الحياة – 27/04/09//
اقترح أحد الناشرين العرب على أحد الكتّاب الذين يتبنى أعمالهم، أن يرشحه الى إحدى الجوائز العربية المهمة شرط أن يمنحه نصف المبلغ إذا فاز بالجائزة. وحصل أن فاز هذا الكاتب بالجائزة التي لم يكن يتوقع فوزه بها نظراً الى التنافس الشديد عليها، وعندما تسلّم المبلغ وجد نفسه مضطراً الى تقاسمه مع ناشره، علماً أنه يحتاج إليه تمام الحاجة، هو المتقدّم في السنّ، وقد وجد فيه مكافأة للأعوام الطوال التي أفناها في «مهنة» عاقة هي الترجمة. وقبل أن يقدم على «تسديد» نصف المبلغ للناشر ارتأى أن يستشير بعض أصدقائه ففُضِح الأمر وكانت الفضيحة كبيرة ولو أنها لم تتسرّب الى الإعلام.
فوجئت مترجمة أجنبية يمكن تسميتها «مستشرقة» بضآلة المبلغ الذي تقاضته لترجمتها مختارات من شعر أحد السياسيين الكبار الى اللغة الأجنبية. وعندما تحرّت عن الأمر اكتشفت أنها وقعت ضحية «سمسرة» عرفت كيف تمارسها الناشرة التي عهدت اليها بالمهمة. فالمبلغ الذي تقاضته الناشرة كان يفوق الحسبان، لكنها طبعاً لم تستطع أن تعترض لأنها وقّعت عقداً لا يمكن الإخلال به.
هاتان «الواقعتان» ليستا من نسج الخيال، بل هما حصلتا في الواقع، والأسماء معروفة وكذلك التفاصيل… وقد تكونان مجرّد «نموذجين» عن «الوقائع» التي تحصل في «الكواليس»، كواليس الجوائز وكواليس المشاريع الثقافية وكواليس حركة الترجمة التي تبدو مزدهرة في الآونة الأخيرة. ووقائع مثل هذه ما كانت لتظهر لو لم ينهمر ما سمّي «المال» الثقافي، الأجنبي والعربي، الذي غدا ظاهرة ما زالت تحتاج الى التوقف عندها. ولا يزال هذا «المال» يتدفق على رغم الأزمة المالية التي هزّت العالم أخيراً، ولا أحد يدري إن كان سينضب في الأيام المقبلة.
لقد أوجد هذا «المال» فئة كانت شبه مجهولة سابقاً، فئة من «المقاولين» أو «السماسرة» الجدد الذين يصطادون في «ماء» الثقافة العكر وفي الخفاء، فلا يدري بهم إلا ضحاياهم العاجزون عن الاحتجاج، وبعض المستفيدين الذين لا يضيرهم أن يتقاسموا الغنائم معهم، ولو كانت ضئيلة. يتحرّك هؤلاء مثل «العسس» في الظلام فلا ينتبه لهم أحد، يخططون ويعملون ثم يخرجون الى الضوء بصفتهم رعاة مشاريع أو «منشطين» – كما يُقال – أو أصحاب مبادرات… إنهم يجيدون لعبتهم ويمسكون بخيوطها ويعرفون كيف تؤكل الكتف ومن أين، مثلما يقول المثل. وإن كانوا لا يغفلون ضحاياهم ويمدّونهم بالقليل مما حصدوا فإن المبالغ التي تستقر في جيوبهم ليست بقليلة.
كم من مشاريع كانت شبه وهمية استطاع أصحابها أن يتقاضوا عنها الكثير من المال، من مصادر أجنبية أو عربية، هدفها رعاية الإبداع ومساندة المبدعين… كم من مقترحات كانت حبراً على ورق نجح أصحابها في إيهام تلك المصادر بأنها أعمال تحتاج الى الدعم. كم من مهرجانات أقيمت ظاهراً ولم تكن في الواقع إلا تظاهرات إعلامية ولكن ذات مدخول عالٍ. كم من لقاءات حصلت وهماً أو في «الشكل» وحصل منظموها على ما يملأ جيوبهم. حتى بعض الجوائز لم تخلُ من «السمسرة» ويقال إن محكّمين كانوا يتفقون مع مرشحين لفرض أسمائهم كفائزين، على أن ينعموا عليهم من مال الجائزة.
«سماسرة» أو «مقاولون» جدد بدأوا يظهرون بعد انهمار أول دفقة من «المال» الثقافي. وبعضهم جاء من غربته «الغربية» (وليس من المنفى) حاملاً معه مشاريع لا تحصى وبرامج وجداول وكلّها تدور تحت عنوان «الحوار» بين الشرق والغرب أو بين أوروبا والعالم العربي… كلهم يريدون «الحوار»، كلهم يسعون إليه، كلّهم يطمعون به وبما يدرّ على العالم العربي من «فوائد» جمّة… هذا «الحوار» الذي تتسابق عليه مؤسسات لا تحصى، وبعضها أنشئ لغايات معروفة، هذا «الحوار» الذي يتسابق عليه أفراد أو أشخاص لا علاقة لهم به… هذا «الحوار» أصبح شعاراً خاوياً وفارغاً من كثرة ما نودي به واستغل وتقوضي عليه…
«سماسرة» و «مقاولون» تجدهم في كل مكان، في معارض الكتب، في المهرجانات، في المؤتمرات، يحملون الحقائب والملفات ويدورون بين الحاضرين، يدخلون من هنا ويخرجون من هناك، يظهرون ويغيبون عندما يجب أن يغيبوا. إنهم الصيادون الجدد في «ماء» الثقافة العكر، بل في ماء «المال» الثقافي العكر.




















