– عكا
أود أن أتناول الحكومة الإسرائيلية الجديدة ["حكومة بنيامين نتنياهو الثانية"]، التي تسلمت مهماتها بدءاً من الفاتح من نيسان 2009، لا من زاوية مواقفها السياسية أو مواقفها الاقتصادية – الاجتماعية، وإنما من زاوية بنيتها العامة، وما قد تنطوي عليه من دلالات على مدى استقرارها، في جهة واحدة، وعلى ماهية عمل الكنيست الإسرائيلية كهيئة تشريعية عليا، في جهة أخرى.
إننا عادة ما نغفل عن هذه الدلالات، ونركّز على السياسة العامة للحكومات الإسرائيلية المختلفة، علماً أن هذه الدلالات أيضاً ادت دوراً لا يُستهان به في عدم استقرار تلك الحكومات خلال الأعوام القليلة الفائتة، بصورة تكاد تكون دورية، على الرغم من أن عدم الاستقرار بحد ذاته كان ولا يزال ذا جـوهـر سياسي خالص.
لا بُدّ من الإشارة، بداية، إلى أن طريقة الانتخابات العامة المتبعة في إسرائيل منذ إقامتها [الطريقة النسبية القطرية]، والتي كانت متبعة لدى المستوطنين اليهود أيضًا خلال ما عُرف بـ "فترة الييشوف" [قبل سنة 1948]، قد أدّت، في المحصلة العامة، إلى نشوء منظومة حزبية إسرائيلية متعددة. وتقريباً فقد كان كل برلمان من البرلمانات الإسرائيلية الثماني عشرة، التي تمّ انتخابها إلى الآن، مُشكّلاً من عشرة أحزاب على الأقل. ولم يحدث قطّ أن حظي حزب واحد بأكثرية برلمانية مطلقة تؤهله الانفراد بتأليف حكومة، وعليه فإن الحكومات الإسرائيلية كلها كانت تقوم وتسقط على أساس التحالفات الحزبية.
إن "حكومة نتنياهو الثانية" لا تختلف، من هذه الناحيـة، عن الحكومات الإسرائيلية السابقة كافة. بيد أنها تستند إلى تحالف مؤلف من خمسة أحزاب تحتل مجتمعة تسعة وستين مقعدًا في الكنيست من مجموع مئة وعشرين مقعدًا. وهذه الأحزاب هي: الليكود (27 مقعدًا)؛ "إسرائيل بيتنا" (15)؛ "العمـل" (13)؛ شاس (11)؛ "البيت اليهودي"ز(3). وهناك احتمالات كبيرة لأن ينضم حزب سادس إلى هذا التحالف، وهو حزب "يهدوت هتوراة" الديني المتشدّد، الذي فاز بخمسة مقاعد في الانتخابات الأخيرة.
في الظاهر توحي القاعدة البرلمانية الداعمة لحكومة نتنياهو حتى الآن (69 مقعدًا) بكونها مستقرة نسبياً. وقد سبق أن شهدت إسرائيل تأليف حكومات ارتكزت إلى قاعدة برلمانية مقلصة أكثر. لكن في العمق تبقى هذه القاعدة معرضة للقلاقل والهزات لأسباب سياسية وبنيوية كثيرة، لعل أهمها ما يلي:
أولاً- لقد بات من "الأسرار المفضوحة" أن هذا التحالف قائم على أساس شراكة "ليست طبيعية" وإنما اضطرارية (لأسباب تحيل، عدا عن الدوافع الشخصية المحضة، إلى "مسوغات وطنية" كثيرة في مقدمها تحديات السياسة الإسرائيلية الخارجية ارتباطًا بـ "المشروع النووي الإيراني" وتبدل الإدارة الأميركية). وثمة فجوات إيديولوجية كبيرة بين أقطاب هذا التحالف في ما يتعلق بداية بالمواقف السياسية (حزبا "الليكود" و"إسرائيل بيتنا" يعارضان المفاوضات مع الفلسطينيين تحديدًا وحزب "العمـل" يؤيدهـا)، ومن ثم بقضايا داخلية أخرى على غرار علاقة الدين بالدولة (حزب "إسرائيل بيتنا" علماني تمامًا وحزبـا شاس و"البيت اليهودي" متشددان دينيًا).
ثانيًا- إن وزن الحزب الحاكم- الليكود- في هذا التحالف الخُماسيّ ضئيل للغاية. ومجرّد ذلك يشكل قيداً كبيراً عليه في حال قيامه بأي مسعى ينوي أن يدفع من ورائه مواقف سياسية معينة قدماً، خصوصاً إذا كانت تتضاد مع مواقف أي من أقطاب التحالف. تجدر الإشارة هنا إلى أن "ورقة موقف" في هذا الشأن، صدرت في الآونة الأخيرة عن "المعهد الإسرائيلي للديموقراطية"، أكدت أن واقع تحوّل الحزب الحاكم إلى أقلية في التحالف الحكومي هو ظاهرة جديدة في تاريخ الحكومات الإسرائيلية قاطبة، ولم تُدرس أبعادهـا بصورة معمقة إلى الآن. وقد أعادت بداية هذه الظاهرة إلى أواسط التسعينات من القرن العشرين الفائت. ولدى إضافة مسألة تعدّد الأحزاب المؤلفة للتحالف إلى هذا الواقع تكون المحصلة شبه الحتمية هي تفاقم احتمالات عدم استقرار الحكومة، على خلفية أن إقدام أحد الشركاء الرئيسيين على الاستقالة من الحكومة لأسبابه المخصوصة قد يطيحها مرة واحدة. مثلاً يكفي في الحكومة الإسرائيلية الحالية أن يستقيل واحد من أحزاب "إسرائيل بيتنا" و"العمل" و"شاس" حتى ينفرط عقدها كليًا وتفقد الغالبية البرلمانية التي تضمن بقاءها. وعلاوة على ضآلة وزن الحزب الحاكم فإن هذه التركيبة المعقدة والحساسة تشحذ قدرات الابتزاز لدى الأحزاب على الصعد كافة، وتضيّق حيز المناورة أو حتى المساومة لدى رئيس الحكومة، على شتى المستويات.
ثمة جانب آخر يرتبط بالبنية العامة لحكومة نتنياهو الثانية هو حجمها الكبير، إذ أنها تضم ثلاثين وزيـرًا، وهي ثاني حكومة إسرائيلية تضم هذا العدد المتضخم من الوزراء بعد حكومة أرييل شارون الأولى في سنة 2001. ويرجع ذلك إلى وجود حاجة لإشباع شهوة السلطة والقوة لدى أحزاب التحالف. وبذا تنشأ الظروف التي تتيح توزيع السلطة والقوة من دون مراعاة للمؤهلات والكفاءات، وتبديل الوزراء من دون النظر إلى أدائهم، وإنشاء وزارات ودوائر حكومية من دون اكتراث لمدى الحاجة إليها، وإسقاط حكومات قبل الأوان من دون إقامة أي وزن للمصلحة العامة.
كما أن هذا الحجم الكبير للحكومة يشكل عبئاً شديد الوطأة على مصروفات الميزانية العامة للدولة، التي بدأت تواجه ذيـول الأزمة الاقتصادية العالمية. لكن الأمر الأهم هو أن الوزراء ونوابهم، في معظمهم، هم أعضاء في الكنيست، وبالتالي فإن عدد أعضاء الكنيست الذين سيكونون منشغلين في تسيير أعمال الحكومة، باعتبارها سلطة تنفيذية، هم نحو ثُلث أعضاء السلطة التشريعية. ويعني هذا تقلص عدد أعضاء السلطة الأخيرة الذين سيكونون متفرغين للتشريع ومهمات البرلمان الأخرى، على لجانه الكثيرة. وذلك في وقت لا تنفك فيه المؤشرات الإسرائيلية المتخصصة تنوه بهبوط نسبة الثقة التي يوليها المواطنون لمؤسسات الحكم الإسرائيلية خلال الأعوام القليلة الفائتة، وأساسًا البرلمان والمؤسسة القضائية، كما تنوه بتآكل دور البرلمان في الحياة السياسية الإسرائيلية العامة.
عند هذا الحدّ تجدر الإشارة إلى أنه فور ظهور نتائج الانتخابات العامة [التي جرت في 10 شباط 2009] بدأ في إسرائيل جدل متواتـر بشأن ضرورة تغيير طريقة الانتخابات المتبعة، النسبية القطرية، علّ "الدواء الشافي" لأمراض السياسة الإسرائيلية يكمن في هذا التغيير.
إن السؤال المطروح الآن هو: ما هي احتمالات نجاح المساعي الراهنة الرامية إلى تغيير طريقة الانتخابات الإسرائيلية في بلوغ هدفها؟
بطبيعة الحال ليست هذه أول مرة يطفو فيها موضوع تغيير طريقة الانتخابات على سطح الأجندة الإسرائيلية العامة. وكان ديفيد بن غوريون، أول رئيس حكومة في إسرائيل والمؤسس الفعليّ لها، من أوائل الذين نبهوا إلى الثغرات البنيوية في هذه الطريقة، وعمل شخصيًا من أجل استبدالها. ففي تشرين الأول 1948 بادر إلى استصدار قرار حكومي يؤيد إتباع طريقة انتخابات بحسب نظام الأكثرية، طبقًا للنموذج البريطاني. وقد كان يتخوف من إمكان أن لا تمنح الطريقة النسبية غالبية في الكنيست لأي حزب من الأحزاب وأن تفضي بالتالي إلى فرض نظام ائتلافي مثقل ومعقد، لإدراكه أن هذا الأمر سيؤدي إلى تقويض الاستقرار وإعطاء الأحزاب الصغيرة القدرة على إسقاط الحكومات خدمة لمصالحها الفئوية الضيقة. وعلى الرغم من أن الواقع أثبت في ما بعد صحة شكوك بن غوريون وهواجسه، إلا أن اقتراحاته في هذا الخصوص رفضت جملة وتفصيلا، من قبل الأحزاب الدينية التي تخوفت من فقدان قواعد قوتها ونفوذها في خضم طريقة الانتخاب بالأكثرية. وحاول بن غوريون لاحقًا تغيير طريقة الانتخاب بضع مرات. وانضمت شخصيات سياسية إسرائيلية أخرى إلى هذه المساعي، غير أنها أحبطت كلها بسرعة من قبل الكتل البرلمانية الصغيرة، وفي مقدمها الأحزاب الدينية، التي منحها انضمامها الدائم إلى التحالف الحكومي القدرة على عرقلة وإحباط أي مبادرة تهدف إلى إجراء "إصلاح انتخابي". وفي الوقت الحالي لا يبدي السياسيون في إسرائيل، في معظمهم، حماسة خاصة للنهوض بهذا العبء ودفع ثمنه السياسي، خصوصاً في ضوء كونهم نتاجًا لأكثر من ستين عامًا من إتباع طريقة الانتخابات، المطلوب منهم تغييرها.
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار )
"النهار"




















