المستقبل –
أعلنت منظمة حقوقية في دمشق اطلاق سراح المعارض السوري ميشال كيلو، الرجل المعتقل منذ أيار 2006، والذي بقي فيه ثلاث سنوات. الخبر ينتظر المرور في أبواب أجهزة المخابرات، أي دورة الأبواب السبعة وهي جولة على كافة أجهزة المخابرات للتأكد من خلوّ ملفه من أي تهمة لم يحاكم عليها. خروج ميشال كيلو من السجن في هذا الوقت هو لحظة جميلة لميشال ورفاقه ولعائلته ولكثيرين في سوريا والعالم كله.
قبل ثلاثة أعوام، حين اعتقل ميشال كيلو بسبب توقيعه على "إعلان بيروت ـ دمشق وإعلان دمشق ـ بيروت"، كان عدد كبير من المثقفين اللبنانيين والسوريين كتبوا في إعلانهم ما يشبه جمعاً لثوابت لا يختلف عليها عاقلان، ثوابت لمحاولة بناء علاقات جدية بين لبنان وسوريا تبدأ بالندية والعلاقات الأخوية وكذلك منع التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين، والعلاقات الدبلوماسية، نجح الاعلان في جمع عدد كبير من الموقّعين عليه بين البلدين، ومن مشارب مختلفة، ولكن ما حصل بعدها من ردود فعل السلطات في دمشق حيث اعتقل كثيرين من ميشال كيلو إلى أنور وأكرم البني ورياض سيف وطلال ابودان والطبيبة فداء أكرم حوراني وأحمد طعمة والكاتب علي العبد الله وجبر الشوفي ومحمد حجي درويش وياسر العيتي ومروان العش والكاتب فايز سارة. ما حصل في تلك الفترة من رد فعل الأجهزة السورية أدى إلى توقف الأصوات المطالبة بالحريات وتراجعها إلى المستوى الشخصي وكذلك إلى توقفها على بعض مؤسسات حقوق الانسان.
التهم الموجهة إلى كيلو ورفاقه المعتقلين هي "نشر أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة وإضعاف الشعور القومي والانتساب إلى جمعية سرية بقصد تغيير كيان الدولة السياسي والاقتصادي وإثارة النعرات المذهبية والعنصرية والنيل من هيبة الدولة"، هكذا تحوّل إعلان علني نشر في الصحف ووسائل الاعلام إلى جمعية سرية تعمل على إضعاف الشعور القومي وتوهن نفسية الأمة التي لم يوهنها لا الأنظمة الديكتاتورية ولا طرد الشعب الفلسطيني من أرضه ومن ثم قيام العرب بالتنكيل بهذا الشعب، وكذلك تحوّل المعتقلين المنتمين إلى فئات سياسية ودينية مختلفة إلى مثيري النعرات المذهبية والعنصرية.
إذن، ذهب المعتقلون إلى سجنهم، بعد ان اعتقلوا على عدة دفعات وفيما كان وقّع إعلان دمشق بيروت أكثر من 160 شخصية، فان السلطات الأمنية في دمشق اختارت مجموعة محددة من الأشخاص. أشخاص ينتسبون إلى مدرسة "ربيع دمشق"، وكذلك إلى منطق الحوار والنقاش للوصول إلى حلول توقف حكم الأجهزة الأمنية.
المحاكمات كانت تستقطب جمهورا كبيرا، بينهم مثقفون ومحامون، ونشطاء حقوقيون، صحافيون، ومهتمون بالشأن العام، وعائلات المعتقلين. كانت فرصة للكثير من المعتقلين لاعلان مواقفهم صريحة أمام القاضي، وكذلك لرفض فكرة اضعاف الشعور القومي. كان ميشال كيلو يقف وإلى جانبه أنور البني، محاولين الربط بالمنطق بين معنى الديموقراطية وحقوق الانسان، تسابق الرجلان في الدفاع عن موقفهما المشترك، فأصدر القاضي حكمه بسجن ميشال لمدة ثلاث سنوات وبسجن أكرم لمدة خمس سنوات، في صورة تظهر عبثية أحكام جاهزة غب الطلب.
في السجن وضع المعتقلون السياسيون مع سجناء في قضايا سرقة وقتل. لم ييأس هؤلاء المعتقلين بل تحوّلوا إلى رموز للأحرار في العالم العربي، فقبل أعوام كان رياض الترك بمثابة "مانديلا" العالم العربي، وهو الرجل الذي خرج من السجن بعد أكثر من 17 عاما ليعود إليه مجدداً ومن ثم يطلق سراحه، واليوم تحوّل هؤلاء المعتقلون إلى "مانديلا" في كل واحد منهم.
اليوم علي العبد الله وابنه وكذلك أكرم وأنور البني وغيرهم من المعتقلين يحتفلون في السجن بقرب اطلاق سراح رفيقهم ميشال كيلو، الرجل الذي رفض ان يترك وطنه، سيكتبون له رسائل كثيرة من زنزاناتهم.
واليوم سيخرج "موهن نفسية الأمة" من السجن، سيتم فحصه يومياً للتأكد من خلوه من مرض نقصان المناعة القومية، والتأكد فعلياً أنه خرج من جسده ولن يعود إليه، فهذه الحالة تحتاج إلى متابعة دائمة،وهذا النوع من الأمراض لا يمكن فكّه عن الجسد إلا بمراقبة جدية قد تضطر القوى المختصة القيام باستدعاء من كان معتقلاً لديها للتأكد من خلوه من مرضه أو أمراض جديدة قد تهاجمه وهو خارج السجن.
سيقف ميشال بين ناسه، سيكتب مجدداً، وسيعود إليه أن يقرر ان كان هناك ما يستحق اكمال الحوار الداخلي والنقاش للحصول على مزيد من الديموقراطية. سيعود إليه أن يقرّر ان كان رفاقه في السجن يستحقون أن يكتب عنهم أو ان يتناساهم. سيكون لديه الوقت ان لم يتم اعتقاله مجدداً، ليرى الشمس وكذلك ليتنسم هواء بلاده بعيداً عن رطوبة السجن التي تخنق.
جميل أن يخرج ميشال كيلو من السجن، وكذلك كثيرين ممن اعتقلوا وسجنوا حول العالم من كتاب رأي وصحافيين، جميل أن يتحول يوم إخراج ميشال كيلو من السجن إلى يوم للحريات في العالم العربي، دعماً لرفاقه المعتقلين هناك، الرفاق الذين لم تلدهم أم واحدة، وارتضوا ان يكونوا خطوة جميلة في حياة شعبهم نحو تحصيل حريات أكثر، وديموقراطية كتب عنها رفيقهم سمير قصير الكثير من مقالاته.




















