هذا الانفلات العنصري الابرتهايدي الارهابي المجنون الذي تابعناه في الأسبوع الماضى في أم الفحم الفلسطينية لم يكن عفويا أو لمرة واحدة أو بمبادرة انفرادية من أقطاب اليمين الصهيوني المتشدد مارزيل وبن غفير وغيرهما، بل كان انقضاضا عنصريا فاشيا برعاية سلطوية كاملة وبحماية قوات الأمن الإسرائيلية، بل «أن قادة اليمين المتطرف قرروا تنظيم مسيرات مماثلة في مدن عربية أخرى، كما أعلن عن النية لتشكيل طواقم خاصة لمتابعة القرى والمدن العربية، لإصدار تقارير منتظمة تتابع ما أسموه «البناء غير القانوني والتماثل مع منظمات إرهابية».
وذلك ليس عبثا ـ فهم كمؤسسة وأحزاب وتنظيمات وهيئات صهيونية مختلفة تعمل على مدار الساعة من أجل تهويد الزمان والمكان الفلسطيني تهويدا شاملا، ويعتمدون في ذلك «سياسات التطهير العرقي» التي لم يتوقفوا عنها منذ احتلال واغتصاب فلسطين.فالذي يجري هناك في فلسطين المحتلة 48 يحمل كل هذه المعاني بتداعياتها المختلفة.
وفي ظل هذا المشهد الصراعي قررت لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية داخل فلسطين/48، إحياء الذكرى الثالثة والثلاثين ليوم الأرض الفلسطيني، تحت عنوان «لا للعنصرية»، وذلك إزاء تنامي التطرف وسفور وجه العنصرية الإسرائيلية التي باتت تحظى بكامل الشرعية في الخارطة السياسية الإسرائيلية وأصبحت في مركزها بعد أن كانت قبل سنوات على هامشها.
في هذا الصدد تحديدا كشف تقرير أعده «مركز مساواة» ارتفاع حالات التمييز ضد العرب في داخل الكيان الإسرائيلي خلال عام 2008 بنسبة 150%، ويشير التقرير الذي عرض خلال مؤتمر مكافحة العنصرية عقد في مدينة عكا بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة العنصرية إلى» تصاعد حالات التمييز من 166 حالة عام 2007 إلى حوالي 270 حالة في2009».
وقال د. جمال زحالقة «إن هذا السفور يسهل علينا محاربة العنصرية، وأن ما يسمى باليسار ليس أقل عنصرية من نتنياهو وليبرمان، ولكن الأخيرين لا يخفيانها بمساحيق تجميل، مما يسهل علينا تعريتها وفضحها».
وقال عوض عبد الفتاح «للتوضيح.. ليس ليبرمان هو الخطر إنما المؤسسة الإسرائيلية برمتها يسارًا ويمينًا هي مؤسسة معادية وعنصرية ضد العرب وحقوقهم وكيانهم القومي».
تعود بنا هذه الأحداث والتصريحات إلى الوراء قليلا لنقرأ:في عكا المحتلة تحديدا ـ كان رئيس بلدية عكا شمعون لانكري ـ أعلن في خطاب تحريضي ضد عرب المدينة التي كانت عربية خالصة قبل قيام دولتهم: «من يرفع رأسه سنقطعها، المدينة ستبقى لنا إلى أبد الآبدين«، مضيفا: «عكا كانت لنا، وستبقى لنا إلى أبد الآبدين، لن نسمح لأحد أن يمس هذه المدينة، هناك أناس يريدون تخريبها، ولكن نحن لن نسمح لهم«.
ودافيد أزولاي من حزب شاس يعززه قائلا: «أحداث يوم الغفران عززت المدينة، وعمقتها في الوعي اليهودي، لن نتوقف عن تهويد عكا».
وقائد هيئة الأركان الأسبق للجيش الإسرائيلي موشيه يعلون يقول: «إنه ليست هناك فرصة للتعايش بين «الشعبين» العربي واليهودي»، مشيرا في مؤتمر نظمته في مستوطنة نهلال داخل أراضي 48 ما تسمى «اللجنة لمتابعة تحقيق قيم الصهيونية في أرض «إسرائيل» إلى «عدم إيمانه بالسلام بين العرب واليهود وبحياة الشراكة بينهما».
وحول عكا أيضا ـ صرح رئيس المدرسة الدينية في عكا الحاخام «يوسي شطيرن» قائلا: «التعايش هو شعار، في خاتمة المطاف عكا هي مدينة مثل رعنانا وكفار سابا وحيفا، ويجب الحفاظ على هويتها اليهودية… نحن هنا للحفاظ على الهوية اليهودية ولتقوية الروح ولاجتياز الامتحان القومي بشرف».
ومن عكا إلى يافا ـ التهويد يلاحق أهلنا هناك، فلم تتوقف عملية التصعيد الارهابي الترانسفيري ضد أهل يافا الصامدين أبدا، فوسط تخوف من امتداد موجة الاعتداءات العنصرية من مدينة عكا إلى مدينة يافا، فوجئ أهالي مدينة يافا بشعارات عنصرية حاقدة على الجدران تتضمن «الموت للعرب».
بالإضافة إلى شتائم وكلمات عنصرية نابية ضد العرب، وأوضحت تقارير فلسطينية «أن هذه الشعارات تركزت في حي النزهة ( شدروت يروشلايم) الذي تقطنه غالبية عربية في المدينة، ولم يستبعد شهود عيان محليون أن تكون هناك شعارات أخرى في مناطق أخرى من مدينة يافا».
وقبل ذلك ـ كانت «استغاثت عائلات فلسطينية في مدينة يافا المحتلة عام 1948 لإنقاذها من خطة إسرائيلية تقضي بطردهم من منازلهم البالغ عددها 400 منزل تاريخي، في مسعى لمواصلة تهويد المدينة العربية».
وفي السياق ذاته رفعت مجموعة من المتطرفين الصهاينة ذروة نشاطها العنصري ضد العرب في الجليل عبر جمعية جديدة تطلق على نفسها اسم «الصهيونية المتجددة»، وهذه الجمعية وبحسب المسؤول عنها، ميخائيل عوفاديا، أقيمت بمبادرة مائة يهودي يميني وجندت خمسة آلاف متطرف جديد في صفوفها وتسعى حالياً إلى تجنيد مائة ألف، ومن ثم، بحسب عوفاديا، وتعمل تحت عنوان «العرب في الجليل خطر على مستقبل اليهود» و«لا تنازل عن إسرائيل الكبرى».
يتعمق الباحث الاسرائيلي ميرون بنفنستي في هآرتس في إلقاء الضوء على الخلفيات الحقيقية للأحداث العنصرية في أم الفحم وعكا ويافا وباقي المدن الفلسطينية أكثر من غيره، فيقول: «إن هذا التوتر المحلي ـ البلدي يزيده حدة بعدٌ قومي شمولي آخر يتجاوز حدود المدينة ذاتها، وهذا الأمر يشتق في إسرائيل من الصراع الشامل الإسرائيلي ـ الفلسطيني».
إذن ـ هكذا هي الأمور وهذه هي الحقيقة الساطعة، فنحن ما زلنا حتى اليوم في فضاءات ذكرى النكبة واغتصاب الوطن وذكرى يوم الأرض.
فالأصل فيما يجري في أم الفحم وعكا ويافا وكل مدن فلسطين 48 إنما هو ذلك الصراع السياسي السيادي الوطني الوجودي الكامن تحت الرماد بل وفوق الرماد في معظم المراحل الزمنية، فالمعركة ـ إذن ـ على المدن الفلسطينية التاريخية، وعلى الهوية والمسميات وعلى كافة الملفات الفلسطينية التي تسعى دولة الاحتلال إلى شطبها بالكامل.
كاتب فلسطيني
nawafzaru@yahoo.com
"البيان"




















