سأضع جانبا "الكلام الكبير" الذي يطلقه العديد من السياسيين اللبنانيين حول الانتخابات النيابية الآتية او "الكلام الكبير" (وغالبا الفارغ) الذي يصرون على اطلاقه في معرض وصف طبيعة "المعركة".
الظاهرة المتفق عليها، بمعزل عن الاختلاف في التوصيف، ان هذه الانتخابات ستجري عمليا في "الدوائر المسيحية" اي في الدوائر ذات الثقل الاقتراعي المسيحي.
عملياً: اي في كل الدوائر التي كانت تشكل جغرافيا "متصرفية لبنان" والتي اقتطع منها التقسيم الفرنسي بعد 1920 مناطق اخضعها اداريا لشمال وجنوب وبقاع لبنان الكبير.
اذاً، هي انتخابات لبنان الصغير. وليس لبنان الكبير اذا اعتبرنا، وهو كذلك، ان النتائج محسومة في المناطق – الطوائف السنية، الشيعية. بل حتى هي انتخابات في "لبنان الاصغر"، وليس فقط الصغير طالما ان الحالة الدرزية، من حيث سيطرة الحزب الواحد العملية على الطائفة، شبيهة بالحالتين الشيعية والسنية، ستجعل دائرتي الشوف وعاليه خارج نطاق المنافسات التي ستجري في دوائر جبل لبنان الاخرى كما في دوائر البترون وزغرتا والكورة في الشمال وزحلة في البقاع وجزين في الجنوب، وهي كلها كما سبقت الاشارة، مناطق كانت جزءا من المتصرفية السابقة لإنشاء دولة "لبنان الكبير".
ما اسميناه بعد نتائج انتخابات عام 2005 بـ"النضوج الفيديرالي للبرلمانية اللبنانية" متواصل اليوم مع هذه السمة التنافسية الخاصة في البيئة المسيحية الغائبة، لا من حيث الشكل بل من حيث النتائج المختلفة عن المناطق غير المسيحية.
هكذا في جبل لبنان الشمالي والدوائر المقتطعة من "المتصرفية" في المحافظات الاخرى، لا تبدو المعركة فقط في "لبنان الاصغر"، بل كأنها بصورة من الصور في لبنان القديم. لبنان ما قبل 1975. قوى ومكونات عائلية وحزبية، مناطقية وجهوية بالمعنى نفسه الذي كانت عليه تشكيلات ما قبل 1975. حتى الاسماء المستجدة التي تشكلت خلال الحرب الاهلية 1975 – 1990 كـ"القوات اللبنانية" او بعد الحرب كـ"التيار الوطني الحر" تبدو زاوية النظر هذه حاملة معها نفس العناصر الامتدادية العابرة للمناطق التي كانت لاحزاب "الكتلة الوطنية" و"الوطنيين الاحرار" و"الكتائب" او ما بقي لها من امتداد او "ذكريات امتداد".
ربما "التيار الوطني الحر" اي حزب ميشال عون هو الوحيد الذي بدا عام 2005 مع النتائج "الكاسحة" التي حصدها يومها وكأنه اقرب الى مشهد الطائفة – الحزب الذي بدا عليه الحزب التقدمي الاشتراكي لدى الدروز و"تيار المستقبل" لدى السنة وتحالف "امل – حزب الله" لدى الشيعة، ولعل اهم ما سنعرفه في الانتخابات الآتية هل لا تزال البيئة المسيحية في "دوائر المتصرفية" مهيأة للتصويت لحزب عابر للمناطق في جبل لبنان التاريخي ام ان التعددية السياسية الانتخابية اصبحت سمة ثابتة لدى البيئة المسيحية؟
تستقر التنافسية المسيحية الانتخابية في المشهد الطوائفي اللبناني وكأنها التفتتية الوحيدة قياسا بـ"وحدة" كل من الدروز والشيعة والسنة. التعابير هنا تحمل "حكم قيمة" سلبياً، اذاً، يجب ان نكون حذرين. فما نصفه بالتفتتية مع شحنته السلبية يتحول هو نفسه الى شحنة ايجابية اذا استخدمنا تعبير الحالة الديموقراطية الوحيدة. ثم ان فكرة "الوحدة"، "وحدة الطائفة" عدا عن كونها فكرة وهمية اذا جرى قياسها عدديا، اي انها فكرة مستحيلة، هي ايضا في النظام الطائفي اللبناني حين يصبح نظام حرب اهلية، فكرة قمعية مورست باشكال دموية بين الحين والآخر.
لكن في الوقت عينه تحمل فكرة الحزب الطائفي الاقوى، مضمونا سوسيولوجيا واقليميا واقتصاديا كما هو الحال الآن عند السنة والشيعة والدروز، او كما هو الأمر مع "الكتائب – القوات" بين 1975 – 1990.
ها نحن اذاً امام لبنانين في هذه الانتخابات:
لبنان القديم في "المتصرفية" باستثناء الشوف وعاليه.
لبنان "الجديد" في المناطق الاخرى!
المفارقة المرتبطة بهذا التوصيف بصورة او بأخرى ان البيئة المسيحية التي تعرض موقعها للضعف، او اصبحت عمليا ضعيفة بمعايير تحولات النظام الطائفي اللبناني هي البيئة التي لا تزال:
1 – لبنان القديم!
2 – تنافسية.
3 – متعددة التعبيرات العائلية والمناطقية والحزبية وحتى "الايديولوجية"، اذاً اكثر ديموقراطية.
بينما البيئة المسلمة التي "تقدمت" مواقعها السلطوية بمعايير النظام الطائفي والذي اصبح نظام تنافس الشيعية السياسية مع السنية السياسية في الديناميكية الداخلية – الاقليمية الراهنة هي بيئة:
1 – لبنان المستجد!
2 – غير تنافسية عموما.
3 – منطفئة التعبيرات العائلية والمناطقية والحزبية وحتى الايديولوجية! (ربما حصلت بعض الاستثناءات النادرة التي لا تغير القاعدة)
من هذا الخليط – ولا يمكن ان يكون دائما ولو كان طويل الامد – يتشكل لبنان السياسي الحالي بحيث سيقرر لبنان الصغير بل لبنان الاصغر اية اكثرية برلمانية سيولد منها برلمان لبنان الكبير، وبالتالي اقليته… في سياق لن يغير جوهريا توازنات الصيغة السياسية التعايشية بين الطائفيات المسيطرة. فعلى هذا الصعيد، الرأي القائل إن الانتخابات الآتية ليست مصيرية، هو رأي واقعي ويحمل الى واقعيته قوة توازنات تصنع البرلمان ولا يصنعها البرلمان، من دون ان يقلل ذلك من جاذبية نتائج الانتخابات لمعرفة بعض المصائر الشخصية – السياسية ذات الطابع المحلي في البيئة المسيحية.
ستستقوي الطائفيتان غير المسيحيتين الرئيسيتان المتصارعتان بنتائج الانتخابات ولكن وجودهما السلطوي لن يتقرر على ضوء النتائج، اعني احداهما استقواء والاخرى استضعافا.
هذا هو نظامنا الطائفي في حالته الراهنة، وهو اذا كان نظاما اثبتت التجربة التاريخية منذ العام 1926 بل 1920 انه يصبح اكثر طائفية منذ ذلك الحين رغم كل المحاولات الاصلاحية، بل رغم المحاولة الوحيدة الجادة وهي المحاولة الشهابية، فهو في الوقت نفسه يثبت انه نظام متغير من حيث توازناته الطائفية.
اذاً، انه نظام اكثر طائفية.
وهو في الوقت نفسه ليس النظام الطائفي نفسه السابق!
وسيأتي يوم في جيل لاحق مَن يحصد تحولات نظام طائفي آخر جديد لان المسألة باتت تتطلب انتظار التغيير على مدى جيل مثلما جاءت القوى الحالية الممسكة بالنظام الطائفي من جهود جيل بكامله ايضا وصل بواسطة تغييرات انظمة وسياسات دول وثورات في المنطقة انعكست وغيرت بنية الطوائف على مدى عقود.
الخلاصة: انها الانتخابات في لبنان المتصرفية. مع فارق بدأ يشير إليه بعض المثقفين الموارنة، شفاهياً على الاقل، وهو أن زمن "المتصرفية" العثماني ثبت أنه زمن صعود الموارنة فيما زمن "المتصرفية" الحالي هو زمن انحدارهم السياسي!؟
( alkadaya@hotmail.com)




















