البيان الختامي الصادر عن القمة العربية الدورية الحادية والعشرين في الدوحة امس يعكس رغبة عربية عامة في تجاوز متاعب الماضي واستشراف آفاق المستقبل الواعي بقضايا العرب المصيرية، وأعطى البيان الانطباع بأن هناك عزماً عربياً على الانطلاق في مسيرة جديدة تتجاوب مع المتغيرات الدولية والاقليمية.
بنود البيان الختامي جاءت في مجملها متفقة الى حد كبير مع رؤية السلطنة التي طرحها صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء الذي شارك في القمة نيابة عن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وهي الرؤية التي تضمنتها الكلمة والتي تعكس الموقف الثابت للسلطنة من القضايا العربية المصيرية وكذلك القضايا الراهنة على المستويين الاقليمي والعالمي. مشيرا سموه الى التحديات التي تفرض نفسها على العرب وبالتالي تستدعي تدارسها برؤية عربية موحدة وصولا الى بلورة موقف موحد منها، من اجل استعادة فعالية الدور العربي وتأثيره في مسار الأحداث.
ويبقى الامتحان الصعب الذي ما زال يلح على العرب لاجتيازه متمثلا في تحقيق اهم جانب في الرؤية المطروحة بكلمة السلطنة امس فيما يتعلق بحسن توظيف القدرات البشرية العربية والكفاءات المتخصصة والتجارب الزاخرة، وانتهاج الجانب العلمي الذي يترجم الجهود العربية الى واقع عملي يأخذ في الحسبان المستجدات الاقليمية والدولية في اطار رؤية شاملة واستراتيجية.
والحقيقة ان هذه الرؤية العلمية ستساعد العرب كثيراً سواء خلال مؤسسة القمة او من خلال كل قنوات العمل العربي المشترك على اختلاف مستوياتها.
والأخذ بهذه النظرة العلمية سيثمر في معالجة كافة الملفات الساخنة في المنطقة العربية بدءا بالقضية الفلسطينية ومروراً بمعالجة الازمة المالية العالمية وانتهاء بالموقف الحازم من المؤامرات التي تستهدف إهانة الشخصية العربية ممثلة في القيادات التي تأخذ على عاتقها حماية التراب الوطني والحيلولة دون تجزئة وتشطير ومن ثم احتلال اجزاء من الوطن العربي الكبير.
وقد اطلت هذه المؤامرة بوضوح من خلال ما سمي بمذكرة توقيف الرئيس السوداني عمر حسن البشير وقد أحسن القادة صنعاً حين ضمنوا بيانهم الختامي بنداً يؤكد رفض القمة للمذكرة كما يؤكد التضامن مع السودان الشقيق في وجه ما يستهدف النيل من سيادته، ولا شك ان كافة نواحي العمل العربي المشترك تتم بالتنسيق مع الامم المتحدة وكافة المؤسسات والهيئات والتجمعات الاقليمية العاملة تحت لوائها التزاماً من العرب بالشرعية الدولية التي لم تنصف قضاياهم حتى الآن ولكنها تستحق الاحترام كإطار تنتظم فيه كل جهود حفظ السلام العالمي.
ويبقى ان التمسك بأصول قضايانا المصيرية والقرارات الدولية الحامية لها هو السبيل الاكثر انجازا ومع هذا التمسك تتضاءل اهمية الوقت الذي يستعجلنا فيه العالم لتسوية هذه القضايا بشيء من التنازل. ذلك مع العلم بأن العرب قدموا تضحيات جسيمة من اجل اعتبار السلام خياراً استراتيجياً، وما زالوا يتمسكون بمبادرة السلام العربية كإطار للحل حتى الآن، بحسب ما ورد في البيان الختامي امس.
لقد نجحت القمة ولا شك في وضع بنود العمل المستقبلي ويبقى ان نجد تطبيقاً على الارض من الآن وحتى القمة الدورية القادمة في ليبيا العام المقبل.




















