الحياة – 08/04/09//
كل خطاب راديكالي أو طهراني عن فلسطين – اليوم – هو أقرب الى فِعل مكابرةٍ نفسي مما هو خيار برنامجي ممكن! يجوز تفهمه، بل حتى التساهل معه، بالمعنى الأول، ما دام فِعلُ الممانعة يحتاج الى سيكولوجيا جماعية غير مُحبطة ولا مهزومة. أما خارج هذه الوظيفة النفسية – في السياسة مثلاً – فهو ينطوي على قدرٍ هائل من الادّعاء لا يناسب موارد القوة التي في حوزتنا، الآن، ولا يستطيع أن يجد معادلاً مادياً فعلياً لألفاظه «الاستراتيجية» الفخمة!
لا يليق بأصحاب هذا الضَّرب من الخطاب – إسلاميين كانوا أو قوميين أو ماركسيين – أن يخدعوا جماهيرهم (إن كان قد بقيَ لهم ما تيسَّر من جماهير) في شأنٍ لا جوز فيه المخادعة، على الأقل هدفاً لصدقية من يتحدثون باسم تلك الجماهير. ذلك أن وضعنا من الانكشاف والعُري بحيث لا يحتمل التزوير، ولا بناء أنساق يوتوبية مستحيلة على هشاشة! نحن في وضعٍ دفاعي: هذا ما نحتاج الى جرأة الجهر به. بل نحن كنا – دائماً – في هذا الوضع الدفاعي منذ الغزوة الصهيونية لفلسطين، ورعاية القوى العظمى لها (بريطانيا، وفرنسا، ثم الولايات المتحدة). كان أقصى طموحنا – قبل ثلث قرن – أن ننجح في مغادرة هذا الموقع الدفاعي نحو موقع أقرب الى تخوم الهجوم. أما اليوم، فإن أعظم ما يستحق الأمل، ان نتطلع الى تصليب حالنا في هذا الموقع الدفاعي، ووقف مسار التدهور فيه، بعد أن عزَّت علينا فرص تحسينه منذ حرب أكتوبر!
هذا هو البند الأول على جدول أعمال الاعتراف المطلوب تقديمه من حركاتنا السياسية الوطنية لجماهيرها وللرأي العام. وهو اعتراف ليس يلغي الحاجة الى صوغ بدائل عملية تنظم الممانعة الدفاعية العربية ضد المشروع الصهيوني، وان تعيينٍ دقيق لنوع الأهداف والمهمات المرحلية المطروحة للإنجاز، وإلا كان ذلك الاعتراف مجرد اسمٍ مستعار للاستقالة السياسية، ولنفض اليد من النهوض بمسؤولية المعركة الوطنية ضد ذلك المشروع!
لا يكتمل ذلك الاعتراف إلا برديفٍ له لم يعد قابلاً للإرجاء تحت أية ذريعة: الاعتراف بفشل المشروع الوطني الفلسطيني، والمشروع القومي العربي، في تقديم معالجة حقيقية للتحدي الصهيوني. لم تكن العِلَّة يوماً في الفكرة الوطنية الفلسطينية، وفي الفكرة القومية العربية، ولا في شرعيتهما، بل في الثقافة السياسية التي ترجمت تلك الفكرة برنامجياً، وفي الأدوات التنظيمية التي نهضت بمهام انفاذ ذلك البرنامج: تستوي في ذلك الأدوات النظامية – السلطوية والأدوات الحزبية – الشعبية! ولكن، إذا كان النقد قد دَرَجَ – في ما مضى – على أن يسلك وجهة وحيدة، هي نقد النظام، وتحميله أوزار الهزائم التي اجترعنا بالجملة والأقساط، فإن النقد المطلوب، اليوم، هو نقد «البدائل» نفسها: «حركة التحرر الوطني»، نقداً يطال العقل، والتنظيم والبرنامج ووسائل الممارسة… الخ. ودون ذلك إنتاج التيه!
سيخيب ظن فلسطينيي «أوسلو» وعرب «مدريد» إن خالوا أن نقد الراديكالية اللفظانية، تجاه قضية فلسطين والصراع العربي – الصهيوني، يُنصفهم أو يصب النتائج في مجرى مسارهم، ذلك أن هذا النقد يقيم – في وعيه – الفيصل الضروري بين الواقعية السياسية وبين الاستسلام للأمر الواقع: الإسرائيلي – الأميركي. وسيشاركهم في ذات الخيبة كل الذين يحاولون حصر منطقة النقد في الجغرافيا السياسية لحركة التحرر الوطني العربية (القومية واليسارية)، لتحصيل عائداته بما يعزز موقعهم الراجح في اللحظة الراهنة، ذلك أن هذا النقد يسري عليهم بمثل ما سرى على سابقتهم، بحسبانهم ورثوا عن حركة التحرر الوطني ثقافتها السياسية وأساليبها الدعوية والتعبوية، ورهاناتها غير الواقعية!
ربما كان من الإنصاف توزيع المسؤوليات بين الأطراف الثلاثة بشكل عادل: قاومت حركة التحرر وفشلت، لم تكن على خطأ، لكنها لم تهتد الى الأسلوب المناسب لتحقيق المطلوب منها. ومثلها تفعل – اليوم – حركة الممانعة الوطنية الإسلامية على ذات الخلل الذي أنتج اخفاق الأولى. أما حركة «السلام»، فهي تعطي العدو بالرضا ما لم يأخذه بالسيف: الاعتراف بشرعية وجوده، وحقه في الأرض، بل حقه في رسم تخوم «حقوقنا»! نعم، دفعنا غالياً ثمن الأوداج المنتفخة بعباراتٍ نارية أعلى من قامتنا. لكننا ندفع اليوم فاتورةً أفدح عن الرؤوس المنحنية التي لا ترى عيونها – في الانحناء – مشهد العبيد المتوَّج على عرش هزيمتنا وتفاهة واقعية أهزَم من هُزِم منّا!
لن يبدأ التفكير في قضية فلسطين، والصراع العربي – الصهيوني، من فرصة النصر القادم ولا من فرضية الهزيمة الناجزة، بل من فرضية الممانعة الممكنة. نحن لا نستطيع إزالة «إسرائيل»، لكننا لا نقبل إزالة أنفسنا وحقوقنا. بينهما منطقة ينبغي أن نجتهد في العمل فيها: الدفاع الإيجابي، الذي لا يدَّعي ولا يُسَلّم.
* كاتب مغربي.




















