شكّلت زيارة رئيس الوزراء العراقيّ علي فالح الزيديّ يوم الأربعاء لدمشق تحوّلاً سياسيّاً لافتاً في العلاقة بين البلدين، وهي الأولى لرئيس حكومة عراقيّة لدمشق منذ سقوط نظام الأسد. إذ تنفتح بغداد على سلطة الرئيس أحمد الشرع، بعدما قاتلت فصائل عراقيّة إلى جانب نظام بشّار الأسد لمنع وصولها إلى الحكم. ويضع هذا التحوّل “الحشد الشعبيّ” أمام اختبار التعاون مع خصوم الأمس، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة بغداد على تقديم مصالحها السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة على حسابات طهران وحلفائها.
الخطوة الأولى بعد زيارة الزيديّ هي استعداد العراق الذي خرجت منه فصائل مسلّحة للقتال إلى جانب الأسد، لإرسال وفد أمنيّ رفيع إلى دمشق، يضمّ ممثّلين عن “الحشد الشعبيّ”، للتعاون مع السلطة التي قاتلت تلك الفصائل لمنع وصولها إلى الحكم. وبالتوازي، تبرز محاولة عراقيّة لتوسيع هامش القرار السياسيّ والاقتصاديّ بعيداً عن الحسابات الإيرانيّة، من دون أن تعني القطيعة مع طهران أو إنهاء نفوذ حلفائها في الداخل العراقيّ.
يشكّل الملفّ الأمنيّ الاختبار الأكثر حساسيّة للانفتاح العراقيّ على دمشق، مع التحضير لزيارة وفد يضمّ وزير الدفاع وممثّلين عن الأجهزة الأمنيّة و”الحشد الشعبيّ”، الذي شاركت بعض فصائله في الحرب السوريّة دفاعاً عن نظام الأسد.
تكمن المفارقة في أنّ قوى ارتبط بعضها بالنظام السابق قد تجد نفسها أمام تعاون مؤسّسيّ مع السلطة التي خلفته، بعدما كانت العلاقة بين الطرفين محكومة بالمواجهة العسكريّة. غير أنّ هذا التحوّل لا يعني تبدّلاً تلقائيّاً في مواقف جميع الفصائل، ولا يلغي التعقيدات التي قد ترافق الانتقال من الخصومة إلى التعاون.
الخطوة الأولى بعد زيارة الزيديّ هي استعداد العراق الذي خرجت منه فصائل مسلّحة للقتال إلى جانب الأسد، لإرسال وفد أمنيّ رفيع إلى دمشق
يكتسب معبر القائم–البوكمال أهميّة خاصّة، بعدما شكّل جزءاً من شبكة الربط البرّيّ التي استفادت منها فصائل مرتبطة بإيران بين العراق وسوريا ولبنان. ولذلك تسعى دمشق إلى ضبط حدودها الشرقيّة ومنع استخدامها مصدراً للتهديد، فيما تحتاج بغداد إلى تعاون سوريّ في مكافحة تنظيم “داعش” والتهريب، من دون تحويل هذا التعاون إلى مواجهة داخليّة مع الفصائل.
أين تقف إيران؟
لا تعني زيارة الزيديّ خروج العراق من دائرة النفوذ الإيرانيّ، لكنّها تكشف محاولة لتوسيع هامش قراره في منطقة تبدّلت موازينها بعد سقوط الأسد. وتكتسب بُعداً إقليميّاً إضافيّاً لكونها جاءت في سياق جولة شملت السعوديّة والأردن، بما يعكس توجّه بغداد إلى توسيع شبكة علاقاتها مع محيطها العربيّ. وتعتقد مصادر مراقبة لـ”أساس” أنّ المصالح الاقتصاديّة قد تساعد على تجاوز بعض العقبات السياسيّة، وخصوصاً الحسابات الإيرانيّة التي لا تتطابق بالضرورة مع أولويّات بغداد ودمشق.
العراق يحتاج إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتوسيع علاقاته التجاريّة، فيما تحتاج سوريا إلى الاستثمارات والاستقرار، ما يمنح الطرفين مصلحة مشتركة في تطوير العلاقات وضبط الخلافات، من دون افتراض انتهاء نفوذ الفصائل أو تراجع دور طهران. وتبرز هنا قدرة بغداد على الموازنة بين مصالحها المباشرة وعلاقاتها مع إيران، بما يسمح لها بالانفتاح على دمشق الجديدة من دون الدخول في صدام مع القوى العراقيّة المرتبطة بالمرحلة السابقة.

من حماية المقامات إلى مصالحة دمشق
لا يمكن فصل هذه التحوّلات عن التاريخ المعقّد للعلاقة بين البلدين. وبحسب معلومات “أساس”، طلب الزيديّ زيارة مقام السيّدة زينب، فجاء الاقتراح السوريّ بأن تشمل الزيارة الجامع الأمويّ أيضاً، برفقة وزير الخارجيّة أسعد الشيبانيّ. ولم يكن الجمع بين الموقعين تفصيلاً بروتوكوليّاً، بل حمل رسالة لتجاوز الانقسام الذي طبع سنوات الحرب، خصوصاً أنّ السلطة التي قاتلت الفصائل العراقيّة لمنع وصولها إلى الحكم باتت تستقبل زوّار المقام الذي اتّخذت من حمايته مبرّراً “وهمياً” لمشاركتها العسكريّة.
لا تعني زيارة الزيديّ خروج العراق من دائرة النفوذ الإيرانيّ، لكنّها تكشف محاولة لتوسيع هامش قراره في منطقة تبدّلت موازينها بعد سقوط الأسد
تعزّزت الرسالة بإعلان الزيديّ تبرّعه بعشرة ملايين دولار من حسابه الشخصيّ، موزّعة بالتساوي بين الموقعين، فيما تناولت المحادثات تشكيل لجنة لتنظيم زيارات العراقيّين وضمان أمنهم، بما ينقل هذا الملفّ الحسّاس إلى إطار مؤسّسيّ.
أظهر الزيديّ جرأة سياسيّة في تجاوز التحفّظات العراقيّة على الشرع، وإن بقي نجاح انفتاحه مرهوناً بمواقف القوى السياسيّة والمسلّحة المرتبطة بالمرحلة السابقة.
لم تقتصر رسائل التقارب على الزيارة الرسميّة، بل سبقتها مقابلة أجراها الشرع مع قناة “دجلة” العراقيّة، في توقيت يحمل دلالة سياسيّة تتجاوز الظهور الإعلاميّ. فمخاطبة الجمهور العراقيّ مباشرة، عشيّة استقبال رئيس حكومته، تعكس محاولة لتهيئة الرأي العامّ لعلاقة جديدة، بعدما ظلّت صورة القيادة السوريّة موضع انقسام في العراق.
المصالح تتقدّم على الخلافات
إذا كانت زيارة المقامات قد حملت الرسالة الرمزيّة الأبرز، فإنّ الاقتصاد شكّل، بحسب معلومات “أساس”، المحرّك الأساسيّ للزيارة، في ظلّ حاجة العراق إلى منافذ إضافيّة لتصدير النفط، وحاجة سوريا إلى استثمارات لإعادة تأهيل بنيتها التحتيّة واستعادة دورها ممرّاً إقليميّاً للطاقة والتجارة.
في مقدَّم المشاريع المطروحة إحياء الممرّ النفطيّ العراقيّ نحو ميناء بانياس السوريّ، الذي يعود تاريخ خطّه الأصليّ إلى عام 1952، وتوقّف عن العمل منذ عام 2003. وكان البلدان قد وقّعا في تمّوز الماضي مذكّرتَي تفاهم في واشنطن، إحداهما للتعاون في إعادة تأهيل خطّ حديثة–بانياس، والثانية مع تحالف دوليّ يضمّ شركة “شيفرون” الأميركيّة لإعداد الدراسات الفنّيّة والماليّة للمشروع.
تناولت محادثات دمشق تصدير النفط العراقيّ عبر بانياس بطاقة مستهدفة تصل إلى مليونَي برميل يوميّاً، ما يمنح بغداد منفذاً إضافيّاً إلى البحر المتوسّط ويخفّف اعتمادها على طرق التصدير الجنوبيّة، فيما يتيح لسوريا استعادة دورها في نقل الطاقة. غير أنّ المشروع لا يزال في مرحلة التحضير، ولم يُحسم تمويله أو موعد تشغيله.
العراق يحتاج إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتوسيع علاقاته التجاريّة، فيما تحتاج سوريا إلى الاستثمارات والاستقرار
امتدّت المحادثات إلى زيادة التبادل التجاريّ وتطوير التعاون الزراعيّ ومشاريع الربط الإقليميّ، فيما تعكس مشاركة تحالف يضمّ شركة أميركيّة في المشروع النفطيّ دخول المصالح الاقتصاديّة الدوليّة على خطّ العلاقة بين بغداد ودمشق. وأعلنت “سانا” أنّ المحادثات تناولت التحضير لمؤتمر اقتصاديّ يجمع المستثمرين والشركات من البلدين لبحث مشاريع في الطاقة والنقل والزراعة والتجارة، إلى جانب تطوير الممرّات البرّيّة التي تربط العراق بسوريا وتركيا والسعوديّة وميناء الفاو الكبير.
هكذا تتجاوز زيارة الزيديّ بُعدها البروتوكوليّ ورمزيّة الانتقال بين الجامع الأمويّ ومقام السيّدة زينب، لتطرح اختباراً سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً للعلاقة بين البلدين. فبعد مرحلة استُخدمت فيها الجغرافيا والرموز الدينيّة في الصراع، تسعى بغداد ودمشق إلى تحويل الحدود إلى ممرّ للنفط والتجارة، وإحلال التعاون المؤسّسيّ مكان المواجهات السابقة.
- أساس ميديا






















