الحياة – 09/05/09//
جدير بلبنان أن يُواكب التحضيرات العائدة للمناورة الشاملة التي تنوي إجراءها إسرائيل أواخر شهر أيار (مايو) الحالي. وجدير به أيضاً قراءة أبعادها، والتمعّن في فذلكة حيثياتها وبرنامجها، خاصة دوافعها المعلنة والمناخ المحيط بها، وما يراد لها من إيقاظ وعي الجمهور حيال هجوم صاروخي مفاجىء. ولئن كان الارتياب من المسوّغات المساقة في تل أبيب واجباً، لجهة افتعال الخطر الداهم وتسويقه عبر إشاعة جو نفسي ملائم، وشحذ الهمم تبعاً للمقاصد(وبتضخيم بائِن للأخطار المحتملة)، فالأهم الحرص على وقاية لبنان من الإنزلاق نحو المبالغة في الشروحات، والقفز الى استنتاجات تضعه على عتبة اشتباك مقبل لا محال.
بعد إيراد معلومات تفصيلية عن طبيعة المناورة والجهات المشاركة فيها، وكذلك السيناريوهات المرسومة والأهداف، كما صُرِّح بها علناً وباتَ في متناول الإعلام، يمضي حزب الله ، على جاري عادة، في سرد تابع على متبوع، مبني على تأويل، يوحي بإستكمال المعنى، ويُنشىء علاقة سببيّة محكمة بين الوقائع ومنهجه السياسي والعسكري في آن، ليخلص الى وجوب الاستعدادات على نطاق الدولة، بكامل مرافقها، والشعب معاً، وإلحاق الجيش بالمقاومة.
على سبيل التحفّظ الموضـــوعي، تنطلــــق مذكــــرة حزب الله من فرضية، تحوّلت في السياق إلى أطروحة، وآلت إلى ما يُشبه الفــــرض المدرسي للمُتحاورين. جملة واحدة في مطلعها حدّدت إطار النقاش، أو بالأحرى قبضت عليه مسبقاً، تقول بأن هذه الفرضية تتلخص بحتمية أو بالحد الأدنى أرجحية انتهاء مسار التطورات الإقليمية الى صدام مسلّح قدرياً على العباد، نحن منه براء، إنما نتغنّى، في الوقت ذاته، بتلاحم مرمى الصواريخ مع مُسبّباته. وحين يكتب حزب الله، ويدلي بلسان ممثله حرفياً «تحاكي سيناريوهات المناورة هجمات صاروخية تنفذها المقاومة ضد العمق الإسرائيلي، في إطار حرب قد تشمل جبهات أخرى» ، نحجم عن مخاطبة الأهل صراحة وندحض زعم قادة إسرائيـــل من موقع الساهر على أمن الوطن والمواطن غير السائِر بأجندة إقليمية تشدّه إلى جبهات أخرى ينبغي إخراج سورية من قائمتها وضمّ إيران الى لائحتها بالتسلسل المنطقي.
تركِّز إسرائيل، حسب مفاد ورقة حزب الله، «على عنصر المباغتة في سيناريوهات المناورة»، ما يعتبره الحزب أمراً باعِثاً على الريبة كون الطرف الإسرائيلي يبيّت نية البدء بالحرب. الحال أن هذه اللولبية المنطقية تستدعي التوقف عندها وفك ألغازها. ومن النافل بادئاً، أنه يتعين الحذر الشديد من أحابيل ساسة إسرائيل لتبديد مفاعيل مراوغتهم، لكن التعامل في شأن الحرب لا يقتصر على مطاردة الإبهام اللفظي والغوص في تحاليل نفسية، بمعزل عن المعطيات الواقعية، وأخصّها الهدوء الحاصل على حدود لبنان الجنوبية بإشراف قوات الأمم المتحدة، ناهيك عن الحماية الموثقة دولياً، التي يؤمِّنُها القرار 1701 المعطوف على اتفاقية الهدنة. وسبق لحزب الله بالذات أن أستنكر إطلاق دفعات صواريخ مجهولة على مقربة من الخط الأزرق، وبالتالي، فهو على دراية من أمر إشعال الجبهة بصورة مُباغتة، موقن بمسبِّباته ، ولربما أيضاً مسقط لذرائعه في سلوكه منذ حرب تموز (يوليو) 2006، نزولاً عند براغماتية عقلانية، وتجاوباً مع مشاعر الجنوبيين عامة إزاء تبعات النزاع. يُضاف أن كيد العدو لا يؤمن منه في كافة الأحوال، ولا ينتظر من مناورة إضافة على خطورته الدائمة، تماماً كما لا يتوقع منه التقيّد بمنازلتنا على طريقة الفوارس وإخطارنا بتحرّكاته العسكرية قبل اتخاذ القرار. غير أن أعمال الحرب لا تنشأ من عدم، ما يبعد احتمال المغامرة، ولا يظنّ أن المؤسسة الإسرائيلية بغافلة عن الأثمان كي تقدم على عدوان مكلف بنازع الصراع الأبدي، ولدوافع تبديل التوازنات الداخلية كرمى «للمُتربِّصين» براية المقاومة وموقع حزب الله.
لا، لم تدق طبول الحرب، ولم تحن ساعة التعبئة والقتال. الأرجح أن المراد من الورقة المطروحة على طاولة الحوار اختصار الطريق بتوكيد عدم جواز البحث في كيفية استيعاب قدرات حزب الله وسلاحه، واستبعاد المناقشة في هذا الصدد عقب الانتخابات. بل ان التدابير المقترحة من خلال الورقة، وعلى خلفية توليفة الطوارىء المقلقة، تهدف الى إجلاسنا رهن تمارين حزب الله، وإقحام المؤسسات الرسمية المدنية والأهلية ضمن مفهوم التأهّب المقاوم حيثما كان.
طوت المنظومة الجهادية مقولة الاستراتيجية الدفاعية وما عادت تعتبرها أولوية على جدول أعمال الطرف اللبناني. ليس هذا الانعطاف صناعة محليّة بحتة على ما تفيد به ورقة حزب الله في إدراجها العمليات العدوانية الإسرائيلية على نطاق جبهات عِدّة، والردّ الصاروخي في المماثل عليها، توسيع للأهداف يقابله مشترك التصدِّي المتناغم بما يتعدّى ساحة لبنان. إن مكمن المفارقة أساساً في منحى الممانعة الإقليمية كما رسمته سياسة المركز الإيراني وبلورته خلال حرب غزّة. ولا يفوت أنّ الرئيس الأسد سارع من جهة الى الجزم القاطع باستثناء سورية كمسرح نشاط لحماس وحزب الله. كذلك لا تبدو سورية الدولة معنية مباشرة بالمناورة الإسرائيلية الضخمة، قياساً بردّ الفعل عليها من جانب حزب الله. كادت سورية تبلغ مفاوضات حاسمة برعاية تركيا، وفق تصريح الرئيس الأسد مُؤخّراً، بهذا تكيّفت الخطة العملانية الشاملة مع المسعى النووي الإيراني، دون تبدل صريح في لوحة الممانعة السياسية، فباتَ محور طهران/ دمشق عنواناً لتحالف سياسي ينضوي فيه فريقان بعينهما يفتقدان الصفة الدولتية، يُناط بهما خط التماس وتوكل إليهما المهمات الفرعيّة.
في خطى سريعة، يسير حزب الله نحو الاشتباك بالأمم المتحدة التي هدّدها السيد حسن نصر الله صراحة في إطلالته المتلفزة مطلع أيار، فالاتهام ، كما أعلنه حرفياً على الملأ، يأتيه من كل حدب وصوب، وهو غير آبه، ماضِ لا يغيّر قيد أنملة من مساره، مصمم على تغيير قواعد الحكم والقضاء واللعبة الإقليمية معاً. يوماً بعد يوم، يتأكّد نهجه المتعالي داخلياً والمُؤيّد بالسلاح، فيما تأتي الأخبار حاملة المتاعب له والاشتباه بنشاطه وشبكته العابرة للقارات والمشتبه ببعض سلوكها. كانت يقظة حزب الله حيال المناورة الإسرائيلية لتكون في مكانها الصحيح لولا إلتصاقه بالحرس الثوري ومصالح الترسيمة الإيرانية. ونكون في مأمن، لا في خوف، لو اعترفت قيادته للآخرين ببعض وطنية وثاقِب بصيرة، وأقلعت عن إلقاء الدروس واجتذاب الأزمات. أمّا توسل توظيف مناورة العدو وصرفها في الداخل على أبواب الانتخابات (على غرار الإحتفاء الصاخب بإطلاق سراح الضبّاط الأربعة مع نعي المحكمة الدولية حفاظاً على الحقيقة)، فهو ينمّ عن قنص بالمناسبة وترصيد مكاسب، يُخشى من حبسها اللبنانيين في دوَّامَة الهلع وانتزاع التنازلات.
* كاتب لبناني.




















