المستقبل –
ان لبنان هو من البلدان التي ما زالت تحتفظ بقانون اعدام القاتل وتطبّقه. وعلى الرغم من أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان ينص على "حق كل فرد في الحياة والحرية والأمان على شخصه.. لا يجوز اخضاعه للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة"، لم تذهب الهيئة العامة للأمم المتحدة الى حد منع الدول من تنفيذ عقوبة الاعدام، بل دعت، في القرار الذي اتخذته في 20 كانون الأول 1977، الى تقليص عدد الجرائم التي تعاقب بعقوبة الاعدام".. ثم صدرت، في العام 1991، عن الأمم المتحدة معاهدة عن عقوبة الاعدام اتخذت الطابع الاختياري. وهكذا فإن بلداناً قد ألغت عقوبة الاعدام إلغاء كاملاً، في حين أن بلداناً أخرى لم تلغِ هذه العقوبة، منها لبنان.
إذن نستطيع القول بأن العالم مقسوم الى مجموعتين، واحدة تحتفظ في قوانينها بحق اعدام القاتل، وأخرى تحرّم على ذاتها ممارسة هذا "الحق"… ولكل من المجموعتين حيثياتها…
يقضي القانون اللبناني توقيع رئيس الجمهورية كشرط أساسي لتنفيذ عقوبة الاعدام. وفي تذكير بسيط، فإنه لم ينفذ أي حكم من هذا النوع في عهدي الرئيسين شارل الحلو والياس سركيس. في حين أنها ارتفعت في عهد الرئيس الياس الهراوي الى ما لا يقل عن اربعة عشر حكم اعدام.
من زاوية أخرى أعادت المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري مسألة عقوبة الاعدام الى الواجهة من جديد. وكون عقوبة جرائم الارهاب وفق قانون العقوبات هي الاعدام، كان من الملحّ تعديل النص الجزائي ليتناسب مع القانون الدولي الذي لا يأخذ بهكذا عقوبة، وقد أكد رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة أن لبنان مستعد لإلغاء عقوبة الاعدام بما يتماشى مع القوانين والأصول الخاصة بالمحكمة الدولية.
وكخطوة أولى في هذا المسار، تقدم وزير العدل ابراهيم نجار بمشروع قانون الى مجلس الوزراء يهدف الى إلغاء عقوبة الاعدام واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.
الأهم من ذلك كله التبريرات التي يرتكز عليها مؤيدو تطبيق قانون الاعدام ومعارضوه، فمؤيدو هذا القانون يرتكزون على مبررات عديدة أهمها: حماية الحياة العامة من المجرم المحكوم، وردع المجتمع عن ارتكاب الجرائم. أما معارضو تطبيق قانون الاعدام فإنهم يسوقون لدعم موقفهم هذا حججاً كثيرة، أهمها: ان قتل القاتل لا يشكل حلاً لردع الناس من ارتكاب الجرائم. والبرهان على ذلك ان الدول التي تمارس قانون اعدام القاتل لا تقل فيها حتماً نسبة الجرائم من جراء تلك الممارسة.
على أي حال، الجدل حول هذه المسألة سوف يبقى قائماً. وما يهمنا هو التوقف عند ما هو أبعد من عقوبة القاتل، وبالتحديد عند مسببات جريمة القتل، واسس تحديد مسؤولية القاتل، والوسائل الملائمة والكفيلة بإعادة تأهيل المنحرف والمجرم وبالتالي بحماية المجتمع من العمل الجرمي.
ففي هذا السياق تطرح للتفكير والتأمل المسائل التالية:
معروف، في علم الاجتماع، أن كل المجتمعات تفرز أنواعاً عديدة من "العقوبات" بهدف ضبط السلوك الاجتماعي. والسلوك الاجتماعي المقبول، أو السوي، أو الملزم، تحدده القوانين المكتوبة والرسمية، وأيضاً الأعراف غير المكتوبة والعادات والتقاليد. أما العقوبات التي يمارسها المجتمع بحق الشخص المعتبر "منحرفاً" فهي ايضاً متعددة، منها العقوبات الجسدية والمعنوية والاقتصادية والاجتماعية. وقد يتراوح بعضها من حد الشماتة واللوم والتشهير الى حد حجز الحرية أو ـ في الحد الاقصى ـ الى عقوبة الاعدام. المسألة اذن هي، من جهة نسبية في الزمان والمكان، وهي من جهة أخرى، خاضعة لمبدأ الفعالية. فما الذي يبرر، اليوم، وفي لبنان، تطبيق عقوبة الاعدام؟.
معروف أيضاً أن الأسس التي يبنى عليها تحديد المسؤولية أو الجرم أو الخطيئة، هي ثلاثة: المعرفة والوعي والإرادة الحرة. فبعد ما اكتشفته العلوم الانسانية، وبالأخص علم النفس وعلم الاجتماع، من يستطيع أن يحدد تحديداً صحيحاً وكاملاً، مسؤولية فعلة أي انسان لينزل به العقاب الأقصى، أي ليحرمه حق الحياة وهو حق مقدس لا يملك التصرف به إلا الله وحده؟.
تفيدنا العلوم الانسانية أيضاً ان الانسان الفرد هو ابن بيئته وثمرتها. فلماذا يتحمل الفرد المنحرف وحده تبعة انحرافه ولا يتحملها أيضاً من حمله، بشكل مباشر، أو غير مباشر، الى ذلك الانحراف.
ان منع السلوك المنحرف هو، بدون شك، مسؤولية كبرى تقع على عاتق كل مجتمع. ومن الوسائل المهمة لمنع هذا السلوك هناك وسيلة "الوقاية" بكل أشكالها ومستوياتها واجراءاتها، لكن الأهم من كل ذلك هو القضاء على الظروف والعناصر الاجتماعية والنفسية والجسدية التي قد تدفع بعض الناس الى ارتكاب الجرائم. فمن يحاسب المجتمع فيما هو يحاسب من قد يكون ضحية المجتمع؟ وكيف؟
قد تكون عقوبة السجن من أشد العقوبات التي ينزلها المجتمع بالجاني أو الجانح أو المجرم. فالسجن هو حرمان للحرية. والحرية هي أسمى حق يتمتع به الانسان. فلماذا لا يكون السجن هو العقوبة الأقصى للقاتل؟ واذا أردنا أن يكون السجن رادعاً فعالاً فمن الضروري أن يتحول من وسيلة عقاب الى وسيلة اصلاح، هنا تطرح مسألة وظيفة السجون في اعادة تأهيل المسجونين. وهي مسألة مركزية في عالم اليوم وفي موضوع مكافحة الانحراف والجريمة. وقد تكون هذه المسألة هي المفتاح لإغلاق باب عقوبة الاعدام التي تبدو للبعض ثأراً رسمياً وانتقاماً جماعياً.




















