– عكا
لا تنفك المنابر الإسرائيلية الإعلامية المختلفة تحفـل بكم كبير من التحليلات المتعلقة بالحرب الإسرائيلية على غزة [استمرت خلال الفترة 27 كانون الأول 2008 – 17 كانون الثاني 2009 باسم "حملة الرصاص المسبوك"]، وجلها ينـم عن خيبة الأمل من إنجازاتها، إلى درجة جعلت كبير المعلقين السياسيين في صحيفة "هآرتس"، يوئيل ماركوس، يؤكد في أحد آخر تعليقاته أنه لم يتضح إلى الآن ما إذا كانت هذه الحملة ناجحة أم فاشلة. في حين أشار الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند، رئيس "مجلس الأمن القومي" السابق، أخيرا، إلى أن من الصعب إبداء أي قدر من الحماسة لهذه الحملة، بعد مرور شهرين على انتهائها. فإطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل لم يتوقف، وعمليات تهريب الأسلحة من مصر إلى غزة متواصلة، وحركة "حماس" تعزز سلطتها، وجلعاد شاليت [الجندي الإسرائيلي الأسير لديهـا] لم يعد إلى بيته.
ونعيد إلى الأذهـان أنه حتى موعد شن الحرب كانت إسرائيل منهمكة، إلى أذنيها، في مسألة تجاوز آثار الفشل الذي منيت به خلال الحرب على لبنان في صيف 2006، والذي اعتبره كثيرون فشلا ذريعـا. لذا فمن البديهي أن تتناول التحليلات التي وضعت تلك الحملة في الميزان، قبل أي شيء، الموضوعات نفسها التي خضعت للدراسة والتحليل واعتبرت عوامل رئيسة للفشل المذكور، وخصوصا في ضوء ما تضمنه التقريران الجزئي والنهائي لـ "لجنة فينـوغراد"، التي تقصت وقائع الحرب في لبنان.
وفي الإمكان أن نحدد أبرز هذه الموضوعات في ما يلي:
• أداء المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل والعلاقة بينهما، علاوة على أداء الجيش الإسرائيلي نفسه، والهيئات المسؤولة عن الجبهة الإسرائيلية الداخلية.
• تحديد أهداف الحملة العسكرية.
• أداء وسائل الإعلام الإسرائيلية.
• ردود الفعل الصادرة عن القوى السياسية الإسرائيلية، وعلى نحو خاص أحزاب اليسار الصهيوني وقوى السلام الإسرائيلية والمواطنين الفلسطينيين في الداخل.
• الأبعاد السياسية المترتبة على الحملة العسكرية، وخصوصا ما يتعلق بمواقف الأطراف الفلسطينية والعربية المجاورة والقوى الإقليمية والأسرة الدولية.
وقد بات معلومـا، كما أشرنـا في سياق سابق، أن "الحسم" و"الـردع" يشكلان حجري الزاوية في نظرية الأمن الإسرائيلية المعمول بها، لكن بما أن "الحسم" في الحروب، التي على غرار الحربين في لبنان وغزة، يكاد يكون مستحيلا، فإننا نلاحظ أن ثمة تركيزا خاصا، في الآراء الإسرائيلية المختلفة بشأن الحملة، على السؤال حول قوة الردع الإسرائيلية، وما إذا كان قد طرأ تغيير إيجابي عليها، وذلك بعد أن اعترتها ثقوب كثيرة في إثر حرب 2006 في لبنان.
وتجدر الإشارة إلى أنه عقب انتهاء الحملة قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمـرت، في معرض إجماله لنتيجتها العامة، في سياق مقابلة أدلى بها إلى صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، إن "قوة الردع الإسرائيلية أضحت الآن أفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى، وليس أفضل مما كانت عليه خلال العقد الفائت فقط. وهي تنطوي على ما من شأنه أن يردع عناصر محور الشر كلها"… ["معاريف"، 23 كانون الثاني 2009].
لكن على الرغم مما يقوله أولمرت وخلافا له فإن الانطبـاع أو الشعور العـام، الذي لا يزال طاغيا على أوساط واسعة في المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية في إسرائيل، وكذلك على معظم أوساط الجمهور الإسرائيلي العريض، وهذا ما في إمكاننا أن نستشفه من التحليلات الجديدة في معظمهـا، هو أن إسرائيل "فوتت فرصة انتصار أخرى" في هذه الحملة. وهو شعـور يتضـاد مع ما حاولت قيادة المؤسستين السياسية والعسكرية أن تروج له، وفحواه أن "إسرائيل حققت أهداف الحملة كاملة". [في واقع الأمر ظلت الحرب على غزة، بحسب ما يؤكد معظم المحللين، مفتقرة إلى هدف محدد حتى بعد مرور أسبوعين على اندلاعها، وفي أثناء ذلك بقي الهدف الغالب على الخطاب الإسرائيلي العام هو "جعل حركة حماس تتخلى عن الرغبة في مهاجمة إسرائيل". وعقب ذلك جرى تحديد أهداف الحرب على غزة في ثلاثة رئيسة هي: الأول- تحقيق الهدوء على الجبهة الجنوبية لفترة طويلة؛ الثاني- وقف "عمليات التهريب" إلى القطاع؛ الثالث- الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت، الذي تحتجزه "حماس" منذ حزيران العام 2006].
وما ينبغي ملاحظته هو أن هناك أسبابا كثيرة لنشوء هذه الفجوة الكبيرة بين ما تروج المؤسستان السياسية والعسكرية له، وبين الشعور العام المهيمن على الجمهور العريض بشأن "حرب غزة".
وسأذكـر ثلاثـة أسباب تعد رئيسة بينها:
الأول- عقب حرب 2006 في لبنان دأبت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفي مقدمها رئيس هيئة الأركان العامة للجيش، غابي أشكنازي، على التأكيد أنه يتعين على إسرائيل في أي مواجهة عسكرية مقبلة أن "تحقق حسما جليا في الميدان، بصورة لا تدع أي مجال لطرح السؤال بشأن هوية الطـرف المنتصـر". وقد أثار هذا التوكيد "توقعات منطقية" واسعة النطاق بأن المعركة المقبلة ستنتهي، من ناحية إسرائيل، بحسم واضح غير قابل للتأويل.
الثاني- لا شك في أن "الوعي بالانتصار" عادة ما يتكون، وبالذات لدى الرأي العام الواسع، في منأى عن "الأهداف الرسمية للمعركة"، والتي تحددها المؤسسة السياسية. ويستند هذا الوعي، أساسا، إلى موقف مستقل لدى الرأي العام نفسه بإزاء الأهداف التي يفترض أن تكون للمعركة. وبنـاء على ذلك فإنه يصدر حكمه على امتحان النتيجة النهائية أولا. وأستطيع القول، من موقع المتابع المثابر، إن الانطباع العام بأن "إسرائيل أهدرت فرصة انتصار أخرى في غزة" انعكس على نحو كبير للغاية في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، وأساسا ترتبا على ثلاثة عوامل ظلت النتيجة النهائية للحملة غير مشتملة عليها. وهي: 1) أن "حماس" لم ترفع "الراية البيضاء"، كما أنها لم تطلب، بصورة علنية، وقف النار من دون قيد أو شرط؛ 2) لم تسفر الحملة عن التوصل إلى حل مرض، من ناحية إسرائيل، لما تسميه "عمليات تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة"؛ 3) لم تؤد المعركة إلى تحسين ظروف الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت.
الثالث- في سياق المقابلة الصحافية المذكورة أعلاه قال أولمرت: "هل سمع أحد منكم على لساني شيئا يتعلق بالهدف الذي أردت تحقيقه فعلا من وراء المعركة؟ لماذا لم أفعل ذلك؟ لأني كنت أعتقد أنه ليس من الصواب الإقدام على هذا". بناء عليه في الوسع القول إن الشعور، الذي تملك الجمهور الإسرائيلي العريض، هو أن الأهداف الرسمية للمعركة، التي طرحت من قبل المؤسسة السياسية، لم تكن تعكس فعلا الأهداف الحقيقية التي تطلعت إلى تحقيقها. ويبدو أن هذا الأسلوب هدف إلى توفير غطاء للمؤسسة السياسية، في حال عدم تحقيق الأهداف الأوسع والأبعد مدى للمعركة، والتي لم تتحقق فعلا.
أما بالنسبة لقوة الردع الإسرائيلية تحديدا فستبقى، على ما يبـدو، الموضوع الرئيس الذي سيستقطب المزيد من النقاشات والجدالات. وفي هذا الشأن تزداد الأصوات التي تؤكد أن إسرائيل لا تملك قوة ردع منذ ما قبل حرب حزيران 1967.
وعلى الرغم من ذلك لم تصدر عن المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل أي إشارات إلى وجود نية بالتوقف عن اللهاث وراء قوة الردع العسكرية. بل يمكن القول، من دون خشية الوقوع في المبالغة، إنهما ستظلان منهمكتين بهذا اللهاث حتى إشعار آخر، خاصة في ظل تسلم حكومة يمينية متطرفة مقـود السلطة.
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – "مدار")
"النهار"



















