انتهى قبل 20 عاما نظام الحزب الواحد في الجزائر، لكن التعددية لم ترَ النور ابدا. فمنذ 1989 تاريخ انتهاء حكم جبهة التحرير الوطني كحزب حاكم وحيد (وتحديدا منذ 1999 تاريخ آخر انتخابات شارك فيها مرشحون من القامات الوطنية الكبرى ) والانتخابات الرئاسية عبارة عن سباق شكلي محسومة فيه الرئاسة سلفا للمتسابق الاول، وهو عادة مرشح الائتلاف الحاكم. اما المتسابقون الآخرون فمجالهم المتاح ليس كرسي الرئاسة بل التنافس لنيل المرتبة الثانية ليس الا.
لا داعي كي ينتظر الرئيس الحالي ( والسابق) عبد العزيز بوتفليقة ما ستحمله صناديق الاقتراع من ارقام ليل 9 نيسان. فالنتيجة معروفة سلفا. هو الرئيس المقبل، وصاحب الولاية الثالثة. ذلك ان خلفه كل ما يلزم: دعم الائتلاف الحاكم باحزابه الكبرى الثلاثة التي تهيمن على ثلثي مقاعد مجلس الامة، النقابات العمالية، الجمعيات الاهلية، مؤسسة الجيش القوية والفاعلة، اجهزة الامن بكل فروعها، مال السلطة واعلامها، ارث نضالي قديم يجدد ليصرف في زمن الانتخابات. اما المنافسون فلا حول ولا قوة لهم سوى الشكوى من التحيّز السلطوي ضدهم. ومع ذلك هم ماضون في ترشيحهم طمعا بالدعاية ولقب مرشح سابق للرئاسة، ونيل المرتبة الثانية للتباهي بلقب "وصيف الملك بوتفليقة"!
ومن المفارقات ان الحزب الوحيد الحاكم سابقا – اي جبهة التحرير – هو الحزب الرئيسي في الائتلاف الحاكم اليوم الذي يضم ايضا التجمع الوطني المنبثق من الجبهة نفسها، وان بوتفليقة – احد أبرز رموز المرحلة السابقة ورئيس ديبلوماسيتها – هو نفسه رمز المرحلة الحالية واللاحقة، اي انه في آن واحد رمز النظام الشمولي سابقا والنظام التعددي حاليا ولاحقاً. وهكذا عاد الحزب الوحيد الحاكم سابقا بلبوس ائتلاف يضمه و"ابنه" المنبثق طوعا منه، وعادت صيغة التجديد للرئيس بلبوس "انتخابات تعددية ديموقراطية شعبية" يحركها "الحزب الاب" و"الحزب الابن" و"الحزب الصديق" بديلا من صيغة التجديد في المؤتمرات الجبهوية الحزبية، وعاد بوتفليقة – ابرز رموز الحزب الواحد السابق – بصيغة الرئيس المنتخب "ديموقراطيا".
الاستحقاق الانتخابي اذاً، إجراء شكلي لتنصيب رئيس الجمهورية وفق الشكل الدستوري الذي يحلو للجزائريين ان يطلقوا عليه صفة "سباق الارانب"، اي ان الرئيس المقبل معلوم، والمرشحون الآخرون ليسوا سوى "ارانب سباق" لإيهام الجمهور بان التنافس حاد، وبأن المرشح المنتخب فاز بنسبة عالية من الاصوات متقدما بفارق كبير على متنافسين كثر. وعندما تكون الحياة السياسية مبنية على "سباق ارانب"، اي على منافسة وهمية، فان القابضين على زمام السياسة لا يخافون على مستقبلهم السياسي حتى وإن خلت مراكز الاقتراع من الناخبين. وتاليا لا شيء سيمنعهم من ترداد "الهراء" السياسي نفسه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والتجديد مرة رابعة او خامسة ما دام ليس هناك احد يحاسب أو يسأل.
واذا كان هذا النموذج الانتخابي ليس حكرا على الجزائر، بعدما بات عرفا في الحياة السياسية العربية عموما، فلماذا لا يصير اتفاق عربي وتوقّع وثيقة على غرار "وثيقة العهد والتضامن" يقرر بموجبها الزعماء مجتمعين الغاء الانتخابات من اساسها، على ان يستعاض عنها بالتجديد التلقائي للرؤساء والنواب، ما دام التغيير – كما في عهد الانظمة الشمولية – لا يحصل الا بانقلاب عسكري من الداخل (على الغرار الموريتاني) او بغزو خارجي (على الغرار العراقي او الصومالي او السوداني مستقبلا)، ولعل بذلك يمكن توفير اموال العملية الانتخابية والحملات الاعلانية المرافقة لها، وتاليا المساهمة – وإن بقدر ضئيل – في تفادي الازمة المالية الكبرى التي بدأت تدق ابواب المنطقة.




















