المستقبل
لم يتوقف القاموس السياسي عن الاختراعات، وفي هذه المرة يجلب الصرعة الجديدة التي تحمل اسم "السلام الاقليمي" والتي ترتكز على الصيغة التالية: ثمة عدو مشترك لإسرائيل وللدول العربية اسمه إيران؛ وبغية إلغاء مفاعيل التهديد الإيراني تحتاج إسرائيل في الإجمال إلى تبني المبادرة العربية، وعندها ستحدث العجائب ـ كتلة من الدول تمسك بايادي بعضها بعضاً وتصطف ضد التهديد النووي الإيراني. "إذا كانت إسرائيل تطلب الحصول على دعم قوي مقابل إيران، فلا يمكنها ان تقف جانبا في كل ما يتعلق بالفلسطينيين ومساعي السلام. الامران مرتبطان بعضهما بالآخر"، هذا ما اوضحته هيلاري كلينتون مجملة جوهر الصيغة السحرية التي تستند إلى تحول تاريخي ظاهري: للمرة الاولى تنشأ مصلحة استراتيجية عربية ـ إسرائيلية مشتركة تكون اكثر إثارة للإنفعال من التعاون الاقتصادي، واكثر جاذبية من مجرد التطبيع. وعليه، نحن أمام قاعدة قوية للسلام.
ولكن كما في كل عملية سحر، يجب فقط اكتشاف الحيلة التي تقف وراءها. الدول العربية وإسرائيل ليسوا بحاجة أبدا الى السلام بينها حتى تُظهر جبهة مناهضة لإيران. هذه الجبهة نشأت أصلا من دون اتفاق، والدول العربية لن تبدأ بحب إيران فقط لعدم وجود سلام بينها وبين إسرائيل. ولكن لنفترض ان كلينتون محقة، وان السلام الاقليمي يعتمد أولا على التبني الإسرائيلي الكامل لمعادلة "الدولتين لشعبين"، ومن دون شروط مرفقة. لنفترض ايضا ان حكومة نتنياهو ستوافق على هذا المبدأ، ذلك انها تبدي أصلا مؤشرات التفهم لحقيقة ان الدعاية الانتخابية تختلف عن الفعل السياسي. هذا المبدأ يتطلب ترجمة عملية للانسحاب، تفكيك مستوطنات، ترسيم الحدود، تقاسم المياه، والاتفاق على السيطرة في الاماكن المقدسة وعلى مكانة القدس. باختصار، كل المشاكل الجوهرية التي لا يمكن لأي تهديد إيراني ان يلغيها.
لنفترض ايضا ان إسرائيل والفلسطينيين سيتوصلون لاتفاق كهذا؛ مع ذلك فهو لن يضمن بعد تحرير المنطقة من سيطرة إيران. فالعراق، على سبيل المثال، بات تحت التأثير السياسي والاقتصادي الإيراني، وهو الدولة التجارية الثانية من حيث الاهمية بالنسبة لإيران، وهي تزوده أيضا بجزء مهم من احتياجاته من الكهرباء. المقاطعة العراقية لإيران غير واقعية. فدولة الامارات، على رغم الخلاف السياسي بشأن السيطرة على الجزر الثلاث في الخليج الفارسي، هي شريك تجاري حيوي لإيران ومثلها قطر. إيران تستثمر في الجزائر والسودان وسوريا، وحتى لو انضمت هذه الدول الثلاث إلى "السلام الإقليمي" فلن تقطع علاقاتها مع إيران.
في الدائرة الاوسع للمنطقة لا تعتبر إيران دولة يتيمة. فعلاقاتها مع الهند، باكستان وأفغانستان مبنية على مصالح اقتصادية واستراتيجية صلبة. فأفغانستان، قُرة عين براك اوباما، تعتمد على استيراد المنتوجات من إيران، والباكستان تنتظر بناء خط النفط الإيراني ـ الهندي، وحجم التجارة بين إيران والهند تجاوز 15 مليار دولار. في مقابل ذلك، التجارة الإيرانية مع السعودية كانت مليار دولار في اواخر العام 2008، وهي أقل من ذلك بكثير مع مصر، اما الاردن فليست لديه تقريبا علاقات تجارية مع إيران، كما أن الدول العربية معا لا تمتلك الرافعة الاقتصادية التي تمتلكها روسيا والصين اللتان تعارضان العقوبات على إيران.
ولكن ثمة خصم شديد الصعوبة "للسلام الاقليمي" كوسيلة لتحييد قوة إيران. فالولايات المتحدة بحاجة إلى إيران في جبهتها المركزية في أفغانستان وباكستان. فإيران تمتلك علاقات وثيقة مع الطاجيك، الاقلية الأكبر في الدولة والتي تتحدث الفارسية، وهي مُقربة جدا من الاوزبكيين الاقلية الثانية من حيث الحجم، وهي تحظى بمكانة الراعي للهزاريين الشيعة غرب أفغانستان عند الحدود الإيرانية. هذه الاقليات شكلت "التحالف الشمالي" المناهض للطالبان. في الوضع المثالي فإن إيران وليس الباكستان هي التي كان يمكنها أن تشكل دولة مرور لقوافل امدادات الناتو لأفغانستان.
أفغانستان والعراق هما المهر الذي تعرضه إيران على الولايات المتحدة ومن الصعب توقع موافقة الولايات المتحدة على كبح خطوات الانفتاح على إيران، سواء قام "السلام الاقليمي" إياه بين إسرائيل والدول العربية أو لم يقم.
إن حجة السلام مع الدول العربية ليست موجودة في جبال الألبوراز. فالسلام الاقليمي حيوي لإسرائيل من أجل تحويل إسرائيل الى دولة طبيعية لا تخشى التهديدات التقليدية ـ تماما للسبب نفسه الذي من أجله عقدت اتفاق السلام مع مصر والاردن. لذا، فإن كل تطلع أكثر تواضعا من التوصل إلى تحالف أخوي يشمل الشرق الاوسط كله سيُقابل بالترحاب. وعليه ليس ثمة ضرورة للتلويح بإيران كذريعة.
("هآرتس" 26/4/2009)




















