افتتح المركز الوطني الأول للتدخل المبكر في اللاذقية في الخامس والعشرين من حزيران من السنة الفائتة, وذلك بدعم من وزارة الصحة و مؤسسة كريم رضا سعيد و جمعية البستان الخيرية في خطوة متقدمة لردم الهوة بين الإعاقة و مراكز الكشف المبكر و التأهيل في سورية, في بلد يعاني فيه المعوقون ما قد لا يخطر ببالنا.
والمعوّق هو شخص لديه ضرر أو خلل في أحد أعضاء جسده, هذا الخلل قد يكون جسميا أو حسيا أو نفسيا أو سلوكيا, يبدأ بقصور طبي وينتهي بالإعاقة الاجتماعية, وهذه الحالة تستمر مدى الحياة.
ونتيجة لجهل المجتمع باحتياجات الإعاقة وحقوقها فإن الإعاقة غالبا ما تتحول من إعاقة صحية إلى إعاقة اجتماعية.
السيدة مي أبو غزالة, منسّقة دمج المعوّقين في وزارة التربية السورية, وهي مصابة بشلل الأطفال منذ عمر الثلاث سنوات رغم تلقيها للقاح الشلل, قالت:" لا يوجد قانون يحمي المعوّق ليتمكن من نيل حقوقه, سواء الصحية أو التعليمية أو الاقتصادية أو من حقه في العمل".
الأستاذ شوقي غانم, 25 سنة, يعمل في جمعية التوحد في اللاذقية منذ سنتين, وعمل في جمعيات أخرى للمعوقين منذ أربع سنوات, ماجستير في علم نفس الطفولة, يرى كذلك أن: "جهل المجتمع أمر واقع, وهو عائق كبير في العمل على قضايا الإعاقة".
بشكل أساسي فإن مسؤولية العمل على قضية الإعاقة ملقاة على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, وبعض الوزارات الأخرى كوزارة التربية والصحة, بالإضافة إلى الجمعيات الخاصة بالمعوّقين الناشطة في المجتمع المدني.
الأستاذ شوقي يرى أن "وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل غير داعمة للعمل في مجال الإعاقة".
فيما ترى السيدة أبو غزالة أن "الجهود المبذولة حتى الآن من قبل الوزارات والجمعيات غير كافية, لكن يجب تطويرها للوصول إلى النتيجة المرجوة".
أما السيدة غالية, 40 سنة, ربة منزل, وهي أم لطفلين معوّقين, فهي تلاحظ أن "الجمعيات فقط هي التي تعمل, لأن الجمعيات وحدها تقدم التبرعات, والمساعدات العينية أحيانا, بالإضافة إلى المعالجة الفيزيائية".
تتضمن المشكلات التي يعانيها المعوّق مشكلات صحية, و أخرى اجتماعية, كما تشرح ذلك السيدة أبو غزالة: " في حالات الإعاقة العقلية قد يكون هنالك صرع مدى الحياة, كما أن حالات مثل الضمور العضلي تكون بحاجة لرعاية صحية دائمة, وكل ذلك يؤدي إلى عزلة عن المجتمع".
فيما يقول الأستاذ شوقي "أن المشكلة الأكثر إعاقة هي المشكلة الاجتماعية, فالمجتمع ليس للجميع, حيث أن مبدأ التكافل الاجتماعي غائب, كما أن الوعي في قضية الإعاقة غائب أيضا".
في حالة السيدة غالية, فهي تقول أن "هنالك مشكلة أخرى ظهرت نتيجة لحمل الطفلين الذين ظهرت لديهما إعاقة حركية, دون أن يكون لديهما كرسي يتنقلان به, لقد عانت الأم منذ ما يقارب السنة من آلام في الظهر, ولم يعد بإمكانها حتى أن تعد الطعام لهما".
في كثير من الجمعيات يتم اعتماد التدخل المبكر في التعاطي مع الإعاقة, وخاصة في الجمعيات التي تهتم بالأطفال المعوّقين, أما في المركز الوطني الأول للتدخل المبكر في اللاذقية فيتم اعتماد برنامج "البورتيج" الأميركي كأداة للتدخل المبكر.
الاهتمام بقضايا الإعاقة موجود في اللاذقية, كما في دمشق, وباقي المحافظات الرئيسية بشكل لافت, ومن الجمعيات التي تعنى بالطفولة المبكرة في دمشق, وعلى صعيدين: خيري وتنموي, هنالك كمثال جمعية "نقطة الحليب", التي تم تأسيسها منذ أربعينيات القرن العشرين, بهدف تأمين الحليب لأسر الأطفال المعوقين والأسوياء على حد سواء, مع ملاحظة الارتباط بين الإعاقة والفقر, حيث أن متطلبات الطفل المعوّق تكون أكبر.
تأتي أهمية التدخل المبكر لدى المعوّقين من أن "الفترة الأولى من حياة الطفل هي الفترة التي يكتسب فيها المهارات, ويكون خلالها في مرحلة النمو الجسدي والنفسي, لذلك فإن التدخل المبكر هنا يمنع حدوث التشوهات, وتؤمن حصول أسرة المعوّق على التوعية الملائمة حول كيفية التعامل مع المعوّق بالشكل الأمثل, كما يستهدف تنمية شخصية المعوّق", كما تؤكد السيدة مي أبو غزالة.
ومرة أخرى يؤكد الأستاذ غانم أنه "التدخل المبكر لتأهيل المعوقين تمهيدا لدمجهم, يجب تأهيل المجتمع كي يتقبل فكرة دمج المعوقين فيه".
السيدة غالية لم تتمكن من تأمين تدخل مبكر لحالة طفليها "وذلك بسبب الظروف المادية السيئة, وسفر الأب خارج القطر بحثا عن مورد رزق, تاركا إياها دون عمل أو دخل, أو حتى مأوى"
هنالك مسببات كثيرة للإعاقة في سورية, منها الأمراض الوراثية, كالضمور العضلي, ومنها التشوهات الخلقية, وحوادث السير وسواها, وقد تجتمع عدة مسببات لتعبر عن نفسها في مظهر واحد للإعاقة, كالإعاقة الحركية للأطراف التي تنتج عند الإصابة بشلل الأطفال والشلل الدماغي والضمور العضلي.
في سنة 2004, صدر القانون رقم 34 الخاص بالمعوّقين في سورية, ومما يتضمنه هذا القانون إحداث مجلس أعلى للمعوقين, ينبثق عنه مجالس فرعية في المحافظات, ويرأسه وزير الشؤون الاجتماعية والعمل, ويتضمن كممثلين, معاونو وزارت الصحة والتربية والتعليم العالي والإعلام والثقافة, بالإضافة إلى خبراء في الإعاقة وممثلين عن المعوّقين.
السيدة أبو غزالة ترى أن "الاهتمام الرسمي من خلال القوانين والوزارات بالإعاقة, كما ارتفاع مستوى الوعي حول قضية الإعاقة وحقوق المعوّق, قد ساهم في تنبي قضية الإعاقة من قبل جهات أكثر في المجتمع للمطالبة بحقوق المعوّق", ويؤكد على ذلك الأستاذ شوقي غانم.
الأستاذ غانم يقول أن من يتبنى قضية الإعاقة بشكل جدي في سورية هي السيدة الأولى أسماء الأسد, بالإضافة إلى بعض المتنفّذين وأسر المعوّقين, والجمعيات النشيطة على الأرض, أما الباقي فيعملون في قضية المعوقين كنوع من الـ(بريستيج)".
لا يوجد في سورية إحصائيات حول عدد المعوّقين الحقيقي.
السبب برأي السيدة أبو غزالة يعود إلى "عدم وجود بند خاص بإحصاء المعوّقين في الإحصاء السكاني العام".
ويضيف الأستاذ شوقي غانم إلى ذلك أن "غياب الأرقام و الإحصائيات فيما يخص المعوقين يجعل من الصعوبة تقديم المساعدة لهم من جانب آخر, مما يزيد من تعقيد قضية الإعاقة في سورية".
غالية الآن تكفكف دموعها, وتقول "ولداي رغم كل شيء يكملان دراستهما, بفضل المساعدات من هنا وهناك, الله ما زال معنا".




















