عقد قادة كل من السعودية ومصر وسوريا ومعهم أمير الكويت قمة مصغرة في الرياض سميت بقمة المصالحة حيث إنها مثلت أول لقاء بين القادة الأربعة منذ اجتماع المصالحة الأول الذي تم في الكويت على هامش القمة العربية الاقتصادية التي عقدت هناك. تمخض عن هذه القمة المصغرة بدء «مرحلة جديدة» في العلاقات العربية كما جاء في البيان الذي صدر بعد القمة.
وهنا يتساءل المحلل السياسي عن طبيعة هذه «المرحلة الجديدة» التي خرج بها المجتمعون كوصف لنجاح القمة. هل تمكن القادة المجتمعون من التوصل إلى وفاق عربي حول أهم الخلافات القائمة بينهم لاسيما حول موضوع العلاقة مع إيران والملفين الفلسطيني واللبناني؟ أم أن هذه الاجتماع خرج بانفراج في العلاقة القائمة بين الأطراف الثلاثة الرئيسية من دون أن يؤدي إلى وفاق؟
التحليل السياسي الأولي لما حدث في الرياض يشير إلى أن ما تم التوصل إليه هو أقرب إلى الوفاق المرضي لجميع الأطراف بحيث أن كل طرف قدم أقل حد من التنازلات إلى الطرف الأخر من منطلق البرجماتية السياسية التي تدعو إلى تحقيق المصالح عن طريق استغلال الفرص.
حيث إن العرب انتقلوا منذ قمة الكويت الاقتصادية من مرحلة الانفراج إلى مرحلة الوفاق التي ترجمتها القمة المصغرة في الرياض. هذا الوفاق لا يعني أن الأطراف قد رمت خلافاتها وبدأت تتبع سياسات واستراتيجيات واحدة وإنما تعني أن كل طرف قد قدم أقل حد من التنازلات التي ترضي الطرف الآخر وأن هذه التنازلات هي حول تفاهمات عامة تمس المصلحة العربية بشكل عام وليس التركيز على كل القضايا كقضية لبنان والتحالف السوري الإيراني.
وفي هذا السياق نستطيع أن نصف ما سمي بـ «بداية مرحلة جديدة» في العلاقات العربية بأنها أقرب إلى أن تكون مرحلة وفاق عربي جديد تهدف إلى إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية من دون أن تتنازل بشكل مباشر عن تحالفها القائم مع إيران ومن دون أن تفقد قوتها ووزنها في لبنان. صيغة الوفاق العربي الجديد تتمحور.
كما يبدو حول ضرورة الانفتاح السوري على وجهة النظرة العربية الأخرى المتمثلة في كل من السعودية ومصر نحو ضرورة عدم الانجراف وراء إيران في مواجهتها ورفضها التعاون مع الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما وإستراتيجيته الجديدة في التعامل مع بعض ملفات منطقة الشرق الأوسط لاسيما ملف فلسطين والعلاقة مع سوريا.
الدول العربية المسماة بدول الاعتدال والتي يقصد بها السعودية ومصر اتبعت هذه الدبلوماسية إدراكاً منها بأنها لا يمكن أن تكسب ود سوريا إلى جانبها من دون أن تقدم بعض التنازلات لها، وتدرك كذلك بأنها لا يمكن أن تفرض على سوريا التخلي عن تحالفها التقليدي مع إيران، لذلك لجأت هذه الدول إلى الدبلوماسية القائمة على دعوة سوريا استثمار الظروف الدولية والإقليمية لصالحها ولصالح العرب فيما يتعلق بالملف الفلسطيني من خلال دعمها لمشاركة حركة حماس في الحوار الفلسطيني القائم برعاية مصرية. هذه الدول تعلم بأنه من دون الدعم السوري لا يمكن جعل حماس تدخل بفاعلية في الحوار الفلسطيني نحو تحقيق المصالحة الفلسطينية واستعادة اللحمة الفلسطينية من جديد.
كما أن دول الاعتدال العربية ترى في استمالة سوريا لجانبها في هذا الوقت بالذات هو أمر ضروري حيث أن البراجماتية السورية تميل نحو الانفتاح على الولايات المتحدة من خلال تقبلها بنظرة متفائلة نوعاً ما لدعوات الإدارة الأميركية الجديدة بالانفتاح على سوريا. الولايات المتحدة وفي غضون أول شهر ونصف من فترة ولاية الرئيس الأميركي الجديد أرسلت أربعة وفود من الكونغرس الأميركي لزيارة دمشق كما زار دمشق مجموعة من الوفود الرسمية والغير رسمية الأميركية.
دول الاعتدال رأت في الترحيب السوري لهذه الخطوات الأميركية فرصة سانحة لتحميس دمشق على المضي قدماً في هذا المسار وعدم الرجوع عنه لصالح اعتماد الخط الإيراني الذي مازال متشدداً لاسيما من قبل موقف المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية الذي يرى في التوجه الأميركي الجديد نحو سوريا بأنه مراوغة أميركية لإخضاع سوريا ليس أكثر.
فالسعودية ومصر رأت في الظروف الحالية فرصة نحو انتهاج دبلوماسية تقارب مع سوريا من أجل تحقيق هدف عزل حماس عن تشدد إيران وجعلها أكثر قرباً للخط العربي الذي تمثله دول الاعتدال من خلال التوافق والمصالحة مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وكذلك من أجل تحقيق هدف إبعاد سوريا قدر الإمكان عن الخط الإيراني المتشدد ومساعدتها على فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة قوامها العمل على إقامة علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة والعمل استعادة الجولان السوري في مقابل دفع سوريا حماس نحو المصالحة مع فتح والسلطة الفلسطينية والالتزام بالمبادرة العربية.
هذا هو شعار المرحلة المقبلة كما يبدو في العلاقات العربية والتي ستشهد القمة العربية المقبلة التي ستعقد في الدوحة تأكيداً عليه من أجل ضمان نوعاً ما من الوحدة في الصف العربي في مواجهة القضايا الهامة التي تمس المنطقة لاسيما القضية الفلسطينية. وإذا ما حدث هذا بالفعل فإنه سيكتب للدبلوماسية السعودية نجاحها في لملمة ـ وإلى درجة كبيرة ـ الخلافات العربية لاسيما تلك التي تتمثل دولة عربية محورية كسوريا طرفاً فيها، ونجاحها في تحقيق وفاق عربي جديد قوامه التوافق على التعامل مع المعطيات الدولية من منطلق البرجماتية السياسية التي يمكن أن تخدم ولو جزءاً من مصالح المنطقة العربية.
جامعة الإمارات
"البيان"




















