مروان اسكندر
قبل وقت غير قصير كانت التهديدات الاسرائيلية والاميركية خلال ولاية بوش الثانية بضرب المنشآت النووية الايرانية، قد أثارت مخاوف في منطقة الشرق الأوسط، وشكلت مرتكز تساؤل عن السياسات الدولية، ومحاباة اسرائيل الدولة النووية الاولى في المنطقة والدولة الاكثر ممارسة للعدوان.
وانتشار الازمة المالية العالمية، وتحولها ازمة اقتصادية، أعادا الى الاذهان والى تعليقات الصحف ان أمر تجاوز هذا المأزق المالي الاقتصادي العالمي لن يتم الا من طريق نشوب حرب، كما حصل بعد الكساد الكبير الذي انطلق عام 1929 من الولايات
المتحدة وانتشر بسرعة في أوروبا، ومهّد لاعتلاء هتلر سدة القيادة في المانيا، ورفضه شروط معاهدة فرساي التي انهت الحرب العالمية الاولى وكانت قاسية على بلاده، سواء لجهة التعويضات المالية والاقتصادية لأضرار الحرب، أو منع المانيا من التسلح.
في حينه استنهض هتلر حماسة الالمان بتأكيده حق بلاده في نقض التزامات معاهدة فرساي، وسانده في هذا التوجّه القسم الاكبر من المواطنين. وبدأ هتلر مسيرة ضبط التضخم الجنوني في المانيا، ومسيرة التغلب على الكساد الاقتصادي باستيعاب الشباب في قوى الجيش والامن، واحياء الصناعات الحربية.
أما اليوم، فقد اعتبر كثيرون ان ارتفاع اسعار النفط عام 2008 بسرعة جنونية، وتصاعد المخاوف من امتلاك ايران أسلحة نووية، لا بد ان يؤديا الى نشوب حرب اقليمية لا يمكن حصرها في منطقة الشرق الأوسط. ذلك ان أهمية نفط هذه المنطقة لبقية العالم، وخصوصا في العقد المقبل، واضحة وملحة. فالأميركيون متمركزون في العراق أغنى بلد في العالم باحتياط النفط، وايران هي ثاني اغنى بلد في العالم باحتياط الغاز الذي يتزايد الطلب عليه بسرعة أكبر من الطلب على النفط، ولديها احتياط نفطي ملحوظ.
وبرزت صورة الحرب المقبلة بمفاعيلها المخيفة بصورة متواترة عبر تصريحات مسؤولين اسرائيليين وأميركيين. وحصلت الازمة المالية العالمية التي تحولت ازمة اقتصادية استوجبت تخصيص آلاف المليارات من الدولارات لتأمين استقرار هش حتى تاريخه. فظهر الخيار العسكري كأنه المنهج المطلوب لتجاوز المحنة وإن على حساب ارواح مئات الآلاف من الشرق الاوسطيين.
لكن بعض الاشارات المطمئنة ظهر من خلال تصريح اسرائيلي وموقف اميركي واقتراح روسي، وأنعشت الامل في اطفاء سيناريو الحرب النووية في الشرق الأوسط، وإن لوقت غير قصير. فالجزم غير ممكن في قضايا الحرب والسلم في المدى الطويل.
ان تصريح الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس بأن ايران نووية يمكن احتواؤها عبر وسائل سلمية وتعاون دولي يوحي ان التهديدات الاسرائيلية بضرب المنشآت النووية الايرانية يمكن تجاوزها، لكن الواقع ان مسؤوليات الرئاسة في اسرائيل لا تُعطي الرئيس صلاحيات تنفيذية مهمة. لذلك يبقى كلام بيريس في اطار التمنيات، لكنه بشخصه وخبرته يوفر للأوروبيين والاميركيين ضماناً يفوق ما يمكنهم تقبله من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو.
الموقف الاميركي، الاقل تصلبا حيال ايران وبرامجها النووية، ظهر من تصريحات الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما، ومن منهجية وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. فبحسب هذه التصريحات، ثمة توجه أميركي للانفتاح على مفاوضات ايجابية مع ايران. وعلى رغم بعض التصريحات الايرانية التي تعتبر من باب رفع سقف التحدي، أظهر الايرانيون استعداداً للحوار، وتالياً من المنتظر ان يتجسّد التوجه الجديد في جولات حوارية تمهيدية قد تكون غير معلنة، لكن الامر الاكيد هو ان الحوار سيتم.
وفرص نجاح الحوار الايراني – الاميركي معلّقة على اقتراحات قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ربيع 2007 في المانيا خلال اجتماعات حلف شمال الاطلسي. ففي خطاب واضح له، أشار الى ان سياسات الولايات المتحدة اصبحت فوقية وعدائية وتعرّض السلم العالمي للخطر. واستند بوتين في ملاحظته هذه، البالغة الاهمية، الى الدور الذي كانت تقوم به الولايات المتحدة في العراق، والى التهديدات التي كانت تطلقها حيال ايران. وختم كلمته بالقول: "علينا ان نتعاون في الحقل النووي، وان نفعّل نظاماً عالمياً لتخصيب الاورانيوم في اشراف الدول الصناعية المتطورة، بحيث تكون كلفة التخصيب أقل مما يمكن أي دولة حديثة في هذا المضمار تحقيقه، ومن ثم تخضع كميات الاورانيوم المخصبة الى اشراف دقيق من الهيئة الدولية للطاقة النووية، وتؤمن كميات الاورانيوم المخصّب لمختلف الدول بحسب حاجاتها للاستعمالات السلمية، وبالأخص لإنتاج الكهرباء".
الاقتراح في ذاته بالغ الاهمية. على صعيد التفكير العالمي في تأمين مناخ السلام، بالغ الاهمية. وقد اشار الى ذلك بوضوح، مستشار الرئيس فورد للأمن القومي برنت سكوكروفت، ومن بعده الرئيس جورج بوش الاب، ذلك انه كان قد طالب السلطات الاميركية بايلاء اقتراحات بوتين أهمية كبيرة، والشروع في محادثات أميركية – روسية لترسيخ أسس ضبط عمليات تخصيب الاورانيوم وتوزيع الوقود المخصب للمفاعلات النووية المعدة لإنتاج الكهرباء.
وجاء كلام بوتين فيما كانت روسيا تعمل على اتمام تجهيزات مفاعل بوشهر لانتاج الكهرباء في ايران. ذلك انه من المفترض ان يبدأ تشغيل هذه المحطة في شهر آب المقبل. ومن المفيد التذكير بان العمل على هذه المحطة بدأ قبل نهاية عهد الشاه عام 1979، عندما تم التعاقد مع شركات المانية واخرى فرنسية كانت تتولى انجاز مفاعل آخر.
وعندما انجزت عقود هذين المفاعلين اواسط السبعينات مع شركات فرنسية والمانية، لم يعترض أحد على ذلك، وكان الشاه في حينه يدعي ان جيش ايران بات رابعة أو خامسة أكبر قوة عسكرية في العالم. وكان قد احتل ثلاث جزر تقع في المياه الاقليمية التابعة للإمارات العربية المتحدة. ولان الشاه كان حليف الغرب، انحسرت الاعتراضات على برامجه لاستعمال الطاقة النووية لأغراض سلمية.
ان الموقف الروسي اليوم بالغ الاهمية، لان روسيا توفّر المعونة التقنية لانجاز مفاعل بوشهر، وهي أكبر دولة مخصبة للاورانيوم بعد الولايات المتحدة، وربما قبلها، لان الاحصاءات الجازمة غير متوافرة. انما من المعلوم ان روسيا، وبموجب عقد انجز عام 1994 بمساعي الرئيسين الاميركي بيل كلينتون، والروسي بوريس يلتسين، تسلم الولايات المتحدة حتى سنة 2014 شحنات من الاورانيوم المخصب بقيمة 600 مليون دولار سنوياً.
وروسيا، البلد الاغنى بالغاز عالميا وحتى تسبق ايران في هذا المجال، كانت قد ابرمت اتفاقات مع طهران لتطوير مصادر الغاز. كما ان هناك مشاريع لتصدير الغاز الايراني، ربما بالضخ، الى اذربجيان أو تركمانستان، ومن بعد عبر الشبكة الروسية الى الصين، وهذه عملية بالغة الاهمية لاقتصادات ايران وروسيا والصين.
ان الدور الروسي يعتبر بمثابة قنطرة الوصل بين التوجهات الاميركية الجديدة للرئيس أوباما، اضافة الى التجاوب الحذر حتى تاريخه، والتعقل الكلامي الرئيس الاسرائيلي. ولا شك في ان دور روسيا في تأمين قاعدة التعامل والتباحث والتفاهم في هذا الموضوع هو دور بالغ الاهمية للسلام العالمي، وللرفاه الاقتصادي، ولآمان تزود الوقود الحيوي.
مروان اسكندر



















