وضعت زيارة وزير الداخلية زياد بارود لدمشق امس اسساً مبدئية لتجربة "مختلفة وجديدة" في التنسيق الامني بين لبنان وسوريا ستكون بطبيعة الحال محور رصد دقيق من الاوساط السياسية ولا سيما منها تلك المتشككة من التجارب السابقة.
ذلك ان هذه الزيارة جاءت عقب تشويش كثيف اثاره عرض "الاعترافات" عن تفجير دمشق عبر التلفزيون السوري متضمنة اتهامات لـ"تيار المستقبل"، كما تزامنت مع تحول بعض مضاعفات هذا التطور تجاذباً داخلياً في ظل تبني بعض زعماء المعارضة وسياسييها صراحة او ضمناً تلك الاتهامات.
غير ان مصادر واكبت المحادثات التي اجراها بارود مع نظيره السوري اللواء بسام عبد المجيد، بمشاركة وفدين امنيين رفيعي المستوى، قالت لـ"النهار" ان المحادثات ابرزت اتجاهات ايجابية تصب في اطار تنفيذ البيان الرئاسي الذي صدر عن قمة الرئيسين ميشال سليمان وبشار الاسد في آب الماضي وتجيب عن هواجس وتحفظات ابديت في بيروت قبل الزيارة، كما تلتزم ما اتفق عليه من مراجعة الاتفاقات المعقودة بين البلدين.
واشارت الى ان الوفد اللبناني لمس ارتياحاً سورياً ملحوظاً الى النهج الذي يتبعه الرئيس سليمان، وان المحادثات جرت في ظل ما تضمنه اتفاقه مع الرئيس السوري. واوضحت ان البيان الصحافي المشترك الذي صدر عن المحادثات صيغ بدقة ووضوح لتبديد الانطباعات التي سادت عن محاذير التعامل مع التنسيق الامني المطلوب بين البلدين بنهج العموميات والغموض. وفي ضوء ذلك ادرج البيان نقاط جدول الاعمال الذي طرح على البحث وجاءت البنود التي اتفق عليها بمثابة تأسيس لصفحة جديدة وليس استعادة لمرحلة سابقة.
وركزت المصادر في هذا المجال على ان الطرفين اتفقا على "تشكيل لجنة متابعة وتنسيق للبحث في السبل المؤدية الى تفعيل التعاون والتواصل بين الوزارتين"، مشيرة الى ان هذه الخطوة لا تعني احياء لجان قديمة بل تنطلق من ضرورة معالجة وضع جديد. كما لفتت الى ان مهمة اللجنة حددت بـ"اقتراح اسس التعاون والتنسيق في مجالات مكافحة الارهاب والجرائم، ووضع آلية مشتركة لضبط الحدود والاجراءات اللازمة لوضعها موضع التنفيذ، واعداد مشروع مذكرة تفاهم للتعاون والتنسيق الامني ورفعها الى الجهات المختصة دستورياً لاقرارها". وقالت ان ذلك يعني بوضوح ان اي خطوة لن تقر وتنفذ الا بعد العودة الى مجلس الوزراء، وان بنداً صريحاً بذلك لحظ في البيان، مما سيفسح لجميع الجهات السياسية المعنية في مناقشة كل خطوة وتحديد مواقفها منها.
واضافت ان الجانب اللبناني أصر على ادراج حصر موضوع "اعترافات الموقوفين" في تفجير دمشق ضمن "تبادل المعلومات من خلال المراجع المختصة"، ولحظ البيان هذا الامر صراحة.
ولم تصدر ردود فعل فورية على نتائج الزيارة، فيما تردد ان الامانة العامة لقوى 14 آذار قد تحدد موقفاً من بعض جوانب هذه النتائج في بيان لها اليوم ولا سيما من حيث تأكيد وزير الداخلية السوري ان المحادثات لم تتطرق الى ملف المفقودين "لأنه مطروح سابقاً ويتم البحث فيه وتتابعه اللجان المختصة".
في غضون ذلك، اصدر رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري اول رد مباشر له على ما عرضه التلفزيون السوري فوصفه بانه "نسخة مكررة عن الادعاءات الكاذبة والحملات المعروفة لادوات النظام السوري الاعلامية والسياسية". وقال ان "الجهد الكبير للنظام السوري للتنصل من عصابة فتح الاسلام لن يعفيه من جريمة التورط مع هذه العصابة". ودعا جامعة الدول العربية الى "وضع يدها على هذا الملف وتشكيل لجنة عربية لتقصّي الحقائق في موضوع عصابة فتح الاسلام".
كذلك اتهم رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط النظام السوري بـ"ابتداع الروايات والاكاذيب"، لافتاً الى ان "هذه الادعاءات لا تساهم بتاتاً في بناء علاقات جديدة بين البلدين". ولاحظ انه "كلما اقتربت المحكمة الدولية زادت محاولات الترهيب". ولفت جنبلاط "الوزراء الذين يزورون دمشق الى اهمية الابتعاد عن تشكيل لجان امنية مشتركة قد تتطور في وقت لاحق لتبرير التدخل السوري مجدداً في الشؤون الداخلية".
ويشار في هذا السياق الى ان جنبلاط سافر مساء أمس الى باريس في طريقه الى لوس انجلس في الولايات المتحدة حيث يقوم بزيارة تتخللها لقاءات مع الجالية اللبنانية هناك.
في المقابل، دعا العماد ميشال عون الى "رفع الحصانة عن الحسابات" قائلاً: "هناك جرائم كبيرة ارتكبت والقضية مفتوحة وسيعاد فتحها امام القضاء". وطالب بـ"فتح التحقيق من الاول الى الآخر حتى نرى من ارتكب الجريمة، ومن دفع المال لان كلمتي تلفيق وكذب لا تنفعان".
سليمان الى نيويورك
على صعيد آخر، يغادر رئيس الجمهورية بيروت ظهر اليوم الى نيويورك للمشاركة في مؤتمر "حوار الحضارات والاديان" الذي يبدأ اعماله غداً في الامم المتحدة. وسيلقي سليمان امام المؤتمر كلمة يجدد فيها دعوته الى اعلان لبنان مركزاً دولياً لحوار الحضارات والاديان، وهو الاقتراح الذي سبق له ان طرحه امام الجمعية العمومية للمنظمة الدولية في دورتها العادية، وكذلك في القمة الفرنكوفونية ومحادثاته في الفاتيكان.
ويرافق سليمان وفد وزاري يضم وزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ ووزير الاعلام طارق متري ووزير الدولة للتنمية الادارية ابرهيم شمس الدين ووزير الدولة وائل ابو فاعور.
ونقلت مراسلة "النهار" في نيويورك سيلفيان زحيل عن مصدر ديبلوماسي في الامم المتحدة ان الرئيس سليمان سيغتنم فرصة مشاركته في المؤتمر الذي يعقد يومي 12 و13 من الجاري لعقد لقاءات ثنائية، علماً انه سيلقي كلمته صباح الاربعاء (بتوقيت نيويورك).
“النهار”




















