هيئة تحرير الشام ليست القاعدة، لكنها ما تزال نظامًا استبداديًا لا يُستهان به

عروة عجوب/ ترجمة أحمد عيشة

قبل الكشف عن هويته الحقيقية، وإعلان قطع علاقاته بتنظيم القاعدة في تموز/ يوليو 2016، حرص أبو محمد الجولاني، أمير جهة النصرة “الفاتح”، على التأكد من التحدّث بثقةٍ، عندما كان يُسأل عن علاقته بتنظيم القاعدة. وكان يرتدي زيًا تقليديًا متواضعًا من الأزياء الشامية، مظهرًا إحساسه بالانتماء والزهد المحليين. ولكن الأمور تغيّرت منذ ذلك الحين؛ إذ أصبح الانتماء إلى تنظيم القاعدة عبئًا، وقد غيّر “الفاتح” لقبه إلى مجرد “قائد”، وبدأ يرتدي بدلة رسمية على النمط الغربي. في الأول من حزيران/ يونيو، أصدرت (بي بي إس) فرونت لاين (PBS Frontline) فيلمًا وثائقيًا بعنوان “الجهادي“، يتضمن مقابلة أجراها الصحفي الأميركي، مارتن سميث، مع الجولاني، قائد هيئة تحرير الشام الحالي، الذي “فتح قلبه” متحدثًا عن الماضي والحاضر وعن مستقبل جماعته [1].

أحيت المقابلة مسألة: هل ينبغي على المجتمع الدولي أن يصدّق مزاعم الجولاني، بخصوص تحوّل جماعته من الجهادية العالمية إلى التركيز المحلي، وإنكاره للادعاءات المتعلقة بالتعذيب في سجونها، أم لا. تجادل هذه المقالة بأنّ تحول هيئة تحرير الشام وانفصالها عن القاعدة هو أمرٌ حقيقي، ويجب الضغط على الجولاني لتقاسم السلطة على إدلب، وتخفيف قبضة جماعته الاستبدادية، التي تسبب مظالم سوف تدفع -على المدى الطويل- السكان المحليين إلى أيدي الجماعات المتطرفة، مثل داعش والقاعدة.

الجولاني الزعيم الزئبقي والبراغماتي

خلال الصراع السوري، قام القائد البالغ من العمر 40 عامًا، المعروف بسياسته الواقعية والبراغماتية، بتغيير ولائه مرتين، للحفاظ على سلطته. في نيسان/ أبريل 2013 و2016 على التوالي، نكث الجولاني بيعته أو يمين ولائه لأميره السابق أبو بكر البغدادي، (داعش) وأيمن الظواهري (القاعدة) [2]. وفي عالَم الجهاديين، البيعة عقدٌ ملزم بين الحاكم والمحكوم، ينصّ على التزامات متبادلة. وإذا لم يرتكب الحاكم خطيئة، فينبغي ضمان الطاعة والاعتراف بحكمه. ويُعدّ نكث البيعة خطيئة كبيرة، لأنه يضعف الأمّة، من خلال تقويض زعامتها وتشتيت صفوفها. ومع ذلك، فإن غريزة البقاء على قيد الحياة، والطموح السياسي، والجوع للسلطة، تتفوق أحيانًا على الأيديولوجية في تشكيل السلوك الجهادي [3].

أثناء حديثه مع سميث، بدا الجولاني غير مرتاح لمناقشة ماضيه المتطرف مع صحفي غربي. في مقابلاته السابقة، مع قناة الجزيرة في كانون الأول/ ديسمبر 2013 وأيار/ مايو 2015، لم يُخفِ الجولاني اعتزازه بانتماء جماعته إلى القاعدة [4]، إلى جانب الفصائل الإسلامية المسلحة الأخرى، مثل أحرار الشام، ونور الدين الزنكي [5]. وبمرور الوقت، تم إخضاع كل هذه الفصائل تحت سيطرة هيئة تحرير الشام أو استيعابهم ضمنها لتعزيز سيطرتها على إدلب.

على عكس قتالها مع فصائل جيش الفتح، فإن معركة هيئة تحرير الشام مع القاعدة هي لعبة ذات محصلة صفرية، بسبب طبيعة القاعدة التي لا تساوم، وبحث الجولاني المحموم عن الشرعية السياسية، وهو ما دفعه إلى تبني موقف أكثر تطرفًا تجاه رفاق الأمس. منذ حزيران/ يونيو 2020، فككت هيئة تحرير الشام غرفة العمليات العسكرية للقاعدة (فاثبتوا)، بقتل واحتجاز كثير من كبار قادتها وإغلاق قواعدهم العسكرية [6]. وبالفعل، فإن أكثر من 20 من القادة والقادة الميدانيين لتنظيم حرّاس الدين (فرع تنظيم القاعدة في سورية)، ومعظمهم مطلوبون للتحالف الدولي، مسجونون في السجون غير الرسمية لهيئة تحرير الشام [7]. وعلاوة على ذلك، أصبح من الصعب إنكار تورط هيئة تحرير الشام في مقتل كبار قادة تنظيم حراس الدين، من قبل قادة التحالف الدولي، مثل أبو القسام الأردني وأبو محمد السوداني، آخذين في الحسبان إجراءاتهم الأمنية المشددة، وادعاءات الجولاني المتكررة بـ “احتواء” تنظيم حرّاس الدين.

وعلى الرغم من أنّ تنظيم القاعدة ما يزال موجودًا في إدلب، فإن وجودَه هناك ضئيل. حتى إن عملية القاعدة الأخيرة، في كانون الأول/ ديسمبر 2020، نُفِّذت ضد القوات الروسية في جنوب الحسكة، من خارج إدلب[8].  وإنّ الادعاء بأن هيئة تحرير الشام (التي تضمّ أكثر من 12 ألف مقاتل) لا تزال تابعة للقاعدة إنما يروّج لروايةٍ أمنيةٍ، تحوّل إدلب، التي أصبحت موطنًا لأكثر من (3,5) مليون مدني، إلى هدف مبرر للتحالف الدولي، ويبرر أيضًا قصف النظام السوري وروسيا لإدلب، بذريعة محاربة القاعدة.

حكم هيئة تحرير الشام في إدلب

في حين يمكن النظر إلى الحملات القمعية الدورية التي تشنها هيئة تحرير الشام، ضد تنظيمي القاعدة وداعش في إدلب، على أنها علامات على حُسن النية مقدّمة للمجتمع الدولي، فإن هذه الإجراءات تعمل إلى حد كبير على ترسيخ حكمها، من خلال القضاء على أعدائها اللدودين وسحق الأصوات المعارضة المحلية، وهو ما يجعلها لا تختلف عن غيرها من الأنظمة الاستبدادية. ومن المرجح أن يؤدي النهج القمعي والإقصائي للجماعة في إدلب إلى تفاقم حالة التطرّف، حيث تقوم الهيئة بتهميش واستبعاد وقمع كثيرين، ممن لم يقتنعوا بالضرورة بأيديولوجية داعش والقاعدة، فيضطرّ هؤلاء -بسبب المظالم والعداء المشترك للجولاني- إلى الانضمام إلى هذه الجماعات. في الآونة الأخيرة، كسر الصحفي الأميركي، بلال عبد الكريم، الذي أمضى أكثر من ستة أشهر، في حبس انفرادي لهيئة تحرير الشام، صمته وفضح إنكار الجولاني لانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها جماعته، ووجود السجون التي تديرها جماعته [9].

تخضع إدلب -رسميًا- لإدارة “حكومة الإنقاذ”، التي تضمّ تكنوقراط، غير منتمين بالضرورة إلى هيئة تحرير الشام، لكن أولئك الموجودين في الحكومة بحاجة إلى أن تباركهم قيادتها. ويخضع قطاعا الاقتصاد والأمن، على وجه الخصوص، للمراقبة الدقيقة من قيادة هيئة تحرير الشام. من خلال المحسوبين على الجولاني، تحتكر هيئة تحرير الشام اقتصاد إدلب، حيث تسيطر على معبر (باب الهوى) وعلى القطاع المصرفي والنفط والاتصالات. وقد خلص تقريرٌ حديثٌ نشره مركز العمليات والسياسات إلى أنه “بدلًا من أن تتحمّل الهيئة مسؤولية إدارة الاقتصاد، أوكلت المهمّة إلى حكومة الإنقاذ، لتكتسب بذلك غطاءً قانونيًا وإداريًا”[10].

الأمن هو قطاع آخر تسيطر عليه هيئة تحرير الشام بإحكام، حيث إنه يمكّن الجولاني من إثبات حكمه ومنع الانقلاب عليه، من خلال مراقبة الخلافات وضبط العلاقات بين دوائر السلطة الداخلية. هناك ثلاثة فصائل رئيسة داخل هيئة تحرير الشام: أولئك الذين يتمتعون بحسٍ عالٍ من البراغماتية بقيادة الجولاني نفسه؛ وأولئك الذين لديهم مصلحة ثابتة مستمرة في هيمنة هيئة تحرير الشام؛ وفصيل أقلية أيديولوجي تم تهميشه من قبل الجولاني وأنصاره. وعلى حد تعبير صحفي محليّ، “الجولاني هو صمام الأمان للتيارات المختلفة ضمن هيئة تحرير الشام، التي تتنافس باستمرار على السلطة والمال”. في زمن جبهة النصرة، كانت الأيديولوجية السلفية الجهادية هي التي جمعت كل هؤلاء الرجال معًا. اليوم، يبدو الاستقرار في المنطقة هشًا، ويعتمد اعتمادًا أساسيًا على شخصية الجولاني، الذي يستمر أعداؤه في الازدياد.

الطريق إلى الأمام

في مقابلة أجريت حديثًا، قام جيمس جيفري، سفير الولايات المتحدة السابق في العراق وتركيا، بتشبيه علاقة واشنطن بقوات سوريا الديمقراطية بعلاقة أنقرة مع هيئة تحرير الشام [11]. من هذا المنظور، فإن التعامل مع الجماعات الإرهابية المصنفة، مثل هيئة تحرير الشام، يكون ضروريًّا لتأمين المنطقة والحفاظ على استقرارها وتنسيق إيصال المساعدات. ولكن في الأمد البعيد، يعمل هذا النوع من التفاهم على تقويض السياسات المستدامة لمكافحة الإرهاب، حيث يخاطر باستدامة حكم الجولاني الاستبدادي على إدلب. وإذا ما ساد الوضع الراهن، وهو أمرٌ مرجح، فإن إدلب -كما يبدو- تتجه نحو سيناريو أشبه بسيناريو غزة، حيث يكون الجولاني معزولًا، ولكن معززًا، مثل قيادة حماس.

لتجنب مثل هذه النتيجة، يجب على أنقرة، التي اكتسبت نفوذًا عسكريًا واقتصاديًا كبيرًا في إدلب، منذ اتفاق 5 آذار/ مارس مع موسكو، الضغط على هيئة تحرير الشام، لقبول اتفاق لتقاسم السلطة. سعت تركيا طوال العامين الماضيين إلى توحيد الفصائل العسكرية العاملة في إدلب والمناطق الأخرى في منطقة النفوذ التركية، تحت هيئة عسكرية واحدة تُعرف باسم المجلس العسكري. لكن المحاولة في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 لجمع أكبر ثلاثة فصائل في هذه المناطق، وهي هيئة تحرير الشام، وأحرار الشام، وفيلق الشام، باءت بالفشل بسبب مكائد الجولاني [12]. وقام الجولاني بتدبير “انقلاب داخلي” داخل حركة أحرار الشام، للتأكد أن ممثلها في المجلس العسكري يتماشى مع توجهاته بشكل وثيق، لا مع مصالح الفصائل الأخرى. أظهرت هذه الحلقة أن فكرة تقاسم السلطة تبدو عاملًا مهدِدًا بالنسبة إلى هيئة تحرير الشام، وإلى المدى الذي ستذهب إليه قيادتها لتجنب ذلك.

يمكن أن يكون اتفاق تقاسم السلطة حلًا قابلًا للتطبيق لمعضلة إدلب، لأنه سيضعف هيمنة هيئة تحرير الشام على المنطقة وحكومة الإنقاذ أيضًا، ويعالج مصالح وشكاوى الجهات المحلية الأخرى، ويضمن أن مَن كان يُدعى “الفاتح”، ذات يوم، لن يحكم إلى الأبد.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز ومواقفه من القضايا المطروحة

اسم المقال الأصلي HTS is not al-Qaeda, but it is still an authoritarian regime to be reckoned with
الكاتب عروة عجوب، Orwa Ajjoub
مكان النشر وتاريخه مرصد الشرق الأوسط، MEI، 24/6/2021
رابط المقال https://bit.ly/3dsIr8u
عدد الكلمات 1490
ترجمة وحدة الترجمة/ أحمد عيشة

[1] – مارتن سميث، “الجهادي”، PBS Frontline، حزيران/ يونيو 2021، https://to.pbs.org/3A98ACW

[2] – للحصول على وصف تفصيلي لتطور جبهة النصرة، انظر تشارلز ليستر، جبهة النصرة، معهد بروكينغز (2016)، https://brook.gs/3jqwzaW

[3] – للحصول على تحليل تاريخي للبيعة وتطورها عبر التاريخ الإسلامي، انظر عروة عجوب، “بعد موت البغدادي، لماذا قدّم مقاتلو الدولة الإسلامية تعهدًا لقائدهم الجديد؟” https://bit.ly/3y4YvVL

[4] – تيسير علوني، لقاء اليوم، أبو محمد الجولاني، كانون الأول/ ديسمبر 2013، https://bit.ly/3jp8tgx

; وأحمد منصور، بلا حدود. مقابلة مع أبو محمد الجولاني. أيار/ مايو 2015، https://bit.ly/3w1oEDn

[5] – كان جيش الفتح مركز قيادة مشترك للفصائل الإسلامية السورية المسلحة التي نجت بين عامي 2015 و2017. للمزيد انظر، فلاديمير فان ويلجنبرغ ، “صعود جيش الفتح في شمال سورية”، مؤسسة جيمس تاون، 2015، https://bit.ly/3x4jPdV

[6] – لمزيد من المعلومات حول صراع هيئة تحرير الشام مع تنظيم حراس الدين، انظر عروة عجوب، هيئة تحرير الشام والقاعدة في سورية، “التوفيق بين المتضامنين”، معهد الشرق الأوسط، تموز/ يوليو 2020، https://bit.ly/3x4fWpb

[7] – ومنهم أبو عبد الرحمن المكي، وأبو حمزة الدرعاوي، وأبو يحيى الجزائري، وأبو ذر المصري، وأبو عبد الله السوري. آرون زيلين، “غوانتانامو إدلب”: مقاتلون أجانب في سجون هيئة تحرير الشام، “الجهادية السورية، حزيران/ يونيو 2021، https://bit.ly/3hjm6eu

[8] – وليد النوفل، “باستهداف قاعدة روسية في الرقة، حراس الدين يوجه رسالة متعددة الأوجه”، 6 كانون الثاني/ يناير 2021، https://bit.ly/3AavGJm

[9] – “بلال عبد الكريم يخرج عن صمته على احتجاز هيئة تحرير الشام في سورية”، ميدل إيست آي، 4 حزيران/ يونيو 2021، https://bit.ly/3wZyGWZ

[10] – نسرين الزاراعى، كرم شعار، “اقتصاديات هيئة تحرير الشام”، مركز العمليات والسياسات، حزيران/ يونيو 2021، https://bit.ly/2UQDDmQ

[11] -مارتن سميث، مقابلة مع جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق في العراق وتركيا، PBS Frontline، حزيران/ يونيو 2021،  https://to.pbs.org/3hj5CTO

[12]https://bit.ly/3h5Fc8U

“مركز حرمون للدراسات المعاصرة”
Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

سبتمبر 2021
س د ن ث أرب خ ج
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930  

Welcome Back!

Login to your account below

Create New Account!

Fill the forms below to register

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.