المستقبل –
تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية يبدو واعداً لجهة تأثيره على العلاقات الدولية، فالأشهر المعدودة منذ تفجرها جاءت حافلة بالكثير من التحولات الجذرية في السياسات الخارجية للعديد من الدول وخاصة الكبرى منها، الامر الذي ادى الى عودة الحياة الى الحركة الدبلوماسية على كافة المستويات بين الدول الكبرى، لتلمس طريق الخروج من الازمة، التي فرضت على الجميع اعادة النظر في اولوياتهم، ان لم يكن التراجع عنها، كما املت النقاش بشأن ضرورة ايجاد مؤسسات عالمية لضمان امن النظام العالمي الجديد. بعد فشل نظام القطب الواحد، الذي قام على تقويض المؤسسات الدولية التيميزت مرحلة الحرب الباردة.
كانت روسيا رائدة في الدعوة الى تغيير النظام العالمي الأحادي القطب لمصلحة بناء نظام عالمي جديد، قائم على الشراكة بين لاعبيه الكبار. لذلك جند قادتها حملة واسعة من الانتقادات طالت كافة اوجه السيطرة الاميركية على العالم، وكان ابرزها نهاية العام الماضي على لسان الرئيس الروسي ميدفيدف الذي وجه ولأول مرة، انتقاداته للولايات المتحدة بصفتها الاقتصاد الاكبر في العالم، الذي وضع الاستقرار المالي والاقتصادي العالميين رهن استقراره، بعد ان كان الاهتمام عادة ينصب على النواحي الأمنية فقط ـ توسيع حلف الناتو شرقا، ونشر الدرع الصاروخية الاميركية ـ وهذا ما عبر عنه الرئيس الروسي السابق بوتين بخطابه الشهير من على منبر الناتو في ميونيخ شباط العام 2007.
ساهمت الفورة في اسعار النفط في اغطاء دفع قوي للدعوة الروسية، وعززت فرص النجاح امام القيادة التي تسعى لأن يكون لروسيا دور رئيسي في عملية بناء النظام العالمي الجديد، انطلاقا من الامكانيات الاقتصادية والمالية والعسكرية التي تؤهلها لذلك، وليس انطلاقا من الميول الامبراطورية كما تروج لذلك الدعاية الاميركية. الا ان الصوت العالي لمبادرات التغيير الروسية لم يكن ليلفت الانتباه لدى الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، الا بعد دخول روسيا الحرب ضد جورجيا الصيف الماضي، اذ بالرغم من موقف الدول الغربية المندد بالتدخل الروسي العسكري، وخطر العزلة الدولية الذي لاح في الافق، لم تتوان روسيا عن الاعتراف باستقلال الاقاليم الانفصالية عن جورجيا. للتأكيد للأصدقاء قبل الأعداء على الخروج من الغيبوبة التاريخية التي عاشتها روسيا في العقدين المنصرمين، والدخول في مرحلة جديدة، تختلف عن سابقتها بقدرة روسيا على دفع التهديد بعيداً ليس عن حدودها فقط، بل عن مناطق نفوذها الحيوية، خاصة بعد قطع الطريع امام جورجيا وأوكرانيا الى الناتو، وما يثار من جدل حول فعالية المحطة الثالثة للدرع الصاروخية في بولونيا، وامكانية تأجيل بتها.
الأزمة الاقتصادية التي طالت الجميع بددت الكثير من الآمال لدى القيادة الروسية في تحقيق اهدافها، لكنها في الوقت عينه منحت روسيا فرصة نادرة لتثبيت وجودها في عالم ما بعد الأزمة، كأحد تُنفذ الكبار، بعد ان دفعت الأطراف الدولية الى تغيير سياستها، والانفتاح على روسيا، انطلاقا من ادراكهم لأهمية الدور الذي يمكن ان تلعبه روسيا في معالجة القضايا العالمية، بغض النظر عن القضايا الخلافية بينهما، فالأشهر الأولى من العام الجاري، حفلت بالمتغيرات على هذا الصعيد، فاذا بالناتو يبادر الى اعادة الاعتبار لمجلس روسيا ـ الناتو بعد تجميده اثر الحرب في القوقاز، واذ بقادته يعلنون عن اهتمامهم بالمبادرة التي اطلقها الرئيس الروسي خلال المؤتمر الدولي اللسياسة العالمية الذي انعقد مطلع تشرين الأول الماضي، حول النظام الأمني الجديد لأوروبا، الذي يقوم على ارساء مبادئ اساسية للأمن والعلاقات بين دول المنطقة تتمحور حول: عدم اللجوء الى استعمال القوة، او التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية، ضمان الأمن بالتساوي لجميع الأطراف المعنية، عدم اعطاء اي دولة او منظمة دولية الحق الحصري في ضمان امن واستقرار أوروبا، وضع معايير لمراقبة التسلح، وعلى الرغم من ان المبادرة تفترض مشاركة الولايات المتحدة وكندا، الا انها تفترض ايضا الحد من قدرة الولايات المتحدة على احتكار الأمن الأوروبي.
واذ بالادارة الاميركية الجديدة تطرح المبادرة تلو الأخرى، في اشارة الى عزمها على تطبيع العلاقات مع روسيا والانطلاق بها نحو مرحلة جديدة من التعاون المتبادل، على الرغم من محاولة موسكو ابتزاز واشنطن من خلال الضغط الذي مارسته لاغلاق قاعدة مناس العسكرية في قيرغيزيا بوجه قوات الناتو، ورفضها الربط بين الملف النووي الايراني والدرع الصاروخية.
كما ان الانفتاح على روسيا لم يقتصر على النواحي العسكرية فقط، وتجاوزه الى النواحي المالية والاقتصادية، من خلال دعوة روسيا للمشاركة في نادي دول النخبة الاقتصادية السبعة بعد توسيعه الى عشرين. وبغض النظر عن تواضع حجم الاقتصاد الروسي، ومجدودية تاثيره بالمقارنة مع مع الاقتصاد الياباني او الصيني، الا انها تملك الكثير من وسائل التأثير لمنع الاميركيين من تحقيق اهدافهم اذا ما تجاهلوا موقف روسيا.
من هنا وانطلاقا من قناعة الطرفين للمكانة المهمة التي تحتلها روسيا في اطار معالجة قضايا عالمية مثل منع انتشار اسلحة الدمار الشامل ومحاربة الارهاب، والتلوث البيئي، وأمن الطاقة العالمي، وهي قضايا تتجاوز العلاقات الثنائية بين الطرفين، فان التساؤل يبدو مشروعا عن استعداد واشنطن المضي قدما في اعتمادها لسياسة الانفتاح في حال لم تحقق تقدما يذكر على طريق الحل لملفات كل من ايران وافغانستان والشرق الأوسط.




















