في الماضي استقبلت اسرائيل البابا بولس الثاني عشر بحماسة تشبه الحماسة التي يستقبل بها نجوم غناء البوب فالبابا كان يشع حرارة على العكس من البابا بينيديكتوس السادس عشر المتحفظ الى حد البرودة. وفي افضل الاحوال فإن زيارته ستخلف اللامبالاة وليس العداء. والمفاجىء في الخطاب الذي ألقاه امس في نصب "ياد فاشيم" أنه كان بإمكان كهنة الفاتيكان اعداد خطاب لزعيمهم أكثر حكمة.
ذات يوم و ربما بعد مرور 500 سنة وعندما يُفتح أرشيف الفاتيكان للاطلاع على الملفات التي وثّقت الاستعدادات لهذه الزيارة، سنتعرف عبر مسودات الخطاب كيف جرى التوصل الى هذه النتيجة النهائية. ليس هناك ما هو أسهل من اظهار الصدمة الحقيقية عند الحديث على المحرقة، والتعاطف مع المعاناة والالم والعزاء، وعندما لا يحدث ذلك فهذا دليل على خيار قام به الخطيب. لن يتوقف قرع أي جرس كنيسة لو أن البابا قال شيئا عن اللاسامية المسيحية ولو بصورة غير مباشرة لأنه من دونها ما كانت النازية لتحظى بتأييد الشعب الالماني. ما قاله البابا عن المحرقة بدا محسوبا جدا، ديبلوماسيا جدا، مهنيا جدا: فقد اقترح "الرحمة"، التي هي بالنسبة للقساوسة مثل الاسبيرين لطبيب العائلة.
المسؤولون عن نصب "ياد فاشيم" سارعوا الى الاعراب عن "خيبة الامل" لأن البابا لم يذكر الالمان. وبطبيعة الحال فقد عزوا ذلك الى ماضيه الشخصي. وفي الحقيقة فلقد ناقشت الذاكرة الاسرائيلية كثيراً ما اذا كان عليها تحديد هوية القتلة وبأية طريقة. بالأمس تحدث شمعون بيريس عن مذبحة اليهود و "المحرقة الهتلرية" وهذا تعبير محزن هدفه بالطبع الحؤول دون اهانة الشعب الالماني بأسره. في الاحتفالات التي تجري في نصب "ياد فاشيم" يقولون بشكل عام: "الالمان النازيون ومساعدوهم". ألم يكن من الأسهل لو تبنى الفاتيكان ذلك؟ لكان اعترف عندها بالنظرة الإسرائيلية الى عملية تدمير اليهود.
يدرك البابا المسؤولية التاريخية الملقاة عليه كألماني وكمسيحي. فقد أيد الغاء مرور الزمن على جرائم النازية في المانيا وضرورة ملاحقة المجرمين النازيين الذين ما زالوا على قيد الحياة. كما سبق أن زار "ياد فاشيم". وأعرب أكثر من مرة عن عطفه على اليهود واسرائيل. ولكن في خطابه أمس قال لسبب ما ان اليهود "ماتوا" وكأن هذه كانت حادثة مؤسفة. للوهلة الاولى هذا ليس مهما؛ في اسرائيل يقولون احيانا "قضوا نحبهم". الاسرائيليون لا يحتاجون الى البابا كي يروي لهم ما جرى في المحرقة التي اصبحت اليوم رمزا عالميا للشر المطلق. ولكن الكلمة التي اختار البابا استخدامها مثيرة للاهتمام لان احدا ما في الفاتيكان قرر أن يقول "ماتوا" وليس "قُتلوا" او "أُبيدوا". الانطباع هو أن كتبة الفاتيكان تجادلوا في ما بينهم ما اذا كان الاسرائيليون "يستحقون" ان يقول البابا "قتلوا" فقرروا انهم يستحقون فقط "ماتوا". هذا يبدو تافها. كما ان الاستخدام المتكرر لتعبير "مأساة" يبدو كمحاولة للامتناع عن قول الامر الحقيقي.
البخل اللفظي الذي أظهره امس البابا مأخوذ بالطبع من وزن الكلمات التي يمكن أن يقولها ولعله سيقولها عن معاناة الفلسطينيين. لو أنه قال ما ينبغي قوله عن المحرقة، لكان بوسعه أن يقول اكثر ايضا عندما يندد بالانتهاكات لحقوق الانسان التي ترتكبها اسرائيل بحق سكان غزة والضفة. "دولتان" ليس أمرا كثيرا، حتى في عهد نتنياهو الذي حتى اسمه ايضا لم يذكره البابا اثناء خطابه عند الرئيس. والاسم ظهر فقط في الترجمة الرسمية للخطاب الذي بث في التلفزيون؛ في اللحظة المقررة تشوش البابا وكيفما اتفق ابتلع الاسم الصريح.
توجه البابا في الخطاب الذي ألقاه نحو التشديد على الدروس العالمية للكارثة وهذا، بالطبع مهم؛ في اسرائيل لم يتعلموا بعد كيف يفعلون هذا بالقدر الكافي. إن ارث المحرقة النازية يستدعي من كل شخص مكافحة العنصرية وحماية حقوق الانسان. وهو يلزم كل جندي بأن يرفض أمرا غير قانوني على نحو ظاهر. ولكن حتى الدرس العالمي للكارثة اختار البابا صياغته بتعابير مجردة تصلح في قاعة المحاضرات لبروفيسور ألماني في علم اللاهوت، ولكنها في عصر الانترنت تبدو كلاماً فارغاً.
("هآرتس" ترجمة "المصدر" – رام الله)




















