المستقبل –
قد تكون مسألة "الهويّة" من أكثر المسائل صعوبة في تحديدها تحديداً موضوعياً وشاملاً. إذ ان تحديدها يتقاطع مع حقول معرفية عدة: الفلسفة، وعلم النفس، والسياسة، والتاريخ، والانتروبولوجيا، وغيرها.
لذلك، فلا عجب، من جهة، أن يبقى التساؤل حول الهويّة تساؤلاً حاضراً في ذهن ووعي الأفراد والجماعات. ولا عجب، من جهة أخرى، ألا تتطابق آراء جماعة واحدة أحياناً حول تحديد هويّتها.
ذلك ان الهويّة، بطبيعتها، لا تكون جوهراً قائماً، ثابتاً، محدّد المعالم والقسمات، إنها حقيقة، لكنها حقيقة جدلية.
فما هو الثابت وما هو المتحوّل في هويّة شعب ما؟ ما هو الأساسي وما هو الثانوي؟
لربما ان الشعوب التي لها تاريخ حضاري عريق، تعاني أكثر من غيرها، أزمة الهويّة، لتعاقب الثقافات والانجازات الحضارية. وكذلك الأمر بالنسبة للأقوام التي تتعدد فيها الأديان والمذاهب والاثنيات.
وكما ان الهويّة ليست جوهراً ثابتاً فهي ايضاً ليست كائناً ماورائياً، بل انها تساؤل مستمر، وبناء مستمر، إنها بنية يعاد بناؤها باستمرار. وهي ليست حالة بل هي سياق، فللهويّة بمعناها الواسع هي بناء عقلي وشعوري يسمح للفرد أن "يرتّب" عالمه. ولما كان توازن هذا العالم مهدداً، فلا بد من مجموعة أفكار وأحاسيس تقيم جسراً بين نزعات الفرد أو رغباته وخصائص الجماعة أو متطلباتها. الهويّة تتشكل بفعل الولادة واللغة والأرض والدين والقيم الاجتماعية، وهي تصبح مشاركة حميمية، ذاتية، لمصير جماعي. الشعور بالهويّة يستبطن أفراحاً وأتراحاً آتية من الماضي أو مسقطة على المستقبل وحوادث تاريخية أو تصورات لها، ماثلة في الذاكرة. وهو يتضمن أخيراً، تماهياً مع شخصيات أو رموز.
إنّ أكثر ما يعطل بلورة الوعي الصافي والفعّال في تحديد الهويّة هو انتهاج مسلك الثنائيات الحدّية. فهذه الثنائيات تحجب حقيقة الواقع بحيويته وخاصة بجدليته. الواقع ليس أبداً بياضاً أو سواداً، تفاؤلاً أو تشاؤماً. شراً أو خيراً.
لذلك عندما نحشر أنفسنا بتوصيف الهويّة ضمن محور التراث أو محور الحداثة، وضمن محور الخصوصية أو محور العالمية، فإننا ندخل في مأزق ولا نخرج منه.
ولن نخرج من المأزق إلا إذا اعتمدنا المنهج الجدلي.
الموقف الجدلي يفترض موقفاً نقدياً. والنقد لا يعني الانتقاد. بل هو موقف مساءلة مستمرة، وإعادة نظر، وتقييم وإعادة تقييم، واختيار وإعادة اختيار، إنه حركة دائمة، وتفاعل بنّاء، وتحوّل حضاري.
هل ممكن أن يتوحّد العالم ويتجانس كلياً، وبالتالي تصبح الهويّات نسخة طبق الأصل الواحدة عن الأخرى.
هنا أستعير تحديداً لمفهوم الثقافة وعلاقتها بالحضارة، من الكاتب الفرنسي سيرج لاتوش.
وهكذا نجد ان آليات التحضّر وقوانين السوق وطرقات الإعلام توحّد البشر، فيما تفرقهم التراثات والهويّات الثقافية. إذن تجمعهم أمكنتهم الحضارية، بقدر ما تفرّقهم أزمنتهم الثقافية. ولعل هذا هو الفرق بين الحضارة والثقافة.
فالحضارة تحيل إلى المكان والحاضرة، أما الثقافة فتحيل إلى الزمان والذاكرة. والحضارة تقنية وأداة، فيما الثقافة قيمة ومعيار. والحضارة سوق ومبادلة يغلب فيها الإنتاج المادي، أما الثقافة فهي إنتاج للرموز والنصوص، والحضارة تنتج المجانسة والمشاكلة، في حين ان الثقافة تخلق التنوّع والغنى والفرادة. من هنا الحاجة إلى إقامة التوازن بين آليات التحضّر وإبداعات الثقافة. فليس المطلوب حضارة مسطحة تجفّ فيها منابع المعنى. وفي المقابل ليس المطلوب ثقافة فردانية يقيم بها المرء في قوقعته وينعزل عن سواه. لعل المطلوب تجاوز ثنائية النخبة والجمهور على نحو يتيح الموازنة بين الأفكار والوسائط، بين الانتشار الأفقي والنفاذ العمودي، بين النشاط المفهومي والفعل التواصلي. انطلاقاً من هذا التمييز بين الحضارة والثقافة، بين الأداة والقيمة، بين السلعة والفكرة، لا مجال لكي يتوحّد العالم بالكلية. وليس المطلوب أصلاً تشكّل عالم واحد متجانس يتماهى فيه الكل مع الواحد أو يطغى فيه نموذج واحد أو مركز واحد أو اسم واحد. فالإنسان يرتبط بالمكان بقدر ما يضرب بجذوره في الزمان. إنه يجرّ وراءه تواريخه، وتستبد به أطياف الأصل، ويحدوه الحنين إلى البدايات والأزمنة الأولى.
وإذا كان الزمان الالكتروني يوحّد الناس اليوم مكاناً، فالأزمنة التراثية والخبرات الوجودية لا تنتج سوى التباين والتفاوت والتفاضل.
اليوم، نعيش في مناخ ما سمّي بالعولمة. والعولمة عولمات: اقتصادية بشكل رئيسي، وسياسية وثقافية وإعلامية واجتماعية وغير ذلك. ومن نتائج العولمة إنماء ثقافة شمولية تطغى عليها اللغة الانكليزية والقيم الأميركية (الأمركة) وضرب الثقافات والهويّات المحلية وكل ما يشكل عند شعوب ما خصوصية وفرادة.
من هنا نشهد الصراع قائماً في نفوس الذين يتركون شرقهم ويستوطنون الغرب. والصراع يدور خاصة حول طبيعة الهويّة، الهويّة الأصلية والهويّة المكتسبة. وليس بإمكان أحد أن يحسم أمره فيقضي كلياً على هويّة من الهويتين ويستبطن واحدة فقط، بل يظل دائماً يعيش التوتر بين ما كان قائماً فيه ولم يندثر وما اكتسبه وتبنّاه، أو فرض عليه بفعل الضرورة، ضرورة العيش. الهويّة يجب ألا تكون قدراً محتوماً ولا يمكن أن تكون اختياراً تاماً حراً يتحكم فيه الفرد باستقلالية تامة وقدرة جبّارة. الهويّة هي ما كنا عليه وبقينا إلى حد ما عليه وما نحن سائرون إليه.




















