الحياة – 10/04/09//
بعد الخرافة الحياة
سجل ستيفان تسفايغ يأسه من انهيار المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى في «عاملة مكتب البريد» التي بقيت مخطوطة غير مكتملة لدى انتحاره مع زوجته الثانية في البرازيل عام 1942. نشرت أولاً في ألمانيا في 1982، وتصدر للمرة الأولى بالإنكليزية عن «سورت أوف بوكس» في بريطانيا. راجعها مراراً في العقد الأخير من حياته، لكنه تركها معلقة على حافة اليأس التي تأرجح هو عليها طويلاً قبل أن يمسك بيد لوتي ويعبرا معاً.
تمنح بطلة الرواية فرصة القبض على الحلم ثم تحرم منه بقسوة تقارب السادية. كريستين هوفلينر تعمل قي مكتب البريد في قرية نمسوية صغيرة في عشرينات القرن العشرين. فقدت والدها وشقيقها في الحرب، وعاشت مع والدتها المريضة في فقر ذليل. تصلها برقية فجأة من خالتها التي هاجرت الى الولايات المتحدة وتزوجت رجلاً ثرياً. كانت تطوف أوروبا، وطلبت من كريستين موافاتها الى سويسرا فتصل بثيابها البالية وحقيبتها القش. لعب المال دور الجنية الطيبة، وتحولت الشابة أميرة بالمجوهرات والملابس الفخمة. هبط الحرير على جسدها كشلال دافئ، وأحست بالعري من فرط خفته. باتت نجمة الحفلات، وكادت تصطاد عريساً من الطبقة العليا الى أن اكتشف النزلاء أنها ليست كريستين فان بولين الأرستقراطية، بل متطفلة حقيرة على عالمهم. كانت خالتها هجرت النمسا بعدما ارتبطت بعلاقة مع رجل أعمال ثري، ورشتها أسرته بالمال كي تتركه. خشيت انفضاح تاريخها فتخلت عن كريستين التي هبطت بقسوة من الخرافة الى حياة لم تعد تملك فيها ما تخسره.
تتغير الشابة الوديعة، وتحس أن عينيها رُشّتا بالسم وهي نائمة، وأنها باتت يرقانة تدب على الأرض.
تتعرف الى جندي سابق يجد نفسه منفياً بين أبناء وطنه الذين لا يفهمهم، وتلتقيه في فندق حقير تغير عليه الشرطة فيتفاقم ذلّها. يعرض عليها الانتحار معاً فتوافق، ثم يفكر بسرقة المال في مكتب البريد حيث تعمل فتوافق. تدرك ان خطته بلا جدوى أو معنى، لكنها لا تحتمل الامتناع عن فعل شيء ما وسط العدمية الغامرة ومراقبة أيامها الكالحة تتكرر أياماً كالحة.
اشتهر تسفايغ بين الحربين بقصصه القصيرة والسير التي كتبها عن مواطنيه سيغموند فرويد أبي التحليل النفسي، والموسيقي غوستاف مالر، والعالم الهولندي ارازموس. تذكر في سيرته «عالم الأمس» البحبوحة في أسرته الثرية وموهبته التي بزغت باكراً وتجواله في أوروبا حيث وجد أصدقاء كثراً. على بعد أميال قليلة من بيته الفخم في سالزبرغ كان هتلر يشحن الجماهير ليغزو أوروبا. رحل في 1934 الى إنكلترا فالولايات المتحدة فالبرازيل، وشهد الداعية الإنساني المسالم «أكبر هزيمة للعقل» في تاريخ البشرية. عندما بلغته الأنباء عن غرف الغاز، كتب في رسالة الانتحار عن دمار وطنه وبلده الروحي، أوروبا. كان في الواحدة والستين ورأى أن من «الأفضل، وفي الوقت المناسب، إنهاء حياة عنى فيها العمل الأدبي أنقى المسرات، والحرية الشخصية أرقى الخيرات على الأرض».
بين خيانتين
> بعد «النهر السري» الذي نال جائزة الكومنولث ورشح لبوكر، تنهل كيت غرينفيل مجدداً من تاريخ بلادها في «الملازم الأول» الصادر في بريطانيا عن دار كانونغيت. تدعو الروايتان ين ويانغ (السلبي والايجابي في الكون لدى الصينيين) وتسجل في كليهما نقل المحكومين البريطانيين الى نيو ساوث ويلز في أستراليا. بطلها طفل إنكليزي نابغة في الرياضيات يحلم بأن يصبح عالم فلك، وتعلمه الحكومة بمنحة في الأكاديمية البحرية. يكبر ويبقى هامشياً يعصاه التواصل مع الآخرين، ويجد عزاءه في التحديق في السماء. يلتحق بسلاح البحرية، ويبحر في «ريزولوشن» التي يسحقها المتمردون الأميركيون على الحكم البريطاني. يُشنق ضابط متمرد مع البحارة الذين حرضهم ورفضوا الانضمام اليه، فيعرف الملازم الأول أن للكلمات قوة الحياة والموت بصرف النظر عن ترجمتها أفعالاً.
يتجه مع ثمانمئة مجرم الى نيو ساوث ويلز ويبني مرصداً. تفتنه لغة السكان الأصليين فيبدأ بتعلمها. يصادق فتاة ذكية منهم، ويلفته الاستعمار الأبيض المزدوج للأرض واللسان. يكتشف أن أسماء الأشياء لا تتعلق بالكلمات وحدها بل أيضاً بالفسحة بينها. عندما يضطر الى التغلغل في الغابة لاعتقال سكان أصليين يدرك انه لا يستطيع التوفيق بين مبادئه وواجبه، ويواجه خيار خيانة أحدهما. كان عليه أن يجتاز آلاف الأميال ليجد نفسه، لكن التحرر خالط الخسارة في المساومة الخالدة للوجود الإنساني.
أبعد من البندقية
> صمت جف داير أحد عشر عاماً وأتى برواية نالت على غلافها الأخير مديح وليم بويد ومايكل أونداتشي وديفيد ميتشل وزيدي سميث. «جف في البندقية، الموت في فاراناسي» الصادرة عن دار كانونغيت، بريطانيا، بطلها محرر فني يعرف انه متوسط المستوى، رخيص، يُشرى ببضع كؤوس في الحفلات الفنية التي يدعى اليها مع سائر الصحافيين. تكلفه المجلة تغطية بينالي البندقية، لكن تعاطيه الكوكاين يعرقل عمله وإن بنى قاسماً مشتركاً مع لورا الأميركية الجميلة التي تشاركه الجنس والذهول بحماسة مماثلة. يلاحظ جف أنهما لا يذكران إمكان اللقاء بعد زيارة البندقية: «شكل عصري غريب من الحميمية» يجعل الجنس المتحرر أسهل من التساؤل عما اذا كان لقاء آخر سيتبعه. يدور بين الحفلات مخلصاً لكل ما تقدمه، ويحس فجأة انه لم يرتكب خطأ في حياته لأن كل شيء، حتى الأخطاء، أوصلته الى هنا. «أتيت الى البندقية، شاهدت طناً من الفن، ذهبت الى الحفلات، شربت بلا توقف، نطقت هراء ساعات متواصلة وعدت الى لندن بصداع متراكم وكبد متضرر ودفتر ملاحظات خال منها».
يتغير المزاج والصوت في الجزء الثاني الذي يدور في فاراناسي، الهند، حيث يشكو الراوي من القذارة والمتسولين الذين يلوحون بأرجلهم المقطوعة في وجوه المارة. تسحره المدينة وتنفره في الوقت نفسه، وتجذبه الهندوسية: «ديزني أديان العالم(…) الواقعية السحرية من دون أي أثر للحقيقة». عندما يحدق في عيني رجل دين على زاوية الشارع يراه خالياً تماماً من الرغبات التي استعبدته هو. يبدأ بالتحرر منها تدريجاً. تختفي أولاً الرغبة في العودة الى بلاده ثم الجنس فالقراءة. ليس عليه أن يتنكر للعالم. يكفيه أن يفقد الاهتمام ببعض جوانبه. يحلق رأسه ويطلق لحيته، ويكتفي من اللباس بقماش قطن يغطي جسده بين الخصر وأعلى الساقين: «كان عليّ أن أخرج نفسي من المعادلة». بعد المرح في الجزء الأول، يعتمد الغنائية اللائقة بالروحانية الشرقية. طيارات الورق فوق نهر الغانجيز تبدو مثل جمرات تطفو فوق مشعلة، وصوت الكمان كثيف كالليل فوق النهر لا يمكن تمييزه عنه. تنتهي الرواية بهذيان قد يسبق الموت، إذ يمرض الراوي ويسبح في النهر الذي يرى جثة رجل فيه ويهلوس بلا هوادة.
ثلاثة وجوه لدالي
> تتسابق ثلاثة أفلام على تصوير حياة سلفادور دالي الذي اتهم بأنه اهتم بصورته أكثر مما اعتنى بفنه. تعززت الصورة السلبية عندما كتب تاجر فن بلجيكي مذكرات قال فيها ان معظم أعمال الفنان الأخيرة كانت مزورة بمعرفته. تحول هوليوود كتاب ستان لوريسن فيلماً من بطولة آل باتشينو الذي يؤدي دور دالي المسن، وتتوقع أن يثير «دالي وأنا: القصة السوريالية» جدلاً يفوق ذلك الذي قد يواكب الفيلمين الآخرين. يتناول «رماد صغير» دالي المراهق وعلاقته الجنسية الغامضة بالشاعر فريديريكو غارسيا لوركا والسينمائي لوي بونويل، ويؤدي دوره الممثل البريطاني روبرت باتيسون. ويركز «دالي» من بطولة أنطونيو بانديراس وكاثرين زيتا جونز على نجاح الفنان بفعل الجنس والخطيئة والسوريالية، ثم تدهور سمعته من جراء حفلات الجنس الجماعي التي اشترك وزوجته فيها.




















