البارحة كتبت تعليقاً صغيراً، من تعاليق كثيرة أنشرها يومياً على صفحات الفيسبوك، يقول :
((تأسرني الغيمات السود المختلطة بغبار التخلف، ونثار الطوز القادم من الخوالي.. تربض على قلبي من أيام طوال.. تنكش وعيي الخائف من التحليل، وتنذرني الاحتمالات.. وبعض ابتهالات غيث خريفي كان الفلاحون يستبشرونه خيراً لبدء الحرث والغرث.. فأرنو إلى البعيد، وأكوام التضحيات تغرق احتجاجي، وتدفعني للبقاء في موقع شبه المتفائل، أو تقديم جهد متواضع يتمرجح القنوط فيه، فأخشى توقفه، أو نشفانه ..)).
ـ علقت أخت كريمة، نشيطة، تتابع معظم ما أكتب تقول : كلماتك تخفي خوفا أو لاأدري ؟؟؟ ، وكتبت لها جملة واحدة : نعم إني خائف ..
ـ نعم إني خائف، ومبعث الخوف كثير، كبير، ومبعث الخوف ما أراه، وأسمع، وأعرف، وأستنتج …
ـ نحن نعرف جيداً أي نظام استثناء يواجهه شعبنا، وبالتالي : مواصفات الثورة السورية الخاصة، والمختلفة عن شقيقاتها في تونس ومصر واليمن وليبيا.. إن كان لجهة بنية النظام وتركيبته، أو لجهة تماسكه ـ حتى الآن ـ واستعداده للإيغال الطويل في دماء الشعب، والذهاب بعيداً حتى المديات القصوى من عمليات القتل، والاعتقال والتصفية، ورفض التنازل، ورفض الانصياع لإرادة الشعب، وحكم التاريخ، والقابلية المفتوحة للتطييف، والحرب الأهلية، واستقدام الأجنبي، ثم تأجيج حكايا المؤامرات (مجموعة مؤامرات).. وما يملكه النظام من قوى عسكرية، وعلى الأرض : اجتماعية، ومن أوراق يتشاطر للعب بها على صعيد الجوار والإقليم، وموقع ودور إيران، وحزب الله، والحلفاء ..
ـ وفي الصف المقابل : الصدور العارية لشعب تصرّ أغلبيته الساحقة على سلمية الثورة ورفض الانتقال للعًسْكرة والانجرار نحو ردود الفعل العامة، وأشكال التدخل العسكري الخارجي..
الشعب السوري عموماً، وشبابه على وجه الخصوص لم يتأهلوا في مجتمع ديمقراطي تعددي يعي الديمقراطية، ومعاني الحريات العامة، والاختلاف، وقبول الآخر، ومفردات الدولة المدنية الديمقراطية، والعمل السياسي.. إلخ، وقد ظلوا طويلاً منزوعين من حقوقهم، ممنوعين من إبداء الرأي، مهمّشين.. فكثرت ردّات الفعل فيهم.. وفجأة أوجدتهم التطورات في قلب حدث تاريخي من عيار ثورة بهذا المستوى ..
ـ الجميع يعرف كيف ولدت التنسيقيات وفي أية ظروف، وخلفيات، وخبرات، وكيف حاولت وتحاول التقاط الأنفاس لتكون قائدة للميدان وليست أشكالاً صورية للتصدير الإعلامي، وليست هياكل تنخرها المنافسة، والخلافات، والتباينات الذاتية والفكرية والسياسية، ومحاولات السيطرة من هذه الجهة أو تلك، وحجم الخبرة، وحجم الضغوط، وموقع الجانب الأمني الذي يفرض على الكثيرين إيلاءه الأهمية الأولى وترك الأمور التي هي جوهرية للغير، أو لموقع ثانوي، وتحديات يوميات الثورة والمواجهة مع نظام لا يعرف غير لغة القصف والقتل والاعتقال والمطاردة والتشويه، وتحديّات العمل السياسي ومحاولة الدخول على خطه كفيصل، وبهدف تشكيل البوصلة التي تمنع الزوغان، والمقايضة، والتلاعب، ومحاولات الاحتواء، والحرف والركوب.. والارتقاء من واقع البعثرة إلى تشكيل الإطار الأنسب.. وعديد المهام المتشعبة التي تنوخ لحملها تجارب ما زالت تبحث عن كيانها ..
ـ يقابل ذلك واقع معارضة تاريخية دفعت أثماناً باهظة طوال عقود مواجهاتها المتعددة لنظام نجح في حصارها، وتضييق الخناق عليها حتى الخنق، وتجفيف بحيرة نسغها الحيوي وتجديد قواها.. مما فصلها عن مواكبة الأجيال، وأوقعها بأمراض التيبّس وتصلب الشرايين، والديسك.. وغيره، ناهيك عن ارتداد الوضع إلى داخلها، وفيما بينها عبر أزمات متعددة الألوان والطقوس والمستوى، وبما كان يمنع وحدتها، وفعاليتها، وقدرتها على تشكيل الأمل، والرافعة، ثم على مواكبة الثورة والفعل فيها.. حتى إذا ما حدثت المفاجأة : الانتفاضة، وجدت نفسها أمام متاعب كثيرة تمنعها من الإسهام الذي يليق بتضحياتها، وتاريخها، وتوجهاتها النظرية .
ـ لنقل بكل موضوعية : أن الثورة هي حلم العمر لجميع قوى المعارضة بلا استثناء، لذلك لم يكن غريباً أن يتحمّس الجميع لها، وأن يحاول الالتحاق بها، بل وحتى ركوبها، أو غمرها بالمشاريع والتصريحات والمبادرات(ومن الحب ما قتل، ومن الحب ما أدّى للطلاق)، خاصة مع ظهور اختلاف بينها وبين شباب الثورة من جهة، وداخل أطيافها من جهة أخرى، والذي تمحّور بوضوح في الموقف من النظام : بين من لا يرى أي جدوى لأي رهان عليه وعلى إصلاحاته، وبين من يبني خطه، ومواقفه، وخرائط طريقه على حوار ما، في مكان ما، ومسافة ما مع النظام.. بل : ورهان البعض على رأس النظام وبناء أمل الإنقاذ والتحول إلى الدولة الديمقراطية على يديه ..
ـ ورغم أن الخلاف والاختلاف تعبير عن جوهر التعددية، والحرية، والذي لا يخرج أبداً عن النسق الوطني، ولا التمسك بجوهر الهدف المشترك : الدولة المدنية الديمقراطية، البديل، وإنهاء نظام الاستبداد.. إلا أن عوامل كثيرة دخلت على الخط (وعديدها مفتعل ومقصود) لإنشاء فجوة، فخندق، وخندقة بين المعارضة وشباب الثورة.. تحت مسميات وستائر مختلفة.. فكثرت التصريحات الشبابية عن الاستقلالية، والقديم، والعجز، والتقاعد.. مقابل كلام عن الترشيد، والتوعية، والاحتضان، وحتى الإنابة، والاندفاع، وعدم معرفة موازين القوى والتعامل معها .. في حين كان بعض العقلاء في الموقعين يدعوان إلى أهمية مدّ الجسور بين الطرفين، والعمل على تكامل الخبرة مع الحماس، والاندفاع مع دروس التجارب، والسياسي، والنظري مع الميداني.. وهي محاولات تقوى في الفترة الأخيرة نتيجة عاملين متداخلين : موت كل المراهنات على النظام، وعلى أفكار الانتقال السلس، والوئيد، والسلمي بفعل منهّج من النظام، وشعور شباب الثورة وهم يكتسبون وعياً أفضل بالحاجة إلى خبرة ونتاج المعارضة، خصوصاً وأن التجربة تثبت نظافة مواقفها، وخلفياتها ..
****
ـ أما المعارضة، أو المعارضات الخارجية.. وتلاوينها، وتفريخاتها..فهي أقسام وأنواع.. حيث نجد أن حالة الإخوان المسلمين هي الأكثر تجسيداً لها باعتبارهم ممنوعين من العمل في الداخل تحت طائلة المرسوم /49/ الذي يحكم بالإعدام على كل منتسب إليهم، ولذلك يتواجدون بكثرة في الخارج وقد اقاموا شبكة علاقات اجتماعية، وأخرى سياسية، يساعدهم في ذلك كونهم جزءاً من التنظيم العالمي، وبعض الأجنحة التي انشقت عنهم، وعديد الإسلاميين الذين لا يرتبطون تنظيمياً بهم.. والذين يوجهون لهم انتقادات كثيرة.. وهم يطفون اليوم بقوة على وجه معظم الأنشطة الخارجية وصفحات الفيسبوك، والمؤتمرات التي عقدت ..
ـ وهناك مناضلين يتبعون أحزاباً وقوى في الداخل وضعتهم ظروف مختلفة في الخارج، وهؤلاء يمثلون أحزابهم : إلى هذه الدرجة أو تلك .. كما ويمكن إلحاق كثير بهذا النوع من يتامى الأحزاب والمبطلين واليائسين والمستقلين.. الذين ينتمون للمعارضة منذ سنوات طويلة.. والمبعثرين في تواجداتهم ومواقفهم ، ومعهم عديد الأكادميين والمثقفين والناشطين ..
ـ وهناك تواجدات شبه حزبية، شبه معارضة نشأت في الخارج عبر السنوات القليلة الماضية على هامش الحراك الاجتماعي الذي عرفته بلادنا فيما يعرف ب”ربيع دمشق”، أو بوحي تقدير وأحلام التغيير القادمة من جهات مختلفة، حيث قام البعض بتكوين أشكال حزبية ما .. ويمكن أن ينضمّ إليهم عديد الناشطين في مجال حقوق الإنسان والهيئات الإنسانية والإغاثية.. ومراكز البحث والدراسات.. وتحلقات مختلفة الخلفيات، والتمويل ..
ـ وهناك صنف ثالث نبت كالفطر(والفطر أنواع) خلال أشهر الثورة.. ويضم مروحة واسعة من رجال العشائر، وأصحاب رؤوس الأموال، وآلاف الأسماء التي أعلنت وقوفها مع الثورة والعديد يصنع تاريخاً في المعارضة، ويصطنع وقائعاً ومكانة ودورا مهما فيما يجري، وسماسرة النظم، ومروجي أفكار الغير، وتوابع التوابع، ونجوم الفضائيات السابقين والمُحدثين .. وأشكال أخرى يصعب حصرها وتعدادها ..
ـ لقد أظهر السوريون، على العموم، جوعاً ونهماً ملفتين للظهور والبروزة والواجهية والحكي والمشاريع الكثيرة.. ولئن كانت هذا الظاهرة تعبّر في مكنونها عن حالة الاحتقان التاريخي لمجتمع ظل معتقلاً، ومنحبساً على مرّ عقود الاستبداد، وعلى حيوية الشعب السوري وعشقه للسياسة، وانبهاره بثورة الشباب وجبروت بسالتها وشجاعة فرسانها الحقيقيين.. فإنها في وجهها الآخر تحمل جراثيمها الفتاكة التي يمكن أن تودي بالثورة، أو تجرجرها إلى وهاد عميقة لا أحد يعرف كنهها ومآلها .
ـ وبواقع التنسيقيات الصعب، وظروف المعارضة الداخلية ومواقفها، ومحاولاتها للملمة صفوفها، وتوحيد نسقها ومواقفها ..
ـ وبواقع دخول قوى داخلية وعربية وإقليمية وخارجية على خط الثورة والوضع السوري، وتعدد (الأجندات) لديها، وتعدد السيناريوهات فيها.. بالتوافق مع تطور مسارات الثورة وممارسات النظام.. نصّب الخارج نفسه متحدثاً رسمياً، وممثلاً شبه وحيد، واندفع البعض أكثر في تلبية رغبات الآخر تحت عناوين : وحدة المعارضة(لتكون جديرة بالتقدّم إلى الغير بهذه الصورة) وأية معارضة؟؟، وأية مقاييس؟؟، وأية أسس ؟؟..
لنقل بالصراحة التي تقتضيها تضحيات شعبنا.. أن المعلومات التي ترد عن الاتصالات، والتشكيلات، والمؤتمرات، والوعود.. تذكّرنا بالذي جرى للمعارضة العراقية، وكيف التقت، وكيف اجتمعت، وعلى اية أهداف اتفقت، وأية محاصصات قررت(أو قُرر لها)، وأية نتائج أسفرت ..
ـ اليوم يضع هؤلاء أنفسهم في موقع المسؤول عن الثورة ومستقبلها، فيخيطون، ويقصقصون، ويفصفصون، ويفصلون الثوب على قدّ المطلوب منهم، وعلى قدّ تكوينهم، وخلفياتهم، وتلبية للقوى التي تدعم بالمال والمواقف، وتعدد التصورات حول بلدنا القادم ..
ـ ولأن الكلام كثير، وكبير في هذا الميدان، ولأن شباب الثورة التقط رأس الخيط، وأدرك حجم الذي يجري، ومحاولات اختطاف الثورة من قبل فئات كثيرة لا علاقة لها بها إلا بالصراخ الإعلامي، ورشّ الأموال مشبوهة الدوافع.. بادروا إلى توحيد صفوفهم.. فكان الاتفاق الذي حدث منذ أيام بين عدد من لجان التنسيق لتشكيل الهيئة العامة للثورة السورية، والتي نأمل أن تجد تجسيداتها على الأرض، وأن تتمكن من قطع الطريق على كل محاولات الحرف، والاحتواء، وتحديد بوصلة الثورة وهويتها وعناوينها بدقة تمنع أيّاً كان : في الداخل والخارج التلاعب بها، أو القفز فوقها ..
ـ نعم الخوف كبير ومشروع.. لكن الثقة بالثورة العملاقة، بتضحياتها وإرادتها، بوعي فرسانها وقادتها الحقيقيين، بالوطنية السورية الراسخة، بالديمقراطيين الحقيقيين الذين يدفعون أرواحهم ثمناً لدولة الحرية، ولانعتاق شعبنا وتخلصه من هذا الكابوس الرهيب، وليس للبروزة، والاستغلال، أو لصالح أطراف هنا وأخرى هناك ..
إن الثقة بالوعي الذي يتبلور صافياً، جماعياً.. سيكون الضمان المهم الذي يتطلب من كل الوطنيين السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية والقومية.. أن يلتفوّا حولها، وأن يدعموا قيادات الثورة الفعليين، ويقدّموا لهم الخبرة، والعون، والنصيحة ..
كاتب وروائي ـ الجزائر
19 آب 2011




















