من الصعب إلغاء تاريخ طويل للخلافات العربية بُني على وهْم تفرد كل دولة بأدوارها وحججها، وتعريف نفسها بأنها الناطق الرسمي عن الأمة والشعب حتى داخل دول عربية أخرى، ثم إنه من الظلم تساوي المهمات بين قُطر كبير يملك مقومات الدولة المحورية، وبين آخر ليس بتمثيل حضور القمم والمناسبات أيا كانت مهمتها، وإنما بفاعليته كقوة تملك شروط التأثير على حدودها وخارجها، بينما الأخرى لا تملك هذا التأثير..
قمة الدوحة لا تزال تحكمها أطر الخلافات، مع أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز هو صاحب المبادرة التي قلبت الأوضاع من الأصوات الناقدة، والمتهِمة والمتهجمة، إلى المبتسمة والمعانِقة، وهي لحظة انقلب فيها الأضداد إلى أصدقاء .. والمعيار هنا أن الرجل تجاوز الساعات الحرجة في قمة الكويت الاقتصادية ليكون الممثل العربي الصادق لدوره، وفي مشهد كانت كل الأنظار تتجه إلى أحداث تلك القمة التي حسمها خادم الحرمين الشريفين بموقف نادر في تاريخها..
من الصعب التكهن بنتائج هذه القمة، إذ تعامل معها بعض الزعماء بإرسال وفد متدن، وآخر تعوّد أن لا يحضرها، وثالث وجد أن محطة الجزيرة القطرية نموذج لخلق ردود الأفعال السلبية، ومع ذلك هناك مساحة من التفاؤل تقود المصالحات بالطريق للاتجاه الآخر الذي يفترض أن نقيم دعاوانا على أنفسنا في فض المنازعات بصراحة أكثر لأن الملفات معقدة تجاه فلسطين والسودان، والعراق والصومال وغيرها، وتشابك العلاقات مع إيران..وعملية السلام مع إسرائيل، هل يمكن أن تستمر، أو تتوقف بناءً على المتغيّر في حكومتها ووصول الأكثر تطرفاً من أحزابها اليمينية للسلطة؟
وإذا كانت الدوحة تجتهد، وتحاول الإثارة حتى في اجتماعات عربية، أو مصالحات وطرح اتفاقات، فهي ربما، ومن وجهة نظرها، ترى أن ما تطرحه سليم ويكسر المعتاد، لكن من يدرك الحساسيات بأن تصريحاً في جريدة، أو مقابلة مع مسؤول تقلب النتائج، بقطع العلاقات وإغلاق الحدود، يدرك أن هذه الأمة لم تنشأ أزماتها من اليوم أو الأمس القريب، بل من عقود متراكمة أسست لخلق توافق مستحيل، وهي القاعدة العامة التي اعتدناها طيلة نصف قرن..
صحيح أن التفاؤل يسود بأن نصلح الشأن العربي، وأنه بدلاً من لعن الجامعة العربية، التي هي مخلوق بجينات الجميع من المحيط إلى الخليج، أن نعيدها كبرلمان جامع لهذه الأمة لكن بشروط دعمها بدلاً من لومها والتسفيه بآرائها، وهي التي يرتبط نجاحها وفشلها بكل مَن تمثلهم..
الأمر الثاني أنه إذا كانت النوايا لا تزال حسنة، فمن المنطق أن نتحاور داخل أي دولة مضيفة بأن نبحث لماذا نختلف، وكيف لا نتفق؟.. وهل المدان والبريء في التنصل من الواجبات القومية يتساويان في الواجب وضده؟ أم أن (البروتوكولات) العربية تبقى في حالة تيه طويل بمعنى أن خلق المشاكل والعراقيل جزء من مكوّن نفسي وثقافي، بأن نتهرب من المواجهة في خلق الخصومات والتذرع بها بإلحاقها بالآخر؟
عموماً من يفهم المسيرة المعقدة لهذه الأمة يفهم أن الإصلاح أكثر صعوبة من الاختلاف وتلك هي المآزق التي أعلنت الثقة المفقودة بكل ما يجري داخل وخارج هذه الأمة..




















