ان المذكرات هي "كتابة صاحبها للتاريخ". ومن هنا كان من حق لبنان على فؤاد بطرس كتابة مذكراته. فالدور الذي قام به، في حقبتين مفصليتين من تاريخ لبنان وفّر له الاطلاع من داخل الحكم، ومن اعلى مستوياته. على ما لم يتوافر لكثيرين غيره، من صناع السياسة او شهودها او رواة التاريخ.
وكتابة المذكرات مهمة شاقة. لاسيما اذا كان كاتبها واقفا على شرفة مطلة على السياسة في بلاده وليس ممتهنا او محترفا لها، ومضطرا، بالتالي، الى تبرير مواقفه وقراراته، امام ناخبيه او جمهوره. مكتفياً بحكم الضمير والواجب والتاريخ.
ولقد كان من الطبيعي، تركيز كاتب هذه المذكرات على الحقبة التي شارك خلالها في الحكم، وزيرا شبه دائم في عهود مفصلية من تاريخ لبنان الحديث. لم يكن فؤاد بطرس مجرد وزير عابر، او ممثل رمزي للطائفة التي ينتمي اليها بالولادة، بل كان الوزير الذي يحتاجه الحكم، تقديرا لشخصيته وحكمته ومواهبه المتعددة. كما كان موضع ثقة الرؤساء، واحد ابرز مستشاريهم والمطلعين على "اسرار الدولة". وما رواه في مذكراته عن هذه الحقبة الممتدة من مطلع الستينات الى الثمانينات، يمكن اعتباره مصدرا رئيسا لمن يريدون كتابة تاريخ لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولكن قبل ان يخوض صاحب المذكرات في السياسة وشؤونها وشجونها، تحدث عن نشأته وشبابه وكفاحه كطالب علم وموظف في قصر العدل ومن ثم كقاض. وفي هذه الصفحات الشخصية، اضاء على النواحي الانسانية في تكوين شخصيته، وابرز القيم التي قادته الى النجاح، كشعوره بالمسؤولية العائلية، والعلم والاجتهاد، كمسلك في الحياة، والشجاعة في الرأي والصلابة امام الحق. وهي قيم استدعت احترام رؤسائه له واعتراف من تعامل معهم، بجدارته واستقامة رأيه ومواقفه. وكان من بين الذين اثار اهتمامهم اللواء فؤاد شهاب، الذي استدعاه، عام 1959، لدخول الحكم كوزير، وابقاه الى جانبه وزيرا دائماً ومستشاراً مميزاً.
لقد تحدث صاحب المذكرات عن العهد الشهابي، بقلبه وعقله. ورسم معالم النهج الشهابي في الحكم، وابرز اهدافه وفي طليعتها بناء دولة المؤسسات الحديثة وتحقيق العدالة الاجتماعية. وتركيز الوحدة الوطنية على الانماء المتوازن. كما ابرز سلبيات هذه التجربة واصطدامها بالواقع السياسي الطائفي و"الزعائمي" التقليدي. وما جاء في المذكرات عن عملية تجديد رئاسة فؤاد شهاب، ورفضه له، عام 1964، يكشف عن ملابسات وادوار اكتنفها الغموض يومذاك. ومن اهم ما جاء عن مشاركته في الحكم الشهابي، هو حديثه عن شخصية الرئيس شهاب، الذي ربطته به مودة واحترام متبادلان وقيم وطنية واخلاقية وثقافية مشتركة.
لم يغب فؤاد بطرس عن المسرح السياسي في العهد الشهابي الثاني – على الاقل في السنوات الثلاث الاولى من عهد الرئيس حلو، بل بقي في موقع بارز ومؤثر قرب صناع القرار. ولكن الدور الاهم في حياته السياسية، سوف يكون في عهد الرئيس الياس سركيس، ابان الحرب اللبنانية. كان اكثر من وزير للخارجية، في حكومات ذلك العهد. ان لم يكن الرئيس "الآخر" للحكومة. كما "اتهمه البعض". فالرئيس سركيس اطلق يده في السياسة الخارجية واوكل اليه ادارة المحنة اللبنانية عربياً ودولياً. وكم كانت مهمته "مستحيلة" في خضم تلك الصراعات العربية – العربية، والسورية – الفلسطينية، والمسيحية الاسلامية، والتدخل الاسرائيلي المباشر في الحرب اللبنانية، الذي بلغ حد احتلال لبنان وعاصمته.
كان على الثنائي سركيس – بطرس، ان يديرا الازمة اللبنانية، مع وضد كل القوى المتنازعة في لبنان وعليه. وان يتلقيا سهام الانتقاد والتهجم والتخوين والارهاب، من قبل القوى المتقاتلة والمتنافسة على السيطرة. في لبنان وفي ذلك الزمن الرديء الذي ضاعت فيه مفاهيم الوطنية والعروبة والسيادة والقانون الدولي، كان على صاحب المذكرات والرئيس سركيس ان يتمسكا بآخر ما تبقى من خيوط الاستقلال والسيادة والوحدة الوطنية والكرامة والدولة والشرعية.
لقد دخل فؤاد بطرس السياسة من النافذة التي فتحها له الرئيس فؤاد شهاب. وخرج من بابها الكبير، كرجل دولة ممتاز لم يستغل النيابة والحكم بل هما استغلا مواهبه وذكاءه وثقافته ورؤيته النافذة الى الامور العامة. وكان بين الشهابيين او النهجيين، الوجه المشرق والمعبر عن ايجابية تلك التجربة التي بات اللبنانيون، اليوم، حتى الذين عارضوها، يعترفون بأنها كانت المحاولة الجدية الاولى في بناء دولة الاستقلال والمواطنية اللبنانية لو اتيح لها ان تكتمل.
يقول خليل سركيس، في مدخل المذكرات: "ان فؤاد بطرس متشائم بنى اعماله على اساس الواقع، عول على العقل والقلب معا ونبذ الغرائز والاهواء". وتكفي نظرة سريعة وشاملة على ما اصاب لبنان في الاربعين سنة الاخيرة، لتبرير تشاؤم صاحب المذكرات وللتساؤل: كيف تحمل هذا الانسان الموهوب والمثقف والحر والمستغني اثقال السياسة والحكم ومخاطرها، طوال هذه السنوات الطويلة؟ الجواب قد يكون في ان التشاؤم ليس يأسا، وان الواقعية ليست استسلاما، وان الوطنية ليست موقفا فحسب بل هي ممارسة وعمل واجتهاد وتضحية.
يقول فؤاد بطرس في مذكراته: "السياسة اقرب الى الفن منها الى العلم بمعناه الضيق. وهذا الفن يتجلى في حسن اختيار الاتجاه الذي يجب على الدولة سلوكه لتحقيق الاستقلال والازدهار".
ويقول: "سياسة لبنان تقوم على التضامن العربي لمواجهة اسرائيل تحقيقا لسلام عادل، والمحافظة على رسالة لبنان الحضارية كنقطة التقاء بين الشرق والغرب وكنموذج لتعايش الحضارات على ارضه في ظل نظام ديموقراطي سليم. رسالة لبنان هي المبرر الرئيسي لوجوده".
ومن اقواله: "آمل ان نصل يوما الى المواطنية وجعلها تتقدم في الاولوية على أي اعتبار آخر".
ومنها: "ازمتنا، ازمة وطن وكيان وليست ازمة سياسية عادية. ولذلك يجب معالجتها بمفاهيم ومقاييس تتصدى لجوهر الازمة لا لظواهرها… فلبنان مهدد في كيانه ووجوده وهويته وقدرته في ان يشكل وطنا بالمعنى الصحيح بالنظر الى تعارض بل تناقض تصور ابنائه للدولة وللوطن".
ومنها: "لا بد من تعميم الثقافة الديموقراطية على مستوى المسؤولين والسياسيين والشعب".
ومنها بشكل سؤال: "اي لبنان يريد اللبنانيون؟ وماذا تريد سوريا من لبنان؟".
بهذه الاقتناعات خاض صاحب المذكرات معركته السياسية الكبرى ابان تسلمه وزارتي الخارجية والدفاع في سنوات الحرب. وهي معركة واجه فيها مع الرئيس سركيس ولوحده، احيانا، القوى السياسية والطائفية والداخلية والاقليمية، التي مزقت لبنان ولكنها فشلت في الغائه او السيطرة عليه. والغريب هو ان الرأي العام اللبناني الذي يقر، اليوم، بأن لبنان كان ضحية "حرب الآخرين على ارضه"، كان يومذاك ممزق الجسم وضائع الآفاق. ومن هنا تصح المقولة بأن الحق حتى ولو لم يبق من يدافع عنه الا قلة، هو المنتصر في النهاية. وان الاوطان تبنيها العقول والارادات الحسنة والمعرفة، وتهدمها الغرائز والحزازات والاوهام. والعقائد الشمولية، ايضا.
مذكرات فؤاد بطرس هي كتابة التاريخ للتاريخ. هي شهادة صادقة على مرحلتين مفصليتين من تاريخ لبنان الحديث. وهي، ايضا، استعراض موضوعي للأحداث التي عصفت بلبنان في الخمسين سنة الاخيرة، يقوم به مسؤول بارز في الحكم، شارك في صنعها وعمل على انقاذ لبنان من تداعياتها. وجدير بكل لبنان، سياسيا، كان ام مجرد مواطن، ان يقرا هذه المذكرات، وان يتلمس من خلالها، الاسباب التي اوصلت الوطن الى ما وصل اليه، وان يتملى في الفرص الضائعة التي فوتها السياسيون اللبنانيون، الذين رهنوا انفسهم للنزاعات الاقليمية والدولية، على من ارادوا بناء الدولة الحديثة، وان يتعظ بها، لأخراج لبنان، من ازمته الراهنة وتلافي ما قد ينساق اليه من مغامرات عقائدية او سياسية او طائفية، في المستقبل.
(محام – كاتب سياسي)
"النهار"




















