المستقبل –
أصدرت الكنائس في لبنان مجتمعة بتاريخ 5/3/2009 وباحتفالية إعلامية بارزة "شرعة العمل السياسي في ضوء التعليم المسيحي وخصوصية لبنان". تقع الشرعة في كتيب من 54 صفحة بالحجم الوسط. لا شك أن هذه الشرعة المهمة سيتناول مضمونها حوار طويل. بهذه المناسبة، نتناول هنا موضوع علاقة الايمان الديني المسيحي بالسياسة.
هل السياسة هي كل شيء؟ هل الايمان هو كل شيء؟ هل يخضع الايمان للسياسة أم تخضع السياسة للايمان؟ هل نبدأ بتحليل السياسة لنعكس في ما بعد قيم الايمان الديني على الخلاصات التي توصلنا اليها في تحليل السياسة؟ أم نبدأ بقيم الايمان لنطبقها سياسياً؟ أم هناك فصل تام ما بين السياسة والايمان؟
في الواقع، إن المسيحيين معنيون (وعوا ذلك أم لم يعوا) بالحقائق السياسية. إنهم متموقعون سياسياً في أحداث الأمس واليوم حتى قبل حصول التزامهم السياسي بكل ما يحتوي من تبريرات وأسباب؟ وهل يوجد سلوك سياسي مسيحي بحت؟
أن تكون الكنيسة، بقوة سلطانها، قد رددت وقالت مراراً عبر التاريخ إنها ليست سياسية فهو قول لا أهمية له. ذلك أنها في الواقع قد ارتبطت بالسياسة الى حد بعيد. فإذا أخذنا، على سبيل المثال، موقف الكنيسة من السياسة، مباشرة بعد الثورة الفرنسية (1789)، وجدنا أنها بقيت، بالرغم مما كان يعتلج في داخلها من مقاومة ومعارضة، تلعب الدور ذاته الذي لعبته قبل الثورة.
وحروب الاستقلال في أميركا اللاتينية جعلها الناس، تاريخياً، حروباً رومنطيقية. وهي في الواقع لم تشكل ثورة حقيقية، أو في أحسن الأحوال، كانت ثورات غير مكتملة لأنها لم تقطع ربط المستعمرات ولم تفكك عراها.
إن الكنيسة سياسية في تصرفاتها، ويخترقها الصراع الاجتماعي، وفي ذلك شواهد تاريخية حالية. إنها لا تختار صراع الطبقات، بل هو مفروض عليها الى حد ما. والكنيسة تتدخل موضوعياً في الصراع الاجتماعي، ولو أن تدخلها لا يتم تحت منظار سياسي، من أول وهلة، بل تحت منظار ديني. إنها، إذ تتمسك بشموليتها تبغي أن تكون منفتحة على جميع الناس، والاهتمام الذي تبذله لتبقى حاضرة، كمؤسسة، في المجتمع، يدفعها على عقد رباطات مع الفئات المسيطرة وتحافظ على البنيات المجتمعية القائمة وتبدو كأنها ضمانتها الايدويولوجية.
فهل الاستراتيجية الثورية هي خشبة الخلاص للكنيسة، وما هي العلاقة الثورية بين الايمان والسياسة؟
بالنسبة لبعض المسيحيين، إن العلاقة التي تربط الايمان بالثورة هي اقتناع ذاتي، لا سيما حين تظهر عوامل مختلفة تساعدهم على إقامة تلك العلاقة بين أمانتهم للإنجيل والمعركة الثورية. وبالتالي، يتعذر الانتقال من الصعيد الذاتي الى الصعيد الموضوعي، لأنه لا يمكن إقامة علاقة منطقية بين الايمان والثورة، أو بينه وبين أي مسلك واقعي آخر. ومن المؤكد أن قبولاً غير مشروط ببعض الهيكليات التي تسجن الإنسان لا يتفق مطلقاً مع الايمان الذي لا يفرض شكلاً خاصاً لمعركة قلب مثل تلك الهيكليات. وهذا يؤدي بنا الى القول بأنه لا ينجم، مباشرة، أي التزام سياسي عن الايمان الذي يظهر من خلال جميع أشكال المعركة ويبقى متسامياً عليها كلها. لذلك من الأفضل أن نقول: "من السياسة الى الايمان؟" لا "من الايمان الى السياسة".
هذه النظرة الى الالتزام السياسي تحرر المسيحي لأنها لا تسجنه في استراتيجية مقررة سلفاً بل تضعه أمام مسؤوليته تجاه السياسات المطروحة عليه. والايمان ليس مصدراً لكل وعي سياسي.
من جهة أخرى، فإن الإنطلاق من الايمان الى السياسة يتضمن خطر تسييس الإنجيل عن طريق الانتقال من الصعيد الذاتي الى الصعيد الموضوعي.
هذا، ويجب ألا نحوّل الإنجيل الى خزان للوصفات العملية. كما أن هذا الانطلاق غير واقعي لأن الانسان متموقع سياسياً قبل أن يكون، عرضاً مسيحياً.
أما الإنطلاق من السياسة الى الايمان فإنه يحيل الإنسان الى مسؤولياته السياسية في بناء المجتمع، فيما هو يطلعه، بالوقت نفسه، على إله موجود أمامه وأمام التاريخ وأمام السياسات.
وظيفة الايمان، إذن، مقلقة، لا تكف لحظة عن أسئلة جديدة، لأن الايمان يفتقر الى أجوبة مقررة سلفاً على أسئلة لا يستطيع حلها، وهو لا يصف أفضل مجتمع ممكن، بل يفتح افقاً رحباً من الرجاء عندما يجيب على مشكلة معنى الوجود البشري ومعنى التاريخ.
إن علاقة الايمان بالسياسات هي، مسيحياً، علاقة جدلية، غير أحادية الجانب. إنها سياق مستمر وليست بنية جامدة. مع هذا، فالايمان الحقيقي لا يجيز لنفسه أن يتجاهل السياسة أو أن يتعالى عليها. أو أن يقف على الحياد.
وعلى المؤمن أن يعيش إيمانه منطلقاً من بعض المبادئ التي تبين أنها تنطبق على الجماعات البشرية، ومنها التالية:
ـ الإنسان كائن في السياسة قبل كونه مسيحياً.
ـ كل شيء غير حيادي، والإنجيل منحاز للفقير والمسحوق.
ـ إن الصراع الاجتماعي واقع حاضر في كل مكان. وعاجلاً أم آجلاً سيطرح الإنسان على نفسه في أي جهة هو موجود.
ـ إن الصراع من أجل تحرير الإنسان والايمان هما وجهان لعلاقة واحدة بالمسيح. ولا بد لهذه العلاقة من أن تُعاش داخل الصراع، أي في معركة تحرير الإنسان من الظلم والظالمين وفي معركة تحرير المسحوقين.




















