وليد شقير
طريف هذا السجال في لبنان بين فرقاء سياسيين، حلفاء أو متخاصمين، حول ما إذا كانت الانتخابات النيابية مصيرية أو غير مصيرية، وإذا كانت محطة مفصلية أو محطة عادية، وإذا كانت منطلقاً لمرحلة جديدة أو أنها «ليست نهاية العالم…».
انطلق هذا السجال من رد رئيس البرلمان نبيه بري على قول زعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري ان هذه الانتخابات مصيرية لأن نتيجتها تحدد إذا كانت السلطة الشرعية في لبنان، ستتولى تغطية تحوّله الى ساحة لصراعات اقليمية وأهداف ايرانية، أو أن بقاء الأكثرية لمصلحة قوى 14 آذار سيحول دون أي تغطية لبنانية رسمية لهذا الانغماس اللبناني في الصراع الإقليمي، عبر سلاح «حزب الله» الذي تفوق عدته آفاق دور لبنان وحجمه، وتضخم دوره الى «قوة اقليمية عظمى».
والطريف أن من لا يرون ان الانتخابات مصيرية، من خصوم الحريري، يستخدمون عبارات تعطي معنى قريباً، وإن كانت مختلفة، كالقول مثلاً إنها «مهمة جداً» كما جاء على لسان الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله. أو القول مثلاً إنها لتثبيت الديموقراطية كما قال رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط، وهو إيحاء بأن بديل الديموقراطية هو استخدام السلاح كما حصل في 7 أيار (مايو) 2008. فالمنطق يقول إن الفرق بين الوسائل الديموقراطية وبين السلاح، أكثر من مفصلي ومصيري…
وإذا كان الحريري استخدم التعبير في معرض وصف الحال، وفي سياق تعبئة جمهوره والمترددين الى وجوب الانتصار له ولحلفائه، فإن خصومه يعتبرونها محطة «لتصويب الاختلال في السلطة» الذي تسبب بحالة من «اللااستقرار»، ما يعني أن بقاء الأكثرية على حالها قد يعيد إدخال البلد في فوضى أمنية…
والطريف أيضاً في هذا السجال، ان الفريقين يستخدمان عبارات تحمل معاني تدل على تناقض أقوالهما واضطراب أفكارهما والتشويش الذي يتحكم بتوقعاتهما. وهذا طبيعي، في ظل وضعين، دولي وإقليمي، غير واضحين حتى الآن، وهو يضع لبنان في حال الانتظار، ما دام كل تحوّل داخلي فيه مرتبطاً بتحولات خارجية أيضاً. هكذا يصبح «مهماً جداً» ربط «مصير» سياسات فرقاء محليين بالمشهد الإقليمي… أما كيف نلعب على الكلام في وصف «محطة» الانتخابات في هذا الخضم فمسألة «لا تستأهل» كل هذا التدقيق…
وعدا الارتباك الذي يخفيه السجال حول «مصيرية» الانتخابات اللبنانية على رغم أهميتها القصوى، فإنه يخفي مسائل أخرى يخبئها سواء من يعظّمون من شأنها أم يفتعلون التقليل من تأثيرها، كالآتي:
1 – لم يكن هدف السياسة الاعتراضية التي نشأت ضد الأكثرية (14 آذار)، عبر استخدام الشارع وتعطيل المؤسسات وصولاً لاحتلال بيروت عسكرياً، بعد فشل اقتحام رئاسة الحكومة، إلا إلغاء لنتائج انتخابات 2005، وتسخيف انتخابات 2009 ومحاولة للقول إن عودة الأكثرية لا تغيّر شيئاً. فوسائل إلغاء المفاعيل السياسية لاحتمال عودة الأكثرية أي السلاح والتعطيل ما زالت موجودة. بل ان طيف 7 أيار يظهر حيث يجب قبل الانتخابات، بحوادث هنا وهناك مثلما يحصل حول منزل النائب باسم السبع، ومثلما حصل من تهديدات علنية ازاء ترشح رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في صيدا والحديث عن تداعيات تجرؤ السنيورة على أن يترشح، على مدينة صيدا، في علاقتها مع جوارها. وهو تهديد لمدينة برمتها.
إن التقليل من شأن الانتخابات يتم على لسان من بإمكانهم إلغاء المفاعيل السياسية للانتخابات، أو على لسان الخائفين من ذلك (مثل النائب جنبلاط).
2 – ان تقزيم نتائج الانتخابات جاء بعد أن تغيرت الصورة لدى القوى الإقليمية المعنية بتغيير الأكثرية. فبعدما كانت دمشق (وحلفاؤها) تتحدث بلهجة واثقة قبل 6 أشهر (بعد 7 أيار بأشهر قليلة) عن ان قوى 8 آذار والعماد ميشال عون سينتصرون في صناديق الاقتراع، باتت التوقعات السورية ألا يهزم أي فريق الآخر إلا بأصوات تعد على أقل من أصابع اليد الواحدة بحسب قول مسؤولين كبار في دمشق. وهذا ما دفع الأخيرة والمعارضة الى العودة الى التأكيد على مفاعيل 7 أيار، أي اتفاق الدوحة، وحصول الأقلية على الثلث المعطّل، أياً كانت النتائج.
3 – إن «التوافقات الانتخابية» التي حصلت في الدوحة، والتي شملت انتخاب نائب لـ «حزب الله» في بيروت بأصوات خصومه، والتسليم بعدم تقسيم دوائر مرجعيون – حاصبيا، البقاع الغربي – راشيا، وبعلبك – الهرمل جعل 6 أقضية في 3 دوائر خلافاً لمقياس قانون الانتخاب (القضاء) أفادت منه المعارضة. ولم يتطور الى توافق في الترشيحات في صيدا والبقاع الغربي وعكار وغيرها. وبموازاة ذلك فإن المصالحة العربية وتحديداً السورية – السعودية بقيت عند حدود معينة لم تتناول تقاسم الحصص والسلطة في لبنان. ولهذا أسبابه اللبنانية والإقليمية…
هذا بعض قليل مما يخفيه السجال الطريف على مصيرية الانتخابات.




















