غسان شربل
بالغ العالم في إغماض عينيه عن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني. اهتمامه بها كان غائباً أو ناقصاً أو شبيهاً بتوزيع الضمادات والمسكنات بدل معالجة الجرح العميق الذي ينتج مشاعر الظلم والأسى والغضب. والدول البعيدة التي أيدت حقوق الفلسطينيين غالباً ما فعلت لاعتقادها أن مواقفها هذه تشكل جواز مرور الى قلوب العرب والمسلمين.
ليس بسيطاً أن يتفرج العالم على شعب يُقتلع من أرضه. وأن يتوزع على مخيمات في الدول المجاورة أو ما يشبه المخيمات. وأن تولد أجيال جديدة على وقع الحنين والغضب. وأن يرتدي الشبان الكوفيات ويتحولوا فدائيين. وأن يسقطوا في حروب كثيرة هنا وهناك وهنالك.
ليس بسيطاً أن يتفرج العالم على دولة عدوانية تقضم الأرض. وتزوّر التاريخ. وتمسح العلامات. وتتلاعب بالملامح. لا حدود لجوعها الى المزيد من الأرض. ولا حدود لرغبتها في شطب الضحية وهويتها وتراثها. دولة شرسة وقلقة. ترى الخطر في المفاتيح التي حملها اللاجئون معهم الى المنافي. وتراه أيضاً في بنادقهم، وإنْ بعيدة، وفي أغانيهم والقصائد.
يتحمل العالم مسؤولية كبرى في هذا الظلم المتمادي. مسؤولية قانونية وسياسية وأخلاقية. لا مجال لإنكار الظلم الذي لحق باليهود على أيدي النازيين. لكن ذلك الظلم لا يمكن أن يبرر أبداً الظلم الذي لحق بالفلسطينيين ولا يزال.
أكتب وأتذكر ياسر عرفات. الكوفية الشهيرة التي لا تغيب والطائرة الصغيرة التي لا تنام. شريد يبحث عن وطنه. يغرق في حروب العواصم. يغرق ثم يطفو حاملاً علم فلسطين. غصن زيتون وبندقية. ومعركة مفتوحة أنهكته وأنضجته. ومصافحة وخريطة أقل من الوطن. لكنه عثر على ملجأ فلسطيني لقبره. نام في تربة بلاده كي لا تضيع.
محمود درويش أيضاً ينام هناك جميلاً وقلقاً وعنيفاً. أطلق قصائده على المحتل. وعلى الضمير المتكلس للعالم المنشغل. وعلى القواميس التي تشبه النواويس. جرّح هيبة الظلم. هزّ وقار الصمت. قشّر اللغة كمن يرمي النجوم في النهر ثم يعيدها الى ارائكها. كمن يرمم ضمير العالم حجراً حجراً.
لا أريد أن أكتب عن مسؤولية العالم العربي والاسلامي. أتعبنا الهجاء وأنهكنا الرثاء. ومن عادة التعميم أن يكون ظالماً. لكننا لا نستطيع أن ننسى كيف استخدمت النكبة عذراً لالتهام سلطة أو تلميع صورة أو تبرير قهر. وكيف استخدمت لتضخيم أدوار وامتلاك أوراق وحجز مقاعد. كيف أنجبت النكبة نكبات استنزفت دولاً وشعوباً وأضاعت أعماراً وفرصاً.
تسلط ذكرى النكبة الضوء على النكبة التي تميز المشهد الفلسطيني الحالي. هذا الافتراق الدموي بين الضفة وغزة ليس بسيطاً. إنه أمر فظيع أن نتابع حركة الوفود الفلسطينية المتناحرة تسافر لتتحاور ثم تعود لتتبادل الاتهامات. تتصرف الأطراف الفلسطينية كأنها تملك أوطاناً أخرى. وكأن النكبة مرشحة للبقاء ويتسع الوقت لجولات كثيرة من الحروب الداخلية.
أكتب وأتذكر جبالاً من التهديدات والشعارات. أصابتنا النكبة لكنها لم توقظنا من غفلتنا. لم تزحزح الاقفال. لم تهز هذه العتمة المستحكمة في النفوس والكتب والشوارع والشاشات. أين العروبة الحضارية التي تتسع لجميع أبنائها وأسئلة المستقبل؟ وأين خيط المصالح والآمال يربط الجموع المبددة بين الماء والماء؟ إن أوضاع العرب في الاقليم توحي بتمديد النكبة وبانتظار المزيد من النكبات.




















