المستقبل –
يوم الخميس في 7/5/2009، إنعقد مجلس وزراء الخارجية العرب بالجامعة العربية في القاهرة، بصورة استثنائية، والهدف المعلن الاطلاع على التعسّفات الإسرائيلية الأخيرة بالقدس، ومتابعة التشاور حول السياسات الأميركية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية، وتجاه المبادرة العربية للسلام. وفي حين جرى الإعلان عن الاعتراض العربي على تعديل المبادرة العربية، وطرح الإجراءات الإسرائيلية بالقدس على مجلس الأمن؛ ما رشح الكثير عن الموضوع الأساسي الآخر: السياسات الأميركية الجديدة، وأين تقع من المبادرة العربية بالفعل وليس بالأقوال والتصريحات!
إنصبّ الحديث العلني، كما سبق القول على معارضته تعديل المبادرة العربية للسلام. والتعديل المقترح (بحسب الشائعات، ومن جهات غير محدّدة وهل هي أميركية أو إسرائيلية)، يتناول (كما قالت الصحف الإسرائيلية، ونيويورك تايمز والقدس العربي) مسألة اللاجئين وحق العودة بحسب القرار الدولي رقم 194. فالمعروف أن الإسرائيليين، وحتى الذين تبنوا علناً المبادرة العربية للسلام (مثل بيريز وأولمرت وليفني وباراك) لا يريدون الاعتراف بحق العودة للفلسطينيين. وقد عبّروا عن ذلك من قبل بإحدى طريقتين؛ إما رفض ذلك علناً، أو المداورة بالقول إنه لا بد من أن يوافق الفلسطينيون والعرب على يهودية الدولة الإسرائيلية شرطاً للدخول في المفاوضات بشأن الدولتين. وحجتهم في ذلك أنه إذا أقرّ حق العودة للفلسطينيين المهجّرين أو المهاجرين منذ العام 1948، فإنهم سيصبحون أكثرية في كل أرجاء فلسطين بما فيها أراضي العام 1948، فلا تعود هناك دولة يهودية أو ذات طابع يهودي، ما دامت أكثرية مواطنيها سوف تكون عربية. ويردّ الفلسطينيون والعرب أن الإعلان المسبق على ذلك يُلغي قراراً دولياً من جهة، ويجعل الأقلية العربية بفلسطين المحتلة تحت وطأة خطر التهجير. وهناك عشرات القضايا ضمن مسائل الحل النهائي، والتي ينبغي بحثها وحلّها قبل مسألة اللاجئين؛ من مثل المستوطنات، والحدود والقدس والمياه والممرّ بين غزة والضفة. وهي كلها قضايا تشترطها المبادرة العربية أو تتضمّنها لكي يكون ممكناً بالفعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة على أرض فلسطين التاريخية. وعند الوصول الى البند الأخير المتعلق باللاجئين، يمكن القيام بالبحث التفصيلي، لأن القرار الدولي ذا الرقم 194 يتيح إمكانيتين: العودة أو التعويض. فالذين يُصرّون من الفلسطينيين على العودة، يمكن عندها إتاحة الفرصة لهم من أجل ذلك من ضمن أراض هي الآن في نطاق السيطرة الإسرائيلية في مخالفة لقرار التقسيم العام 1947. إنما ذلك كله ـ وكما سبق القول ـ يمكن بحثه في النهاية وعندما تكتمل أجزاء الحل الأخرى. وعندها أيضاً تحدث الاستجابة العربية حسب المبادرة بالاعتراف الشامل بالدولة أو الكيان من جانب دول الأمة العربية.
وبعد هذا الجدال التفصيلي كله، كيف تفكر الإدارة الأميركية الجديدة بإطلاق التفاوض باتجاه الجلاء الإسرائيلي عن كل الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وخارجها بحسب قرارات الأمم المتحدة (ومن ضمنها الجولان ومزارع شبعا بجنوب لبنان)، وإقامة الدولتين؟ الظاهر أن الإدارة الأميركية تفكّر في حل شامل ومرة واحدة، بحيث يجري التفاوض بين العرب (الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون)، والإسرائيليين، برعاية أميركية، ومشاركة لأعضاء الرباعية. وربما أبلغ الأميركيون ذلك للملك الأردني عبدالله الثاني عندما زار واشنطن قبل أسبوعين. وهذا الحل جذّاب في الظاهر، لكنه يخفي صعوبات كبيرة ومتعددة. لأن الحدود اللبنانية والسورية للتفاوض واضحة؛ في حين أن القضايا الفلسطينية أكثر تعدداً وتعقيداً. لكن الأميركيين يقولون إن التفاوض السوري ـ الإسرائيلي قطع أشواطاً، وما عادت هناك مسائل كثيرة باقية. وكذلك الأمر مع الفلسطينيين في مبادرة إدارة كلينتون عام 2001، فوقتها ما بقي هناك خلافات إلاّ بشأن القدس. وهكذا فإن الرزمة الأميركية لا تنقطع عن السياق الذي بدأت عنده المفاوضات منذ العام 1992 في مدريد. ويقال إن الرئيس الأميركي أوباما كان قد كلّف زبغنيو بريجنسكي مفوّض الأمن القومي الأميركي أيام كارتر، والخبير الاستراتيجي المعروف، بكتابة ورقة حول المسار الأميركي الجديد والممكن، وبريجنسكي هو الذي نصح بهذه المقاربة الشاملة والمتوازية والمتوازنة، وقد راعى في ذلك روح المبادرة العربية للسلام ونصّها، والذي يفترض جلاء شاملاً عن الأراضي المحتلة، والاعتراف في المقابل بإسرائيل.
وهكذا، وبغض النظر عن التفاصيل، وهل صار الأمر في منزلة الطبخة أو الصفقة أو لم يبلُغ هذه الدرجة؛ هناك عائقان أحدهما إسرائيلي، والآخر فلسطيني. فالمعروف أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة لا تقول بحلّ الدولتين، ولا حتى بالجلاء الكامل عن الجولان؛ فضلاً عن موقفها من المستوطنات ومن القدس، ومن الحدود. ويعمل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الآن (كما بدا في اجتماع إيباك الأخير) على تفشيل الاندفاع الأميركي بشكل غير مباشر من طريق طرح تحفظات على المبادرة العربية (مثل مسألة هوية الدولة العبرية، ومثل العنف الفلسطيني والإيراني، ومثل التهديد الإيراني لإسرائيل.. إلخ). وقد حدث ذلك من قبل عندما وافق شارون على خارطة الطريق، ووضع عليها 14 تحفظاً، تابعته إدارة بوش فيها فيما بعد! أما من الجانب الفلسطيني، وبغضّ النظر عن الانقسام، هناك تنازلات مؤلمة مطلوبة ليس من حماس والجهاد وحسب؛ بل ومن القوميين الفلسطينيين والعرب، الذين يجدون أنفسهم للمرة الأولى أمام استحقاق حقيقي لا يمكن تأجيله، وهو التنازل عن أكثر أجزاء أرض فلسطين التاريخية، والتي تعتبرها حماس وقفاً لا يصحّ المساومة عليه، ويعتبرها كثيرٌ من العرب حقاً قومياً من الظلم والبغي والاستيلاء التخلّي عنه تحت أي عنوان!
إن الاندفاع العربي الرسمي باتجاه حلّ الدولتين في فلسطين يحدث وسط ظروف وشروط جديدة وواعدة. وأهم تلك الظروف التغير المأمول بل المشاهد في الموقف الأميركي. بيد أن الصعوبات القديمة والمستجدة ما تزال واضحة أيضاً؛ فالأمر كما قال أبو العلاء المعري عن ديار حبيبته:
فيا دارَها بالخيف إنّ مزارَها
قريبٌ ولكن دون ذلك أهوالُ




















