الحياة
تؤكد قضية «خلية حزب الله»، التي أعلنت السلطات المصرية ضبطها في بداية الشهر الجاري، أن قلق القاهرة من تغلغل إيراني في قلب العالم العربي لم يكن مبالغاً. ولكن طريقة تعاطيها مع تغلغل بلغ هذا المبلغ إنما تفتقد الفاعلية في غياب مشروع مضاد لمشروع إيران الإقليمي من ناحية، وتغفل من ناحية أخرى ما لدى تركيا من مؤهلات لحمل مثل هذا المشروع في وقت قد لا يكون بعيداً.
وكان قلق مصر من المشروع الإيراني قد ازداد، وربما دخل مرحلة نوعية، بعد أن ساندت إيران حركة «حماس» في قطاع غزة، واقتربت بذلك من حدودها. وأدى رصد حركة بعض عناصر «حزب الله» في داخل هذه الحدود إلى اشتداد قلق مصر لأن الأمر صار متعلقاً بأمنها القومي وليس فقط بدورها الإقليمي.
وساهم ذلك في التزام مصر موقفاً بالغ الحذر تجاه الوضع في قطاع غزة، على نحو أتاح لإيران وحلفائها فرصة لاتهامها بالمشاركة في محاصرة الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى شن حملة منظمة عليها استغلت ضعف أداء سياستها الخارجية في الأسابيع السابقة على الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وفي الأيام الأولى لهذه الحرب.
وارتبط حذر مصر الزائد تجاه «التطورات الغزَّاوية» ومفاعيلها الإقليمية بميل غير معتاد في تاريخها الحديث إلى اختزال أمنها القومي في حماية حدودها، ومن ثم اختصار سياستها الإقليمية في الدفاع عن هذه الحدود التي كانت المحافظة عليها جزءاً من دورها في المنطقة في الفترات التي انتعش فيها هذا الدور.
وإذ بات تغلغل إيران على هذا النحو خطراً على أمن مصر القومي وليس فقط على دورها الإقليمي، وفقاً لتصور نخبة الحكم في القاهرة، صار ضروريا أن تنشغل هذه النخبة بما يُحاك في إيران ويُنفذ بأيد، أو أذرع، عربية. ويبدو هذا الانشغال طبيعياً. فالدولة – أية دولة – التي تسعى للمحافظة على الأوضاع القائمة في منطقة ما لابد أن تنشغل بما تسعى إليه الدولة المراجعة revisionist state، التي تريد تغيير هذه الأوضاع أو إعادة ترتيبها في اتجاه معين.
ولا غرابة، والحال هكذا، أن تنشغل مصر بالمشروع الإيراني المراجع، وخصوصاً في ظل سياسة ازدادت خشونتها أكثر من أي وقت مضى منذ قطع العلاقات الديبلوماسية بين مصر الساداتية وإيران الخمينية. ولكن ما قد يكون غريباً، هنا، أمران: أولهما أن يكون الإعلام هو سلاح مصر الرئيسي في إدارة الصراع ضد إيران ومشروعها الهجومي. فليس الإعلام إلا أحد أسلحة هذا المشروع، الذي يستثمر أخطاء سنوات أميركا – بوش العجاف وحال الارتباك الإقليمي الذي ترتب عليها، ويستند على فشل جهود الحل السلمي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ويستغل عجز المعتدلين العرب عن طرح مشروع واضح لمستقبل المنطقة لا يقف عند المحافظة على الوضع الراهن فيها.
أما الأمر الغريب الثاني فهو أن تنشغل مصر بإيران وسياستها الخشنة إلى حد يقل معه اهتمامها بتركيا بالرغم من مؤشرات تفيد وجود قلق مكتوم في القاهرة من قوة أنقرة الناعمة، وخصوصا بعد أن اختارها الرئيس باراك أوباما ليوجه منها رسالته إلى العالم الإسلامي. فقد تعامل أوباما مع تركيا كما لو أنها «الدولة النموذج» في الشرق الأوسط، وبصورة أكثر شمولاً من كونها نموذجاً لما تسميه أوساط أميركية «الإسلام السياسي المعتدل».
غير أن هذا القلق لا يضع تركيا حتى الآن ضمن أولويات مصر لأنها مشغولة بإيران أكثر من أي شئ أخر. ولذلك يبدو توجسها من الآثار المحتملة لحوار أميركي – إيراني على دور طهران الإقليمي المتزايد أكبر بكثير من قلقها من امتلاك تركيا مؤهلات «الدولة النموذج».
وربما كان ممكنا فهم هذا الترتيب للأولويات لو أن مصر تواجه المشروع الإيراني استناداً على مشروع آخر ولا تخشى، تالياً، ازدياد أهمية تركيا وقدرتها على أن تكون هي حاملة مثل هذا المشروع المضاد.
غير أن الجمود السياسي يحول دون توفر ركائز مشروع مصري لمستقبل الشرق الأوسط، لأن هذا المشروع لا يمكن إلا أن ينطلق من نموذج سياسي واقتصادي وتقني يقوم على الديموقراطية والحرية والإنجاز – الازدهار الاقتصادي والقدرة المعرفية والتقدم التقني، ويحمل وعداً بأن يعيد للعرب والمسلمين مكانتهم في العالم بمقدار ما ينتجونه من سلع وخدمات وأفكار تساهم في تقدمه، وليس بالخصومة أو القطيعة معه أو إرهابه.
وتمتلك تركيا من هذه الركائز ما يؤهلها لحمل مشروع إقليمي قد يضع حداً لطموح إيران إلى مركز الدولة الإقليمية الأكبر، ويضعف مشروعها الذي يرفع شعارات مواجهة الهيمنة الأميركية – الغربية والأطماع الصهيونية عبر بناء قوة عسكرية متنامية وبرنامج نووي مفتوحة آفاقه، ويعد تاليا بأن يعيد للأمة مجدها عبر العنفوان الذي لا يخلو من بعض التقدم التقني ولكنه يفتقد الركائز السياسية والاقتصادية والفكرية التي لا غنى عنها لتحقيق أي مجد في العصر الراهن.
فلو أن القوة العسكرية التقليدية والنووية تكفي لبناء الأمم، لما ركزت الصين جهدها في الإنجاز الاقتصادي وهي التي تمتلك من هاتين القوتين ما قد لا تحلم إيران بإدراكه.
وفي غياب مشروع لشرق أوسط أكثر ديموقراطية وازدهاراً، تبدو معركة مصر ضد المشروع الإيراني محصورة في الدفاع عن أمنها المباشر ومواجهة الحملات الكلامية بمثلها، فيما تطل تركيا على هذا المشهد ولديها ما يمكن أن يعتبر أساساً لمشروع كبير لمستقبل المنطقة لو أنها قررت إعطاء الأولوية لدورها الشرق أوسطي، أو على الأقل وضعه في مرتبة مساوية لحلمها الأوروبي.
ولما كان طريق أنقرة إلى بروكسل مازال بعيداً، وأخذاً في الاعتبار التغير التدريجي الذي يحدثه حزب العدالة والتنمية في توجهات سياستها الخارجية، فليس مستبعداً أن يزداد اهتمامها بدورها الشرق أوسطي. وإذا حدث ذلك، سيكون الطريق أمامها مفتوحاً لأن نظامها السياسي والاقتصادي يسلحها بقوة ناعمة تمكنها من حمل المشروع المضاد للمشروع الإيراني.
وهذه القوة الناعمة هي ما كان مفترضاً أن تسعى مصر إلى امتلاكه عبر إصلاحات داخلية بدا في العامين 2004 و2005 أنها تقترب، قبل أن يتبين أنها ما زالت بعيدة المنال. وفي غياب مثل هذه القوة التي لا غنى عنها لمشروع «الدولة النموذج»، يبدو دور مصر الإقليمي في وضع بالغ الصعوبة بين سياسة إيران الخشنة وقوة تركيا الناعمة، أي بين مشروعين ينطوي أحدهما على تهديد حال لهذا الدور، ويمثل الثاني خطراً قد لا يكون أقل ولكنه ليس أقرب.




















