وسام سعادة
ثمّة مجموعة التباسات لا بدّ من تجاوزها إذا ما أريد للدعوة من أجل "تحييد لبنان" أن تنطلق من جديد، وأن تثبت راهنيتها وضرورتها.
منبع الإلتباسات أن "تحييد لبنان" مقولة يمكن تحميلها مدلولات متباينة. يمكن فهمها على أنّها دعوة إلى تحصينه وجعله بمنأى عن الإنعكاسات السلبية المهدّدة للإستقرار في المنطقة والمنبعثة من صراع "المحورين" الإيرانيّ والغربيّ. ويمكن فهمها على أنّها دعوة إلى إبعاده عن كلفة الصراع العربيّ الإسرائيليّ بشكل أو بآخر، أو اعتزال هذا الصراع بعد أن أعطى لبنان ما عنده وحرّر جنوبه، بجهد أبنائه وتضامن أشقائه لكن بشكل أساسيّ بإسهام ايراني. كما يمكن الدعوة إلى اعتزال الصراع نفسه بعد أن صودر من قبل ايران، في واحدة من نتائج تحرير الجنوب.
وثمة من يطرح "التحييد" بمعنى إعفاء البلد من لزوم الإنخراط في "التسوية العربيّة الإسرائيلية"، وبالإتكاء على مقولة أنّ "لبنان آخر من يوقّع"، أو أنّه "آخر من يفاوض"، وعلى قاعدة أن العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 تغني البلد عن متاهات السلم.
وثمّة من ناحية أخرى دعاة تحييد لبنان بمعنى اخراجه من الخلافات العربيّة العربية، بل قيامه بواجب توفيقيّ بين أشقائه العرب، أو الإستفادة الفوريّة من كل انفتاح ما بين العرب. ومثل هذا التحييد يعني بشكل أو بآخر وقوف لبنان على مسافة واحدة من كل المواقف والمواقع العربية من مسألة التسوية أو من واقع عملية التسوية مع اسرائيل.
عناوين "التحييد" هي إذن كثيرة، والعلاقات بينها غير ثابتة. هناك من يجمع بين عناوين متعارضة، كمثل الدعوة إلى تحييد لبنان عن الصراع مع اسرائيل وتحييده عن التسوية معها في آن، وهذا ما وجدت الحركة الإستقلالية اللبنانية نفسها أمامه أكثر من مرة في السنوات الماضية. وهناك في المقابل من يحاول جمع الشيء ونقيضه تحت شعار "رفض التحييد". فالممانعة تنطلق من هذا الشعار وتعتبر أنّ كلّ دعوة لـ"تحييد لبنان" من أيّ نوع كانت إنّما تخدم العدوّ، وتفتي بأن معيار العروبة في زماننا هو التزام موقف القيادة الإيرانية وابصار القنبلة النووية الإيرانية في المنام. لكن الممانعة نفسها، وتحديداً في لبنان، إنّما تدمج بين رفضها للتسوية أمس واليوم وغداً، وبين التزامها بموقع النظام السوري في إطار التسوية. الذين يرفضون تحييد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي، ويزايدون بأن عليه أن يؤدي أدواراً زائدة وأن يحمل أوزاناً مضاعفة، هم نفسهم الذين يهلّلون لكلّ بادرة تقوم بها سوريا لـ"تحييد نفسها" عن "العزل"، أو كل ايماءة تصدر من ايران لـ"تحييد نفسها" عن العقوبات.
وهنا نصل إلى بيت القصيد. بقدر ما تنتج كل دولة في الشرق الأوسط تصورها لإلتزاماتها الإقليمية فإنها تنتج أيضاً تصوّرها لـ"تحييد ما" تريد أن تبلغه، وتريد أن تحصّنه لتتحصّن وراءه. وهذا ما تقوم به الأنظمة "الممانعة" كما الأنظمة "المعتدلة".
كلّ يريد "تحييد" نفسه في هذه المنطقة. منهم من يريد التحييد من طريق "الممانعة" ومنهم من يريده من طريق "الإعتدال". معنى ذلك أن الدعوة إلى "تحييد لبنان" ليست استثناء أو شواذاً، إنّما هي الحق في المعاملة بالمثل، الحقّ في التشبّه بالآخرين، الحقّ في أن نكون كالآخرين انطلاقاً من تحييد الذات قدر الإمكان عن الآخرين.
وكما أنّ دول المنطقة وأنظمتها "الممانعة" أو "المعتدلة" تربط ما بين المسعى إلى تحييد النفس عن سياسات العزل والنبذ والإقصاء الدولية، وعن أكلاف النزاعات الإقليمية الباهظة أو غير المجدية، فإنّ هذه الدول تسعى إلى ذلك من خلال تحديد منسوب الإلتزام الإقليمي الذي يوافق مصلحتها ويخدم استمراريتها.
وهذا تحديداً ما يعنى لبنان بإعادة اكتشافه من خلال إعادة التقاطه أهمية فكرة "التحييد" من حيث هي الحق في الكون كالآخرين. تحييده ليس بمعنى تحييده عن الصراع العربيّ الإسرائيلي وعن التسوية العربيّة الإسرائيلية، وليس بالاكتفاء بشعار رجوعه الى اتفاقية الهدنة، فالهدنة وحدها لا تكفي لا لوقف تداعيات الصراع الاقليمي على البلد، ولا لإعفاء لبنان من مسألة التسوية الإقليمية.
وفي لبنان هذا ثمة اليوم مشروعان يخوضان الإنتخابات. واحد يهاجم مقولة "التحييد" ويعتبرها رأس الأفعى، وآخر لم تنجح الجهود لجعله يتبنّى مقولة "التحييد" لكنه يدور حولها بشكل أو بآخر، أو في أقل تقدير يعبّر عنها بكل مدلولاتها، من تحييد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي إلى تحييده عن التسوية العربية الإسرائيلية، ومن تحييده عن الممانعة إلى تحييده عن الصراع بين الممانعة والإعتدال بل إلى الإكتفاء بتحييده في إطار الممانعة، لكن على قاعدة الحياد حيال النزاعات العربية العربية.
وكل هذه المدلولات ليست إلا ارهاصات أولية لفكرة مركزية اسمها "تحييد لبنان". ويمكن القول ان الإنتخابات إذا كان طرف فيها يخوّن التحييد وطرف آخر لا يتبناه كشعار أساسيّ، فإنّها تبقى انتخابات ستقول فيها "غريزة التحييد" كلمتها الأخيرة.
من مصلحة القوى الإستقلالية إعادة التعرّف على "غريزة التحييد" هذه. فعلى أساسها يمكن التأسيس لمساهمة لبنانية حيوية في تحريك مبادرة السلام العربيّة وفي التوفيق بين العرب على حدّ سواء، بدل أن يكون لبنان منفعلاً سواء إذا تنافرت المحاور في المنطقة أو إذا ما تقاطعت.
فغريزة التحييد تعني كل شيء إلا الإنعزال عن السياق العام للمنطقة. إنّها، ولنكرّر مرة جديدة، تعني الحق في أن يكون اللبنانيون مثل الآخرين. من هنا، فإن "تحييد" لبنان هو الضمير السريّ لأكثرية أبنائه، ومن أراد انتزاع هذه الأكثرية عليه أن يخاطب بشكل أو بآخر هذا الضمير.




















