كلام الرئيس أوباما عن عالم يخلو من السلاح النووي، تطور نوعي جديد. تزيد أهميته عندما يعد ببذل الجهود المؤدية، في آخر المطاف، إلى الخلاص التام من هذا السلاح. طبعاً لا يعني ذلك أن تحقيق هذا الحلم بات قاب قوسين. المهم هنا، مقاربته المختلفة؛ التي تقوم على الشمولية، بدلاً من التعامل مع هذا الملف الخطير بالمفرّق وبالاستنساب.
بقدر ما يشير وعده إلى وجوب معالجة هذا الخطر من جذوره، بقدر ما ينطوي على اعتراف ضمني بتناقص القدرة على ضبط انتشار هذا السلاح. الهدف، بحدّ ذاته نبيل، لكن بلوغه لا يحتاج إلى وقت فحسب، بل أساساً إلى ولوج طريقه من المدخل الصحيح؛ مع ما يتطلبه ذلك من خطوات تمهيدية ومقدمات. وعلى رأسها الكف عن سياسة الكيل بمكيالين، في هذا الخصوص.
تعهّد الرئيس بالعمل على تقليص الخطر النووي؛ كبداية لتنظيف العالم منه. أعلن عن عزمه على حمل مجلس الشيوخ على التصديق على معاهدة منع إجراء التجارب النووية، وعقد مؤتمر في واشنطن حول وجوب وقف انتشار المواد الذرية، والسعي لإقامة ما يشبه البنك للطاقة النووية من أجل استخدامها للأغراض السلمية.
وكان الرئيس قد أعلن عن خطة للتوصل إلى عقد اتفاقية خفض في الرؤوس النووية، مع روسيا؛ قبل نهاية العام الجاري. خطابه حول الموضوع إيجابي ومشجّع، لكنه منقوص. تفاصيل الحملة، غائبة. ثم إنه تجاهل، حتى الآن، وعوداً كان قد أعطاها أثناء حملته الانتخابية؛ منها «رفع حالة الاستنفار القصوى للقوة النووية» الأميركية.
ربما من المبكر الحكم على الرئيس الجديد، في هذا الشأن. لكن السوابق مع واشنطن، تدعو إلى التحفظ والريبة. الإدارات الأميركية المتعاقبة، اعتادت الاكتفاء بالوعظ، في الملف النووي. المشكلة أن الواعظ هو نفسه يملك أكبر ترسانة نووية في العالم: حوالي عشرة آلاف رأس، كافية لتدمير الأرض عدة مرات.
ثم إنه الوحيد الذي سبق واستخدم هذا السلاح المدمر. وكان يمكن تفهم كل ذلك، لو أن واشنطن تبنّت سياسة واحدة تجاه كل الآخرين، في هذا الحقل. تطالب الجميع بالابتعاد عن امتلاك النووي، وتغض النظر عمن يتفق امتلاكه له مع حساباتها. الأسوأ أنها وفّرت الحماية لإسرائيل، التي باتت تملك مئتي قنبلة؛ ووقفت ضدّ أية مطالبة لهذه الأخيرة بالانضمام إلى وكالة الطاقة الدولية.
إذا كان أوباما جاداً، عليه الإقلاع عن هذه الازدواجية، كما على إدارته تبني مشروع بجعل صلاحيات وكالة الطاقة إلزامية لكل دول العالم. ومن هنا يمكن البدء بحملة الخلاص التام من هذا السلاح وشروره، مرة وإلى الأبد.




















