الخوف وفضح المتشدقين بالمقاومة والممانعة الذين يسندون آلة القمع في الداخل والخارج انطلاقا من مصالحهم المهددة في سوريا . شعب يسعى الى الحرية بشقيها الاقتصادي والسياسي , لا يقلل من سعيه انه يخرج من المساجد , فشعبنا الطيب كغيره من شعوب الأرض دفعته آلة القمع السابقة لكي بتطلع الى السماء علها تجيره منها .
ان الثورة السورية بشبابها وتنسيقياتها مثل الاعلان ترى أن الاستبداد هو الخطر الرئيسي على شعبنا ولكنها وصلت الى هذه الرؤيا عبر طريقها الخاص بها , ومن هنا أهمية تجربة الاعلان ورفده لها ووضع خبرته بين يديها , وذلك يتطلب منه ان يتخلص كليا من أوهام المدرسة القديمة في النضال على الصعيد التنظيمي كما تخلص منها على الصعيد السياسي .
واذا كانت مدرسة لينين التنظيمية تصلح الى حد ما في فترة النضال السري ضد آلة قمعية جبارة لايمكن في ظلها عقد مؤتمر لعدة أيام يناقش فيها المؤتمرين مواضيعهم على مهل وبدون خوف , فانها لا تصلح أبدا للعمل في ظلها بعد الثورة .
لقد عُقِد المجلس الوطني الأول بروح الأحزاب الكلاسيكية التي تهتدي بهدي المركزية الديمقراطية وصدرت عنه كل المشاريع دون ان يتغير حرف فيها , وربما كانوا معذورين فهم حقيقة يعملون بشكل سري وغير مرخص به في بلد يعرف القاصي والداني ألية الحكم فيه . وفتح الباب لتغير فكرة من هنا او هناك قد تطيح بمشروعهم السياسي,وتجعلهم عاجزين عن الوصول الى نتيجة معقولة .
واذا كان الظرف الحالي لايسمح بعقد مؤتمر تنبثق عنه مشاريع القرارات النهائية , لكن تعديله مطلوب وضروري وهام ويتحمل المؤتمرون مسؤولية صدوره بدون تغيير يذكر فيه كما صدر البيان الختامي للمؤتمر الأول .
…………………………………………….
سأختم هذه المداخلة بهواجس ذاتية بحتة تخصني وحدي تلقي ضوءا على علاقتي بإعلان دمشق .
لقد حضرت المجلس الوطني الأول وأنا متردد وينطبق علي القول الشعبي ( أجر لقدام وأجر لورا ) وسبب التردد هو معرفتي بعقلية كوادر المعارضة السورية التي تجيد المناورة على بعضها .
لقد حاولت تقديم مشروع الى جانب مشروع القيادة , فقط من اجل ان أشير الى خطأ الطريقة القديمة في تقديم المشاريع , وضغطت بكل قواي داخل المؤتمر لتغيير جملة واحدة في مشروع البيان الختامي,التي كانت تقول حرفيا.
اننا سندعو الشعب السوري في حال…
وكانت صيغتي .
اننا سنعمل مع الشعب السوري في حال …
وكانت حجتي ان صيغة المشروع تتيح للأجهزة الأمنية تفسيرها بأننا نحرض على .. والصيغة المقترحة من قبلي تجنبنا ذلك , ولكن لاحياة لمن تنادي
تمت الموافقة على التقارير المقدمة ولم يتغير حرف فيها .
انسحبت من المؤتمر ولم أشارك في الفقرة الأخيرة منه وهي انتخاب الهيئات القيادية لقناعتي انها ستأتي بممثلين عن المدرستين وستكون المرحلة القادمة مثل المرحلة السابقة , كّر وفر بين الجهتين .
ولكنني فوجئت في اليوم التالي بنتيجة الانتخابات لهيأته القيادية التي لم تحمل أحدا ممن يريدون أن تكون الضربة الرئيسية باتجاه الأمبريالية والصهيونية , فانقلبت بين ليلة وضحاها من متشائم الى متفائل بمستقبل الاعلان ولسان حالي يقول :
مادام الاعلان قد تجانس داخليا في فهمه للصراع السياسي فان ذلك سيساعده مستقبلا على تجاوز كل أخطاء المرحلة السابقة في النضال . وعندما سألني الأمن بعد اعتقالي عن أسباب انسحابي من المؤتمر أنكرت بشدة وأعلنت تأييدي للاعلان وتحملي المسؤولية عن خطه السياسي .
أصبحت بعد ذلك عضوا نشيطا ومنسجما مع الإعلان ولا أزال حتى الآن , وقد تعرضت كغيري من مناصري الاعلان لضغوط أشد من ضغوط مرحلة الأسد الأب . في مرحلة الأسد الأب لم تتجاوز الضغوط عليّ مرحلة القولون , أما في مرحلة الأسد الابن فقد وصلت الى القلب . وشتان ما بين الضغط على القولون والضغط على القلب .
أحلم بمؤتمر ثالث في ظل أجواء جديدة تتيح لنا عقده بطريقة بعيدة كل البعد عن مدرسة لينين المركزية الديمقراطية ,وسيتوهج حلمي اذا تمّكن المؤتمرون من تعديل المشروع المقدم تعديلا جوهريا ولم يصدركما صدر البيان الختامي عن المؤتمر الأول دون تغيير حرف فيه .
كامل عباس – اللاذقية أواخر تموز 2011




















