المستقبل –
للوهلة الأولى قد لا نصدق هذا الكلام ،الذي جاء على لسان المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشيل، الموكل من قبل الإدارة الأميركية بتنشيط عملية السلام المتعثرة، والتي تراوح مكانها بين إسرائيل والفلسطينيين منذ ما يقارب النصف قرن. وقد يصدمنا بالرغم من أننا بتنا نسمع كلاماً مماثلاً في الآونة الأخيرة، صادراً عن الإدارة الأميركية الجديدة، المزمعة على إدخال تغييرات جذرية على السياسة الأميركية الخارجية.
واعتماد سياسة مغايرة للسياسة السابقة، إنما جاء من الحاجة لضرورة نشل صورة الولايات المتحدة من الحضيض، ومن لوثات عدم المصداقية والازدواجية والمراوغة والتفرد والعنجهية والظلامية والعنف، وهي نعوت طاولت صورة الولايات المتحدة كما بات معلوماً عند الجميع، نتيجة سياسة جورج بوش وفريقه من المحافظين الجدد. والذي لم يعد سراً أيضاً أن فريق "صقور البيت الأبيض" هؤلاء، كانوا قد اعتمدوا معياراً واحداُ في استراتيجيتهم الشرق أوسطية، وهو خدمة المصالح الصهيونية أولاً، وسخّروا قدرة ومصداقية الولايات المتحدة كدولة عظمة ورائدة، لخدمة المشروع الإسرائيلي بكل أبعاده، من دون أن تؤرقهم خطورة ارتداد ذلك على صورة وسمعة الولايات المتحدة الأميركية.
ولكن الإدارة الأميركية ماضية في سياستها الجديدة. ولقد أكد مبعوث الأميركي جورج ميتشيل في رام الله بالضفة الغربية وخلال مؤتمر صحافي مشترك عقد نهار الجمعة بتاريخ 17 آذار 2009، مع كبير المفاوضين صائب عريقات، على رغبة الإدارة الأميركية بإكمال المساعي من أجل إحلال السلم في المنطقة. كما أكد على أن الولايات المتحدة "ملتزمة بحل الدولتين، إذ ترى أنه لا يوجد حل سواه للصراع في منطقة الشرق الأوسط. وأسهب ميتشيل في كلامه عن عملية السلام قائلاً :"إن هذا الصراع استمر طويلاً جداً، وأن شعوب المنطقة يجب ألا تنتظر طويلاً حتى ترى السلام يتحقق في منطقتها، وأن السلام هو مصلحة للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وشعوب المنطقة، وإننا نرى أيضاً أنه مصلحة قومية أميركية. وأشار أيضاً إلى أهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه مبادرة السلام العربية أي مبادرة العاهل السعودي، على أن تكون "جزءاً من الجهود للوصول إلى هذا الهدف".
وأن تدرك الولايات المتحدة اليوم أهمية تحقيق السلام العادل والشامل وأبعاده وتداعياته الايجابية على الصعيدين الشرق أوسطي والأميركي أيضاً، وتعمد الى تحقيقه هو بالطبع خير من أن تتخطاه وتغيبه وتبدي عليه مشاكل وأزمات شرق أوسطية أخرى، لأنه وكما سبق وقال الرئيس المصري حسني مبارك لنتنياهو في الاتصال الذي جرى بينهما في السابع من شهر نيسان (ابريل) 2009، "إن القضية الفلسطينية هي المدخل الصحيح لسلام واستقرار المنطقة". بمعنى أن حل القضية الفلسطينية سوف يفتح الطريق أمام باقي المسارات ضمن عملية السلام الشاملة.
المهم أن الولايات المتحدة اليوم باتت تعي خطورة الاستمرار في اعتماد ازدواجية المعايير في تعاطيها مع الأزمات الشرق أوسطية العالقة، والتي ساهمت في الماضي على إبقائها في حال المراوحة، وعلى العلاقات بينها وبين العالم العربي والإسلامي إلى المزيد من التردي والتقهقر.. وأن ترى الإدارة الأميركية أن الأمن القومي الأميركي، مرتبط بتحقيق السلام العادل والشامل، هو حقيقة وليس من باب الترويج لعملية السلام . فكل الحركات والتنظيمات الإرهابية، ومن بينها تلك التي زعزعت أواصر الأمن القومي الاميركي، إنما تكونت ونمت واستقطبت بعض الشرائح الشعبية العربية، على أساس قضية واحدة، وهي إهدار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني المسلم، على يد الصهيونية، المتمثلة بالولايات المتحدة ومن بعدها كل دول الغرب. ولم يكن تحيز الولايات المتحدة لجانب إسرائيل سوى دليل إضافي لتزكية حجة الإرهابيين بالقرب من الطبقات التي تتحرك غرائزياً. فكان لا بد من قطع هذه الحلقة المغلقة في موقع ما، وهذا الموقع هو الكف عن الدعم الأعمى واللامتناهي لإسرائيل. وقد يكون كسر هذه الحلقة المغلقة عن طريق مراجعة السياسة الأميركية أفعل وأنجع من إشغال الناس، كما كان دارجاً في السنين السابقة، في مجالات البحث عن أسباب الإرهاب في ما كان يسمى بصراع الحضارات.
فالإرهاب له بلاد تأويه، وأرض تحتضنه ودول تنميه، وتغذيه، وتساهم في إخفائه بحجة الوقوف بوجه الاستكبار والغطرسة الأميركيتين. وهذه البلدان باتت تدرك جيداً أن الولايات المتحدة هي بصدد سحب هذه الورقة من يدها، لذا قد يكون من المتوقع أن تتلاقى مصالحها مع المصالح والأهداف الإسرائيلية، عن طريق اختلاق حجج واهية أيضاً، من أجل إحباط الجهود الآيلة لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط.
وإلى أن يأتي يوم نتطلع إلى الوراء ونقول: أيتها القضية الفلسطينية المحقة كم من التجاوزات والانحرافات ارتكبت بحقك، كل الأمل اليوم أن تسير عملية السلام على الطريق الصواب وإلى خواتيمها، ولتذهب إلى الجحيم كل النوايا السيئة.




















