النهار – القاهرة
المتأمل في أحوال الحوار السياسي العربي لابد له أن يكتشف أنه يمر بأزمة عميقة. وذلك لأن الحوار يفترض أول ما يفترض أن المتناظرين حول قضية سياسية ما، لابد لهم إذا ما انتهت جولات الحوار أن يغيروا بطريقة جزئية أو شاملة من بعض اقتناعاتهم، أو يعدلوا من اتجاهاتهم في ضوء تفاعلات الحوار.
أما لو خرج المتناظرون من الحوار كما دخلوه، ولم يغير أي واحد منهم بعض اقتناعاته أو اتجاهاته، فمعنى ذلك ببساطة أنه كان حواراً غير منتج، لأن كل واحد ظل ثابتاً على موقفه لا يريم، بالرغم من الحجج المقنعة التي قدمها الخصم، أو المعلومات التي عرضها، والتي من شأنها أن تغير من طريقة وضع المشكلة.
والسؤال الآن، لماذا يمر الحوار السياسي العربي بمرض العقم والجمود؟ نلحظ ذلك في عديد من البلاد العربية، وسواء كان الحوار بين المثقفين والسلطة، أو بين المثقفين من اتجاهات مختلفة.
وحين تأملت في سبب عقم الحوار، أدركت أن هناك سببين رئيسيين هما التعصب الإيديولوجي من جانب، وأساليب المرواغة الفكرية من جانب آخر.
والتعصب الإيديولوجي يعني – من بين ما يعنيه – أن الطرف المحاور الذي يصدر عن إيديولوجية سياسية معينة، يعتقد وهما أنه يمتلك الحقيقة المطلقة! وبالتالي فإن خصمه السياسي لابد أن يكون على خطأ، مهما قدم من حجج، أو عرض من وقائع. وبالتالي حين يدور الحوار فإن أصحاب الحقائق المطلقة ليس لديهم أدنى استعداد لقبول فكرة أن الممارسة الإيديولوجية للتيار الذي يعتنقونه شابتها أخطاء في المنطلقات أو في التطبيقات، لأنها أصبحت في أذهانهم أشبه بالعقائد المقدسة التي لا يمكن أن تنطوي علي أي نقيصة، سواء في النظر أو في العمل، حتى لو كان حكم التاريخ على سلبيات الممارسة واضحاً وضوح الشمس، ومنطلقاً من اعتبارات موضوعية لا تحيز فيها.
أما المراوغة الفكرية فهي مرض آخر من أمراض الحوار السياسي العربي المزمنة. لأن من يمارسونه من المثقفين يزيفون الوقائع عامدين متعمدين، ويتجاهلون إقامة علاقات السببية بين المقدمات والنتائج، ويهونون من أخطر الممارسات، في حين أنهم يهولون من أبسط الأخطاء.
لماذا أسوق هذا الحديث عن أمراض الحوار السياسي العربي؟ أسوقه لأنني تعرضت بمناسبة مقالين لي أحدهما نشر في "الأهرام" وصحف عربية أخرى عن "أزمة التقويم التاريخي" في 16 نيسان 2009، والثاني نشر في جريدة "المصري اليوم" عن "خريطة معرفية للأمن القومي المصري".
وقد أدار الحوار السياسي معي حول المقال الأول مثقف ناصري معروف هو الأستاذ "محمد يوسف"، الذي نشر تعقيباً في جريدة "العربي" بتاريخ 17 ايار 2009 عنوانه "السيد يسين وكمب ديفيد والديموقراطية". أما المقال الثاني فقد أدار الحوار السياسي معي ياسر شحاته في جريدة "العربي"، في التاريخ نفسه في عمود بعنوان "تأملات حزينة".
والواقع أن التعقيب الأول نموذج بارز للتعصب الإيديولوجي، أما التعقيب الثاني فقد اثبت كاتبه أنه خبير في فنون المراوغة الفكرية!
ولولا أهمية كل من موضوع التقويم التاريخي للناصرية، وثوابت الأمن القومي المصري ما عنيت بالرد، لأنني أعتبر أن ما اكتبه مجرد اجتهادات لباحث علمي تحتمل الخطأ وتحتمل الصواب، ومن حق أي قارئ أو كاتب أن يوجه لها ما شاء من انتقادات، بشرط أن تتحلى بالعلم والموضوعية معاً.
وقد قابلت الأستاذ محمد يوسف لأول مرة في إحدى الجلسات التي رئستها في ندوة نظمتها "لجنة الدراسات التاريخية" بالمجلس الأعلى للثقافة. واكتشفت فيه محاضراً فصيحاً يتحدث عن الناصرية بثقة لا حدود لها، وإن كان – بالرغم من بلاغة خطابه – ينطلق من تقديس الناصرية، ويدافع عن ممارساتها حتى الخاطئة منها دفاعاً مطلقاً، بحيث تحولت من إيديولوجية سياسية يسري عليها ما يسري على باقي الإيديولوجيات من تجاوزات أحياناً أو أخطاء قاتلة، أو سلبيات ظاهرة، إلى إيديولوجية مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!
ماذا قال التعليق الأول؟
من بين الأحكام الجارفة الظالمة في مجال التقويم التاريخي للرئيس أنور السادات – على سبيل المثال – أنه "سلم فيها تاريخ وتراث ولغة وآمال مصر والأمة العربية إلى أميركا لتفعل بذلك كله ما تشاء دون معقب"!
أهكذا يقوّم إنجاز أنور السادات وأهمه على الإطلاق قراره التاريخي بشن حرب التحرير على إسرائيل، وعبور خط بارليف المنيع، بناء على تخطيط استراتيجي رفيع المستوى، والاعتماد على أعظم الكفاءات العسكرية المصرية التي حققت ومعها طوائف الشعب المصري الانتصار على الدولة الإسرائيلية في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973؟
وأهم من ذلك كله أنه حقق بالتفاوض الفعال ما لم تحققه الحرب، وهو جلاء القوات الإسرائيلية عن سيناء التي حررتها المعاهدة شبرا شبرا، وبعد ذلك حصلنا على طابا وهي مصرية تماما من خلال التحكيم في عهد الرئيس حسني مبارك.
غير أن التعصب الإيديولوجي للناصرية من ناحية، والكراهية العميقة التي يكنّها الناصريون للسادات من ناحية أخرى، دفعت به ويا للأسف إلى تجاهل الحقائق التاريخية، وأهمها أن تخبط القيادة السياسية الناصرية في القرارات الخاصة بحزيران 1967، وفساد القيادات العسكرية التي اختطفت منذ عام 1964 النظام السياسي المصري، وأصبحت لها اليد العليا في القرار ما أدى إلى الهزيمة النكراء في حزيران 1967، في حين أن القوات المسلحة المصرية لم تكن على وجه الإطلاق مسؤولة عن الهزيمة. ومن يراجع القرارات المتخبطة للمشير عبد الحكيم عامر وأعوانه قبل الحرب وأثناءها، سيصل إلى هذه النتيجة بكل موضوعية.
وقد تعجبت لأن الأستاذ محمد يوسف أراد عامداً متعمداً أن يلغي الإنجازات الفكرية والسياسية للقوى الوطنية قبل ثورة 1952، ويدّعي أنها لم تقدم أي شيء إيجابي، وأن الثورة فقط هي التي "اخترعت" من عندياتها المبادئ الستة الشهيرة لها، مع أنها لم تكن – وهذا ما يشرفها في الواقع – إلا انعكاساً للفكر النقدي المصري قبل الثورة، والذي قام به طلائع المثقفين المصريين من أهل اليمين وأهل اليسار معاً!
ومن أعجب العجب أن يدّعي الكاتب أن ثورة يوليو حققت الديموقراطية كاملة لأنها ركزت على العدل الاجتماعي، وتناسي الحقيقة وهي أن الدولة الناصرية تحولت منذ عام 1964 على الأقل إلى دولة بوليسية، تفرض أنواعاً متعددة من القمع السياسي على الجماهير، بحكم مراكز القوى التي صعدت وتناحرت في ما بينها.
أما هجومه على الديموقراطية الغربية على أساس أنه في ظلها قام الاستعمار فهي محاولة لخلط الأوراق. وذلك لأن الظاهرة الاستعمارية وإن قامت بها دول ديموقراطية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن نظرية الديموقراطية الغربية فاسدة بطبيعتها، وأن الديموقراطية الحقيقية الوحيدة في العالم هي الديموقراطية على الطريقة الناصرية!
لم يستطع الأستاذ محمد يوسف أن يمارس فضيلة النقد الذاتي، وأن يراجع مواقفه، كما راجعت موقفي بعد أن كنت أتبنى قيم المشروع الناصري على إطلاقها، غير أني أدركت بعد ذلك أنه لا عدالة اجتماعية بدون ديموقراطية وبالمعنى الغربي للكلمة، أي تداول السلطة، وحرية التعبير، وحرية التفكير، وحرية التنظيم، والتعددية الحزبية، والانتخابات الدورية النزيهة.
لقد شابت التعليق السياسي الأول عيوب التعصب الإيديولوجي الذي لا يقبل أنصاره مراجعة أفكارهم بناء على الخبرة التاريخية، وضرورة ممارسة النقد الذاتي.
أما صاحب "التأملات الحزينة" الذي أدار حواراً حول السيد حسن نصر الله و"حزب الله" والمقاومة والأمن القومي المصري، فقد كان كريما معي في الواقع لأنه تلطفا لم يذكرني بالاسم، واكتفى بأن يطبق في حواره بعبقرية فذة كل أساليب المرواغة الفكرية!
وقد اقتدى في الدفاع عن جريمة "حزب الله" في إنشاء خلية لوجستية في سيناء بأمر مباشر من السيد حسن نصر الله – وفق اعترافه العلني في خطاب له – أسلوب كاتب مرموق من أنصار تيار الإسلام السياسي، الذي لا يؤمن بقدسية الحدود المصرية، ويرى ضرورة فتحها وتجاوزها لأي عابر سبيل باسم المقاومة! فقد قال أن ما فعله السيد حسن نصر الله غايته نبيلة، غير أن وسيلته كانت خاطئة!
فلنر الآن حكاية الغايات الثورية النبيلة!
إن مقالتي عن "خريطة معرفية للأمن القومي المصري" الذي أدار الكاتب الثاني حواره معي حولها، كانت محاولة أكاديمية للتعريف العلمي الدقيق بنظرية الأمن القومي عموماً، وبثوابت الأمن القومي المصري خصوصاً.
ولذلك لا يصلح الكتاب الهواة الذين لا يعرفون أبجديات الدراسات الاستراتيجية للتعليق عليها، وخصوصاً حين يدفعهم الهوى للدفاع الباطل عن جريمة "حزب الله"، والخطأ السياسي الذي ارتكبه السيد حسن نصر الله.
ومن العجيب أنه يلفت نظرنا إلى أن إسرائيل هي العدو الرئيسي لنا، ومن أنكر ذلك؟ عليه أن يعيد قراءة مقالي عن الأمن القومي الذي ذكرت فيه عدة مرات أن إسرائيل أحد مصادر التهديد للأمن القومي المصري. وأريد أن أقرر له ما لا يعرفه على وجه الإطلاق وهو أن هذه هي العقيدة العسكرية المصرية حتى اليوم بالرغم من المعاهدة، لو كان يعرف ماذا تعني العقيدة العسكرية.
وهو في دفاعه عن "حزب الله" يتناسى في الواقع ثوابت الوطنية المصرية التي لا تقبل المساس بحدود مصر، ويتجاهل أبجديات الأمن القومي المصري، ويتحدث وكأن سيناء أرض مستباحة لأي دعي يرفع شعارات المقاومة، ولو كان لبنانياً أو سورياً أو عراقياً أو يمنياً على سبيل المثال، وذلك لمساعدة الفلسطينيين في غزة. كيف يمكن قبول هذا المنطق المتهافت؟
بل لقد وصل به استهانته بالأمن القومي المصري إلى أن يقترح سيناريو لم يدرك – للأسف الشديد – أنه سيناريو إسرائيلي لاعتبار سيناء هي "الوطن البديل" للفلسطينيين، وهي فكرة قديمة.
قال سيادته بالحرف الواحد "العرف الدولي أن تفتح دول الجوار حدودها للشعوب المنكوبة من الحروب أو الكوارث الطبيعية وتستقبلهم وتنظم لهم مستعمرات إيواء حتى تنتهي الأسباب"… أما أن تقفل دولة حدودها على هؤلاء المساكين بحجة الأمن القومي فإن هذه سابقة مشينة ولا أخلاقية… والمحزن أن هذه السابقة تخرج من مصر وضد شعب عربي شقيق وحليف".
وهكذا وصلت المراوغة الفكرية للكاتب إلى أن يقترح فتح الحدود المصرية أمام جحافل الفلسطينيين، وإقامة مستعمرات إيواء لهم إلى أن ينتهي الصراع العربي الفلسطيني، ولو بعد أربعين أو خمسين عاماً!
أليس هذا هو السيناريو الإسرائيلي للوطن الفلسطيني البديل؟
ونقول لهؤلاء المتعصبين إيديولوجيا، الحقائق عن نقص الديموقراطية في العصر الناصري مسجلة موضوعياً، أما المراوغون فكرياً فلديهم مشكلة كبرى وهي أن المسلمات التي قد يصدرون عنها من باب الحماسة العاطفية أو عدم المعرفة، أو إنكار الثوابت الوطنية، قد توقعهم – كما حدث – فى براثن الفكر الإسرائيلي العنصري بغير أن يشعروا، ولذلك يروجون لفكرة الوطن البديل والتي تعني في الواقع الاستعمار الفلسطيني لسيناء المصرية!
(باحث مصري)




















