المستقبل –
ليست هي المرة الأولى التي يلجأ فيه الفلسطينيون إلى آلة الجرافة ليخوضوا بها حرباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لبلادهم. فقد سبق الحادثة الأخيرة، التي قام بها مرعي سيد ردايدة (5/3/2009)، حادثتان مماثلتان، استعمل فيها الفلسطينيون جرافاتهم ضد الحافلات والسيارات الإسرائيلية. الملاحظ أن الحوادث الثلاث، وقعت في القدس بشقيها الغربي والشرقي، وليس في أي من مدن الضفة الفلسطينية الأخرى. وان الذين قاموا بها لا ينتمون إلى أي من الفصائل الفلسطينية، وأنهم قاموا بها دون تكليف من أحد. ونعتقد أن لهذه الحوادث معانيها المتعددة ولها دلالاتها الغنية المتوجب على الحالة السياسية الفلسطينية قراءتها بإمعان.
فالفلسطينيون في القدس الغربية يعيشون حالة صراع دائم ضد سياسات التهويد للمدينة التي ابتدأت عام 1948 ولم تتوقف حتى اللحظة، وتدلل الدراسات والتقارير أن العديد من الأملاك العربية، خاصة تلك التي تبرز الهوية الفلسطينية العربية للمدينة قد صودرت من أهاليها، وحولت إما إلى مساكن يهود أو مراكز لمؤسسات إسرائيلية رسمية، في تزوير فاقع لماضي المدينة وحاضرها، وباعتبارها جزءاً (مزعوماً) من عاصمة إسرائيل. وتتميز معاناة الفلسطينيين داخل القدس الغربية، في أن هذه المدينة تقع خارج البرنامج الوطني للحالة السياسية الفلسطينية، لأنها تقع خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. إلى ذلك يلاحظ تدني اهتمام الأحزاب العربية داخل إسرائيل بهموم الفلسطينيين من أبناء القدس الغربية وتمركز اهتمامات هذه الأحزاب على مناطق الجليل ومدن الساحل والمثلث والنقب.
وإذا كان يمكن لنا أن نصف حال الفلسطينيين في القدس الغربية بالمأساوي، فإن حال أشقائهم في القدس الشرقية (المحتلة عام 1967) ليس أفضل منهم. فسياسات التهويد والمصادرة على قدم وساق، وقد باتت المدينة محاطة بالمستوطنات من كل جانب، وتؤكد دراسات الخبراء أن خطوة إزالة حي البستان في منطقة سلوان، من شأنها أن تستكمل تطويق القدس القديمة بالحزام الاستيطاني الإسرائيلي، في عملية خلق وقائع عنيدة، ومعقدة، تستبق نتائج المفاوضات مع الفلسطينيين، وتقطع الطريق على أن تكون القدس الشرقية في المستقبل عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة. يزيد من هذه المأساة أن القوى السياسية الفلسطينية لم تستطع حتى الآن أن تتفق على آلية عمل فيما بينها، تبني من خلالها مرجعية سياسية خاصة بهذه المدينة، تضع خطط التصدي لعمليات المصادرة والتهويد، وتصون ما تبقى من عروبة هذه المدينة وانتمائها الفلسطيني. كما يلاحظ في السياق نفسه أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (ومن خلفها السلطة الفلسطينية) تقف عاجزة عن مد يد العون إلى الفلسطينيين المهددين بفقدان منازلهم وأملاكهم، وبالمحصلة مدينتهم المقدسة. وبات واضحاً أن اللجوء إلى الإضرابات الجزئية والشاملة لا يردع الجانب الإسرائيلي، ويدفعه للتراجع عن إجراءاته.
مثل هذا المشهد القاتم لواقع القدس، من شأنه أن يزرع في نفوس سكانها اليأس والغضب والنقمة. علماً أن الأمر لا يطال واحدة من المدن الفلسطينية "غير المميزة"، بقدر ما يطال مدينة "مقدسة" حولها الفلسطينيون إلى رمز يختصر في معانيه كل شبر من أرضهم المحتلة والمغتصبة. وبالتالي عندما يتعرض هذا الرمز إلى ما يتعرض إليه من اعتداءات تطال الأرض، والمباني وكرامات البشر، وحالهم المعنوية، وتاريخهم، ورمز حضارتهم، ودياناتهم، فمن الطبيعي أن يكون الغضب مضاعفاً، وأن يكون الإحساس بالمهانة أعمق. وبالتالي لا يمكن أن نقرأ حوادث الجرافات سوى أنها شكل من أشكال الدفاع المستميت عن المدينة ومكانتها. هو دفاع مستميت لأن من يقدم على اجتياح سيارات الشرطة أو الحافلات بجرافته لابد أن يكون مدركاً أنه سيكون هدفاً لإطلاق النار عليه. خاصة في مدينة يتسلح فيها "المدنيون" اليهود، كما ولو أنهم في حالة حرب مع السكان الفلسطينيين للمدينة.
يمكن لنا أن نستطرد، فنلاحظ، عكس ما أوردنا، أن انتهاك أرييل شارون للمسجد الأقصى في 28/9/2000 أشعل شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية. لكن علينا أن نلاحظ، في السياق نفسه، أن الحالة السياسية الفلسطينية كانت تعيش آنذاك منعطفاً سياسياً مميزاً. فقد استخلصت من مفاوضات كامب ديفيد، التي جرت قبل زيارة شارون الاستفزازية بأسابيع قليلة، أن إسرائيل غير مستعدة لدفع استحقاقات السلام، وأن على الحالة الفلسطينية أن تبحث عن وسيلة "ضغط" تقنع إسرائيل بالاستجابة إلى استحقاقات السلام وشروطه. وعلى هذه القاعدة توحدت الحالة الفلسطينية بكل اتجاهاتها السياسية والفكرية والتقت على ضرورة اللجوء إلى العنف ( بخلفيات متباينة لوظيفة هذا العنف) ضد الاحتلال لفتح مسار سياسي بديل، يوفر للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم كما هي متوافق عليها. لذلك انفجرت الانتفاضة تعبيراً عن نقطة تقاطع التقطت عندها القوى الفلسطينية جميعاً.
ختاماً، يمن القول إن عملية ردايدة، وهي الجولة الثالثة في حرب الجرافات "الفلسطينية ضد الاحتلال، تحمل في طياتها رسالة إلى أطراف الحالة الفلسطينية وإلى العالمين العربي والإسلامي، كلنا أمل أن تكون هذه الرسالة قد وصلت إلى أصحابها.




















