سوّغ بوتن تدخّله العسكري في سورية، إلى جانب النظام، بمنع انهيار الدولة السوريّة، وهو يعلم تركيبتها- وبغضّ النظر عن شرعيّتها سياسياً واجتماعياً- التي تقوم على مؤسّسات شكلية وهميّة ما قبل وطنية، “أبدع” تركيبها حافظ الأسد، لتقوم على تغوّل السلطة وتوحّشها، فتندمج بنظامه الذي يسقط حتماً بسقوطها.
بعد الاستقلال كانت الدولة الوليدة هشّة مرشحة لتكون على لائحة الدول الفاشلة، ولكن بعد أن صار أمرها للأسديين الذين أعملوا قتلاً في أي إمكانية لتأخذ طريقها إلى الازدهار الاقتصادي والتحوّل السياسي، آلت إلى جمهورية أورثها الأب لابنه، الذي قام بالإجهاز على ما تبقّى منها بعد جعلها “سورية الأسد”، وعليه كان شعار مواجهة ثورة السوريين بالشعار الأثير “الأسد أو لا أحد”، ليؤكد أنها مزرعة ورثها ممّن اعتنى بنسجها بسُدى طائفية، وخيوط أمنية عسكرية، ولُحمة زركشها بألوان أقليات إثنية دينية، لتستمرّ نصف قرن، تقتات الصمت والخوف، وتعاني الاستبداد بأبشع صوره.
لقد وصلت “سورية الأسد” منتهى ما يمكنها الوصول إليه، في عهد وريث مهووس بالسلطة، استخدم كل أساليب الطغيان، ولم يتورّع عن استخدام كل أسلحة ترسانته العسكرية- بما فيها الكيماوي- ضد الشعب، عندما طالب بالحرية والكرامة والديمقراطية، لتتجلّى علامات الفشل بلا حاجة لبراعة تحليل أو تعليل أو استنتاج، إذ تحوّلت إلى دولة تعجز عن القيام بوظائفها تجاه مواطنيها، وتجاوزت كل الفاشلين بفشلها، فما عادت مستقلّة ذات سيادة، بعد أن حطّت على أرضها جيوش محتلّة لحماية نظام متداعٍ ضعيف، وتتحكّم في كل جهاتها، ميليشيات متعددة الجنسيات، تتحرّك بأوامر الدول في الإقليم وما بعده، وتحمل يافطات تتحوّر لتحقيق أهداف مشغّليها الجيوإستراتيجية. وما عادت قادرة على تأمين الخبز والكهرباء والدواء، ومستلزمات الحياة الآدمية لملايين من البشر رهائن بطشها وتغوّلها، وليست لها سلطة قرار حتى في المناطق التي تحتلّها أو يحتلّها من يدعمها، فهي بلا شرعية، تتغذّى على انتهاكات القوانين وحقوق الإنسان، ورهن ثروات البلاد وأرضها، والتدخّل الخارجي (روسيا-إيران)، أو وكلاء دول أخرى في مناطق أخرى.
أكدت “سورية الأسد” أنها دولة فاشلة أو منهارة أو “ساقطة”، بل لا دولة، جمعت كل طرق الفشل لدولتها، نظراً لما تعرضت له من تخريب وتدمير(إبان الثورة وقبلها )، لا للمؤسّسات فحسب، بل للبنية التحتية والمجتمع السوري نفسه. فقد استشرى فيها الفساد من الباب إلى المحراب، بالإضافة إلى التغييرات الديموغرافيّة المرعبة التي افتتح بازارها النظام، وقامت مختلف أطراف الصراع بردّ الفعل، ليأتي التهجير القسريّ والنزوح الداخلي واللجوء إلى كل بقاع الكون، مع كمّ هائل من الكراهية مع الدمار والموت والظلم والاختفاء القسري والاعتقال الذي حاق بالجميع، وفوق هذا وذاك، فهي دولة منبوذة دولياً، ومن يساندها رأى فيها أرضاً لمقارعة أعدائه الآخرين، يحقّق مكاسب، أو يقايض مكاسب بمكاسب، أو يجرّب أسلحته ويروّج لها، أو يمدّد حدود سيطرته لتحقيق أهداف مشروعه بأبخس التكاليف.
فما دامت الدولة الأسدية فاشلة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، فما معنى إجراء انتخابات “ديموقراطية” في ظل كل هذا الفشل، ومواجهة العالم الذي أعلن عدم اعترافه بشرعيتها ونتائجها، ولا نزاهتها ولا صدقيّتها، وخروجها على قرارات مجلس الأمن؟ إنها فصل هزلي من مسرحية استبقاء النظام، وهو يعرف أن العالم خبير بأوضاعه جملة وتفصيلاً، ولكنه يريد إظهار أفراح مَن بقي من السوريين، بالإضافة لحاضنته ومؤيّديه، بـ”العرس الديمقراطي” للانتخابات التي تقدّم 51 مرشحاً للتنافس مع “سيّئ الوطن” الذي سيقوم بحملة انتخابية لانتخابات سيفوز بها دون إجرائها، فنالوا شرف التقدّم قبل القبول، بمشاركتهم في احتفالية الترشّح، وسيكون لهم أدوارهم في مهرجان الانتخاب، إذ ليس أكثر مدعاة للسخرية من مرشّح لرئاسة دولة، يعدّ منافسه قائده ورمزه، ويدعو الشعب لانتخابه، لأنه – المنافس – سيمنحه صوته!
إن داعمي النظام (روسيا وإيران وغيرهما) يريدون إظهار انتصارهم على الغرب بإبقائه وتعويمه، وما الانتخابات الصورية إلا منحه صكّاً قانونياً للشرعية الدولية، وتدوير الوضع القائم تمكيناً للفشل في دولة فاشلة تحقّق لهم مزيداً من الاستثمار بانتظار تغيّر الظروف أو تحوّل التحالفات أو تحوّر الصراعات، لا على سورية وحسب، بل في المنطقة بأسرها.


























