• من الصعوبة بمكان تحليل التطور المقارن للنظام الاقتصادي في البلدين بالاستناد فقط الى منطق اقتصادي بحت، اذ ثمّة وقائع واعتبارات تاريخية "عنيدة" وشبه ثابتة تحكمّت بالوجهة العامة للسياسات الاقتصادية التي تعاقبت على اتباعها الدولتان خلال عقود طويلة.
• من أبرز النتائج التي أفضت اليها تلك الوقائع والاعتبارات، أن محصلة حجم ونوع العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد بقيت، على امتداد نحو نصف قرن، أدنى بكثير مما كان يفترضه لها قرب المسافات وتنوع الموارد والقدرات، ناهيك عن تفاوت بنيات الأسعار وفروقاتها، والتي كان في مقدورها أن تغذي، تيارات المبادلات على نطاق أوسع بين البلدين. ويجب أن لا يقلّل من أهمية دلالة هذا الاستنتاج، الافراط المتمادي في الترويج – البريء في معظم الأحيان – للخطاب السائد حول "الأخوة التاريخية" بين البلدين.
• فما تحقّق من تلك العلاقات – تاريخيا – تركّز في حقول محددة دون أخرى، انسجاما مع خريطة "المصالح الواقعية" – المترسخة الجذور – لللاعبين الأساسيين المتعاقبين على الشأنين العام والخاص في البلدين. وهو طاول بشكل أساسي بعض عوامل الانتاج، لا سيما تدفقات اليد العاملة الهامشية والموسمية من سوريا الى لبنان، وكذلك تدفقات الودائع ورؤوس الأموال في الاتجاه نفسه، حيث اضطلع لبنان في فترات محدّدة سابقة بدور"المصرف غير النظامي" الذي يساهم جزئيا في اجتذاب ادخارات السوريين وادارتها وفي تمويل قسم من تجارتهم الخارجية.
• أما مبادلات السلع والخدمات والاستثمارات – التي تنطوي على أثر انمائي أكبر، لجهة توليدها للقيمة المضافة والدخل وفرص العمل المتبادلة في كلا البلدين – فقد ظلّت ذات وزن نسبي محدود، بل محدود جدّا، سواء من حيث حجمها أو من حيث بنيتها الداخلية ودرجة تشابكها القطاعي. وهذا ما تؤكده بصورة جليّة المعطيات الاحصائية الرسمية وغير الرسمية بشأن حجم ونوع تدفقات المبادلات بين البلدين، النظامية منها وغير النظامية. وبغية التوصل الى فهم أفضل لمحدّدات هذا المسار، لا بأس من محاولة استخلاص بعض الوقائع والدروس التي تمخّضت عنها عملية التشكّل التاريخي للبلدين.
1 – نظرة تاريخية عامة
الى محيط بلاد الشام
• تميّز محيط بلاد الشام بكونه ظلّ محكوما، من الوجهة التاريخية، بعلاقة تجاذب وتنابذ بين "أقطاب مدينية" رئيسية وأخرى ثانوية، كانت سبّاقة على نشوء الدولتين، وتركت بصماتها وخصائصها على مسار تشكلهما. و تمثّلت الأقطاب المدينية الأكثر رسوخا حتى أواسط القرن التاسع عشر، في الثنائي المديني السوري الداخلي – أي في دمشق وحلب – ثم الى حدّ معيّن في مدن الساحل اللبناني، مثل صيدا وطرابلس وبنسبة أقل صور. واضطلعت دمشق وحلب على وجه الخصوص، بدورها كمراكز أساسية للتجارة الداخلية في هذا الجزء من العالم العربي، الواقع تحت قبضة السلطنة العثمانية.
• بدءا من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، سجّل الصعود البارز لمدينة بيروت، حيث تسارع نموها الديموغرافي والعمراني ومستوى تجهيزها بالبنى التحتية الأساسية، مع ما رافق ذلك من انتقال متزايد للنخب المهنية والثقافية ورجال الأعمال اليها من مدن المحيط الأخرى، وبخاصة من دمشق. وفي هذه الحقبة بالذات شهد القطاع المصرفي بداية انطلاقته القوية في بيروت، معزّزا ببدء تدفق بعض الشركات ورؤوس الأموال الغربية وبتنامي انفتاح هذه المدينة على التجارة مع الخارج.
• شكّلت السيرورة التاريخية لعملية التنافس / التكامل بين المدن الرئيسية المختلفة، لا سيما ثالوثها الأكثر دينامية، المتمثّل في دمشق وبيروت وحلب، تعبيرا موضوعيا عما كان يجري من تحولات عميقة وبعيدة المدى في هذا المحيط، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية: تطور تقسيم العمل، انطلاقة حركة التمدين، بدء نمو الانتاج الصناعي خصوصا في المدن الداخلية، اتجاه المدن الساحلية، لا سيما بيروت، نحو أنشطة التجارة والخدمات، بروز الانتداب الفرنسي كلاعب أساسي في ادارة المجال السياسي والاقتصادي السوري اللبناني…
• قيام الدولتين ومن ثمّ استقلالهما عن الانتداب الفرنسي في النصف الأول من القرن العشرين، حمل في طيّاته محصلة التفاعلات المتراكمة، المتأتية عن آليات التجاذب والتنابذ بين تلك الأقطاب المدينية المختلفة، التي ظلّت تجمع بينها سوق جمركية واحدة حتى منتصف ذلك القرن. وقد بدا بوضوح في هذه الحقبة أن دمشق وبيروت قد كرّستا موقعهما تباعا كمحورين ثابتين للدولتين الناشئتين، مع تسجيل بيروت مكاسب نسبية سريعة ومهمّة في اطار سيرورة المنافسة بين الأقطاب المدينية المختلفة.
• الانفصال الجمركي بين لبنان وسوريا عام 1950، حسم موضوع التمايز بين مساري البلدين وخياراتهما الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي السياسية. وبرزت معالم هذا التباين على غير صعيد، وبخاصة ازّاء مسائل أساسية من بينها : حجم ونوع الانفتاح على الأسواق الخارجية، درجة حماية الانتاج المحلي، حوافز (أو كوابح) اعادة تموضع رجال الأعمال و"النشاطات الطليعية"، نوع المعادلة بين دور الدولة الاقتصادي ومستوى حرية الأسواق الداخلية، تراتب أولويات النمو على المستوى القطاعي والمناطقي، تباين مضمون ونطاق سياسات اعادة التوزيع، …. وغيرها من المسائل.
• في اختصار، اتجهت الدولة السورية – وبالتالي نظامها الاقتصادي – غداة الانفصال الجمركي، نحو تبنّي سلّة من الأولويات المحكومة في المدى الطويل بالخيارات الأساسية التالية: بناء الدولة المركزية (على أنقاض الدويلات الأربع التي حاول المستعمر الفرنسي انشاءها)؛ ارساء آليات صارمة تحكم الادارة السياسية للمجال السوري؛ التوجّه الحثيث نحو احلال "نخب" اجتماعية جديدة – معظمها ذات أصول ريفية – مكان "نخب" تقليدية ومتوارثة؛ حماية الانتاج الوطني وتوفير مقومات الأمن الغذائي؛ كبح جماح الاستيراد لغرض الاستهلاك، لا سيما استهلاك الطبقة الوسطى؛ توسيع قاعدة الخدمة العامة كجزء من سياسات اعادة التوزيع؛ المراهنة على اكتشاف واستثمار مخزون واعد من النفط والغاز…ومن الواضح أن معظم هذه الخيارات كانت تعكس اتجاها للتمايز او القطع ، ولو جزئيا، مع ما حاول الانتداب الفرنسي فرضه على سوريا من توجهات، وهي قد استندت بصورة عامة الى خطاب سياسي وايديولوجي ذي بعد قومي مسيطر.
• أما في الجانب اللبناني، فقد تبلورت أولويات من نوع آخر، من أبرز عناصرها: تدعيم التوجهات الوظيفية الموروثة من زمن الانتداب الفرنسي؛ المراهنة على تعظيم سياسة الانفتاح على الأسواق الخارجية وعلى الاضطلاع من ثمّ بأدوار وساطة بين تلك الأسواق وأسواق الداخل العربي؛ ادارة (أو بالأحرى "عدم ادارة") المجالين المناطقي والديموغرافي على نحو يخدم تلك التوجهات والمراهنات؛ التركيز على الاستهلاك والنشاط العقاري – المموّل جزئيا عبر التحويلات – كرافعة أساسية للنمو الاقتصادي؛ العمل على الاستفادة من التحولات السياسية والاقتصادية الجارية في المنطقة (ما بين الأربعينات والستينات) لتأكيد دور لبنان كجنة ضريبية ومصرفية وكملاذ ل"الحرية الاقتصادية" في المنطقة؛ التعاطي بشكل موضعي وغير منهجي مع المسألة الاجتماعية، مع ميل ضمني لاعتبار انجاز التقدم الاجتماعي مجرّد ثمرة تلقائية للنمو الاقتصادي الذي تكفله حرية الأسواق؛ …ومن الطبيعي أن لا يتطلب مثل هذه الخيارات غلبة خطاب سياسي في لبنان كالخطاب القومي الغالب في الحالة السورية، بل أنه جرى الترويج لخطاب يدعو، بأشكال متنموعة، الى "الحياد" بين الشرق والغرب.
2 – أبرز المميزات الراهنة
للنظام الاقتصادي في البلدين
• لا تطرح هذه الورقة على نفسها مهمّة الغوص في تفاصيل تطور النظامين الاقتصاديين السوري واللبناني، بل هي تركّز على ما انتهى اليه هذان النظامان في الحقبة الراهنة، من أوجه تقاطع وتقارب وتباين، ومن نقاط قوة ونقاط ضعف، مكتفية باستخلاص عدد من الملاحظات والاستنتاجات، التي يمكن الاستفادة منها مستقبلا، اذا ما أريد ردم الهوّة بين البلدين، ووصل ما انقطع بينهما، تأسيسا لمرحلة من التعاون المثمر والجاد، في مصلحة البلدين والشعبين اللبناني والسوري.
• تنطلق الورقة – في ضوء ما سبق – من أن النظامين شهدا مسارات نمو متمايزة بعد الاستقلال، استكمالا للتوجّهات التي طبعت نمو"الأقطاب المدينية" التي كانت في أساس نشأتهما. فكان أن اعتمد النظام السوري على اقتصاد ذي طابع "تدخلي" انعقدت فيه الغلبة للقطاع العام، بينما اعتمد النظام اللبناني على حرية الأسواق وسيطرة القطاع الخاص والانفتاح المطلق على الخارج. ولم تغيّر الشيء الكثير في هذا الواقع ، تلك الصدمات التي شهدها البلدان على امتداد هذه الفترة، ومن بينها: صدمات الحروب العربية-الاسرائيلية المتكررة، وصدمات الحروب الأهلية اللبنانية المتنقلة، وصدمات الأصوليات المختلفة، اضافة الى صدمات ارتفاع أسعار النفط وتنامي ظاهرة العولمة.
• ان أحد اهمّ أركان أي نظام اقتصادي يتمثّل في دينامية المعطى الديموغرافي. وقد برز تمايز كبير بين البلدين ازّاء ما استجدّ من متغيرات على هذا الصعيد. فغداة الاستقلال – وبالتحديد عام 1946 – شكّل السكان المقيمون في لبنان نحو 40% من اجمالي السكان المقيمين في سوريا، و لكن هذه النسبة انخفضت الى ما دون 20% عام 2007. وثمّة عوامل عدّة من شأنها أن تفسّر هذا التبدّل الجذري في الأوزان الديموغرافية النسبية للبلدين. فقد أنجز لبنان قبل سوريا بأشواط طويلة مرحلة "التحول الديموغرافي"، حيث تراجعت فيه معدلات الخصوبة بصورة جلية (الى 2.2%)، بالمقارنة مع سوريا التي بقيت فيها هذه المعدلات مرتفعة نسبيا (3.2%). وتراجع معدل النمو السكاني في لبنان الى ما دون الواحد في المئة راهنا، مقابل 2.5% في سوريا. ثم إن لبنان قد شكّل منذ عقود طويلة- وبخاصة منذ اندلاع الحرب الأهلية وبقوة اكبر بعدها – مسرحا لهجرات كثيفة الى الخارج، تجاوزت بكثير ما شهدته سوريا نسبيا من هجرات. وقد طاولت الهجرة اللبنانية الصافية الى الخارج منذ عام 1975، نحو 30% من سكان لبنان. وتركّزت الهجرة اللبنانية بنسبة أكبر في صفوف العاملين الشباب، من ذوي الخبرات والمؤهلات العلمية والمهنية العالية، الأمر الذي انطوى على تكلفة باهظة بالنسبة لاقتصاد البلد ولقدراته التنافسية مع جيرانه ومع الخارج، وكذلك بالنسبة للمجتمع اللبناني عموما.
• لكن هذه الهجرة اللبنانية – ذات الكلفة العالية بالنسبة للاقتصاد والمجتمع – اقترنت من جهة ثانية بتدفقات كثيفة للتحويلات المالية التي درج المهاجرون اللبنانيون على ارسالها الى بلدهم الأم، والتي قاربت قيمتها 25% من اجمالي الناتج المحلي (2007)، في مقابل أقل من 5% في الحالة السورية. وهذا ما ساهم في الحدّ من عمق الاختلالات الخارجية في البلد (ميزان المدفوعات، الحساب الجاري، …) وفي تمويل جزء مهم من استهلاك الأسر اللبنانية، وكذلك في تمكين المصارف – عبر توسّع قاعدة ودائعها – من المساهمة الفعّالة في تمويل الدين العام اللبناني وفي مساعدة الدولة اللبنانية على ادارته. ويمكن القول إن وظيفة عائدات الهجرة اللبنانية الى الخارج، تتماثل في جانب منها – على الأقل بالنسبة لمردودها المالي على الاقتصاد عموما – مع الوظيفة التي اضطلعت بها صادرات النفط السوري، مع الملاحظة أن عائدات الهجرة اللبنانية مصدرها العمل وهي تخصّص في معظمها لتمويل أنشطة عقارية – ريعية (اضافة الى استهلاك الأسر وخدمة الدين العام)، بينما عائدات النفط السوري هي عائدات ريعية المصدر، وتذهب في معظمها لتمويل الانفاق العام للدولة السورية، بما في ذلك سياسات اعادة التوزيع. الا أن الاستنتاج يفيد في كلتا الحالتين بأن دور صمّام الأمان – الذي اضطلعت به عائدات الهجرة اللبنانية وصادرات النفط السوري – يبدو الآن على المحك، في ضوء الانخفاض المستقبلي المرجّح في تدفقاتهما، نتيجة أزمة اقتصادات بلدان الخليج من جهة، وميل مصادر النفط السوري نحو النضوب من جهة ثانية.
• أن الاحصاءات المتاحة حول المحاسبة الوطنية في البلدين تشير – بالرغم مما يعتريها من محاذير بسبب تفاوت مستويات الأسعار – الى تزامن العديد من أوجه التقارب والتباين في الاقتصادين السوري واللبناني. فالناتج المحلي الاجمالي في سوريا يزيد (بالدولار الأميركي الجاري) بنسبة 50% عن مثيله في لبنان (2007)، بينما تتجاوز هذه الزيادة معدل الضعفين اذا ما احتسب الناتج المحلي في كلا البلدين بأسعار "تعادل القوة الشرائية". وبصرف النظر عن طريقة احتساب الناتج المحلي، فان نصيب الفرد من هذا الناتج في سوريا يبقى في جميع الأحوال دون نصف مثيله في لبنان، بالنظر الى أن عدد سكان سوريا يزيد عن خمسة أضعاف عدد سكان لبنان. ولعل هذا ما يشكل حافزا لاستمرار هجرة العمالة السورية الى لبنان، خصوصا الموسمية منها وغير الماهرة. من جهة أخرى فان نسبة الاستثمارالى الناتج المحلي تكاد تتساوى راهنا في البلدين، مع تفوق واضح للبنان في ما يخص الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تتجاوز قيمتها المطلقة في هذا البلد سبعة أضعاف مستواها في سوريا، وتتجه في معظمها نحو أنشطة البناء والعقار، التي نادرا ما تلحظ متطلبات البعد الاقتصادي التكاملي بين البلدين.
• واذ يشكل قطاع الخدمات مصدرا لأكثر من ثلاثة أرباع الناتج المحلي في لبنان في مقابل نحو 15% فقط لقطاعي الزراعة والصناعة معا، فان هذا التوزع في سوريا يميل نحو قدر أكبر من التوازن، حيث تكاد هاتان النسبتان تتساويان، مع 52% للزراعة والصناعة و48% للخدمات. وتسود المؤسسات الميكروية والصغيرة في كلا البلدين على نطاق ساحق (المؤسسات الخاصة دون عشرة عمال)، مع حضور نسبي أقوى للمؤسسات الصناعية المتوسطة في سوريا، وتركّز أعلى للمؤسسات التجارية و الخدماتية الكبيرة في لبنان. وفي حين تشكل الودائع المصرفية في لبنان نحو 280% من اجمالي الناتج المحلي، فان هذه النسبة لا تتعدى في سوريا عتبة 65% (2007). ويكاد هذا التفاوت ينطبق أيضا على نسبة أصحاب الحسابات المصرفية من مجموع المقيمين، مما يعكس الفجوة في "عملية التمصرف" بين البلدين. وبالرغم من ارتفاع نصيب الفرد من استهلاك الطاقة الكهربائية في سوريا، فان هذا المعدل يبقى أدنى بنسبة 37% من مستواه في لبنان. وينطبق هذا أيضا على نسبة مستخدمي الانترنيت، بالرغم من أن نسبة المشتركين في شبكة الهاتف الثابت والهاتف الخليوي في سوريا سجلت ارتفاعات مطردة وباتت تتجاوز مثيلها في لبنان (البنك الدولي 2007).
(المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات – بيروت(•) (مؤتمر "العلاقات السورية – اللبنانية" – دمشق – 14/18 نيسان 2009) غداً حلقة اخيرة)




















