لا يزيد تأثير العرب في الملفات التي تخصّهم عن كونهم بشكل أو بآخر مشاهدين في مسرح أو في ملعب كرة قدم. بعد ساعات يفترض أن تعلن تسيبي ليفني تشكيل الحكومة الجديدة في إسرائيل، وإذا فشلت سيحل غيرها محلّها ويبدأ في التفاوض مع حزبه والأحزاب الأخرى سعياً إلى التوصل إلى تشكيلة تحظى بثقة الكنيست. وبعد أيام ستجلس شعوب العالم أمام أجهزة التلفزيون لتتابع على الهواء وقائع الانتخابات الأميركية وسنعرف بعدها من سيجلس خلف المكتب البيضاوي في البيت الأبيض: المرشح الديموقراطي باراك اوباما أو الجمهوري جون ماكين. وفي الحالتين سيبقى العرب في مقاعد المشاهدين ينتظرون النتيجة وأيديهم فوق قلوبهم يخشون من فشل ليفني خوفاً من أن يحل بنيامين نتانياهو محلّها، ويدعون بالنجاح لاوباما رعباً من أن يأتي ماكين رئيساً أميركياً. ورغم أن العرب لم يصدقوا كلام الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز، الذي اطلقه أخيراً في شرم الشيخ عقب لقائه الرئيس المصري حسني مبارك، بقبوله المبادرة العربية واعتباره أنها «فرصة يجب عدم إضاعتها»، لأنهم يعرفون تاريخ الرجل وبراعته في المراوغة واللعب على الألفاظ وتبديل المواقف، فإنهم ليسوا في حالة تسمح لهم بالتأثير في قرارات الناخب الإسرائيلي أو الاميركي، وبالتالي فإن العرب ليس أمامهم إلا التعامل مع مستقبل لم يشاركوا في صنعه.
ليس أمام المحلل لموازين القوى في المنطقة وعلاقات المصالح التي تربط أطرافها وطبيعة الأنظمة السياسية التي تحكم دولها والخبرات السابقة في التعامل بين تلك الأطراف إلا أن يتوقع في السنوات المقبلة استكمال سيناريو جرى تجهيزه منذ سنوات، وأن ذلك السيناريو لن تتبدل فيه مواقف العناصر الأساسية ولن تتغير أثناء تنفيذه قواعد اللعبة، إذ لا يمكن تغيير قواعد اللعبة أثناء التنافس بين اللاعبين.
وليس من الغريب أن تأتي رياح العرب بما لا تشتهيه سفنهم، فإذا تمنّوا فوز بوش يوماً وجاءهم كمرشح للحزب الجمهوري عصف بهم و «بهدل» حالهم، وهم كانوا تمنّوا يوماً ايهود باراك رئيساً للحكومة في إسرائيل، وعندما أتى ذبحهم واستعاد شهيته القديمة وذكرياته الدموية معهم ومثّل بجثثهم مجدداً علّهم يدركون أن مصالح أي رئيس حكومة في إسرائيل يحددها هو وحزبه ومساعدوه وليس العرب أو أي شعوب أخرى. وعلى ذلك فإن العرب الذين يتمنون فوز ليفني في إسرائيل وأوباما في الولايات المتحدة ليس عليهم أن يشعروا بالاحباط أو أن يندبوا حظوظهم إذا وجدوا في سياسة الاثنين في المستقبل ما لا يأتي على هواهم، إذ لا يوجد أي عقد اتفاق بين رئيس حكومة إسرائيل أو الرئيس الأميركي وبين أي طرف آخر خارج حدود الدولة العبرية أو الولايات المتحدة يرغمه على الوفاء بما اطلق من «كلام» ووعود أثناء الحملات الانتخابية. كما أن الذين اختاروا دائماً الجلوس في مقاعد المشاهدين ليس في مقدورهم إذا طلبت منهم المشاركة في «اللعب» أن تحل عليهم المهارة بين لحظة وأخرى، وأن يدركوا قواعد اللعبة، وهم الذين اقتصرت أدوارهم طويلاً على التصفيق أو الصفير أو الإشادة والتأييد أو الاستنكار والتنديد.




















