نصير الأسعد
على مسافة نحو شهر من التقرير الأخير لرئيس لجنة التحقيق الدولية دانيال بيلمار في النصف الأول من كانون الاول المقبل، والذي يمهد لإنتقاله من التحقيق الى الإدعاء العام، «اخرج» النظام السوري ما صار معروفاً بتسمية «فيلم الإعترافات» الذي «حشد» له «أبطالاً» من عصابة «فتح الإسلام» موقوفين في سوريا «أقرّوا» بمسؤولية العصابة عن تفجير دمشق نهاية أيلول الماضي.
ثمة جانب سيكون إنجازه مهماً جداً، هو إظهار تناقضات «الفيلم» والخلل في الإخراج والتركيب. وتلك مسؤولية تقع على عاتق عاملين في حقول الإخراج والأمن والقانون.
«فتح الإسلام»: عين علق واغتيال بيار
بيد أن ثمة جانباً لم يحظَ بالاهتمام السياسي خلال الأيام القليلة الماضية. بطبيعة الحال، قيل الكثير في «الفيلم» وعنه، وعن دور النظام السوري في تشكيل «فتح الإسلام» وتصديرها الى لبنان. وعن العلاقة بين نظام الأسد و«القاعدة». وعن الأكاذيب التي ساقها هذا النظام وأبواقه حول علاقة «تيار المستقبل» بتلك العصابة. غير أن ما لم يُقل أو ما لم يتم التشديد عليه، هو أن «فتح الإسلام» لم تُعرف في لبنان على مشارف «معركة نهر البارد» فقط، بل قبل ذلك، حيث توصلت التحقيقات الى إعتبارها مسؤولة عن جريمة عين علق في شباط 2007، وتدور الشبهات حول دورها في جريمة اغتيال الشهيد بيار الجميل في 11 تشرين الثاني 2006.
«الفخّ»: الفصل السابع
إذاً، في تركيبه لـ«فيلم الإعترافات»، وقع النظام السوري ـ ربما بدون إنتباه بسبب «إنعجاقه» بأمر معين ـ في فخ قانوني وسياسي. إن عصابة «فتح الإسلام» مطلوبة للتحقيق الدولي في جرائم الاغتيال منذ 2005. وعلى النظام السوري تسليم عناصرها و«قياداتها» الى التحقيق الدولي.
ليس مستبعداً، بحسب معطيات عدة، أن تطلب لجنة التحقيق الدولية من السلطات السورية تسليمها «كادر» العصابة الموقوف في سوريا. وسيكون على النظام السوري الإمتثال والإذعان لهذا الطلب، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينهض التحقيق الدولي عليه وتقوم المحكمة الدولية على أساسه.
وحقيقة الأمر أن المعركة القانونية ـ السياسية مع نظام الأسد يفترض أن تدور رحاها في هذا الميدان بالتحديد.
المعلومات قبل «الفيلم»..والإرتباك
لماذا تورط النظام في سوريا في هذا «الفيلم» الذي ينقلب بـ«سهولة» عليه؟.
للجواب عن هذا السؤال، لا بد من بضع مقدمات.
يلي إطلاقُ «الفيلم» معلومات منقولة عن أركان في النظام السوري، تقول إن سوريا «منقسمة» في الآونة الأخيرة الى «سلطتين». واحدة خلال النهار تمارسها الأجهزة الرسمية. وثانية خلال الليل لـ«شبكات» إرهابية ومتطرفة. وبينهما كرّ وفرّ. ما يعني أن الوضع الأمني شديد الهشاشة. وأن النظام مهتزّ إستقرارُه.
ويلي إطلاقُ «الفيلم» معلومات عن صراعات داخل «العائلة»، ووصل الأمر باشخاص من داخل النظام الى حد الحديث علناً عن أن رفعت الأسد هو من «أشرف» على اغتيال اليد اليمنى العسكرية لإبن أخيه الضابط محمد سليمان.
ويلي معلومات عن صراعات داخل «الطائفة» وأخرى بين «المراكز» في النظام. والأهم انه يلي أربعة عشر شهراً منذ أيلول 2007 تاريخ الغارة الإسرائيلية على «الموقع النووي» في دير الزور وحتى أواخر تشرين الأول الماضي تاريخ الإنزال الأميركي في «البوكمال»، هي أربعة عشر شهراً من الأمن «المخروق» بانتظام، بما في ذلك من مجموعات مثل «فتح الإسلام» قدّر نظام بشار أن «حملها» بات ثقيلاً فقررت هي في المقابل «الإشتغال» به.
النظام لا ينقذ بإنقاذ رأسه
في الجواب عن سؤال لماذا تورط النظام في «الفيلم»، انه في حالٍ من الإرتباك وعدم الإستقرار الشديدين فأعد «طبخة مشوشطة». وانه في حال إنعدام الوزن يؤرقه انتهاء التحقيق الدولي وقرب إنطلاق المحكمة الدولية، أي تؤرقه التداعيات على مصيره. ويتبين ـ في إطار تحليلي ـ أن النظام يعتبر هو نفسه أن إنقاذ رأسه أو بعض رؤوسه مستحيل بتحقيق ينتهي الى إتهام رؤوس أخرى. ويتبين أيضاً أن النظام لم «يأخذ» ما يسعى إليه في مقابل ما «أعطاه» تنفيذاً لدفتر الشروط الدولية، وانه لن «يأخذ» ذلك الإسقاط الذي يتوق إليه للمحكمة الدولية. فحتى لو كان المجتمع الدولي على إستعداد لأن ينقذ رأس النظام في مقابل تغيير سلوكه، فإن هذه «المبادلة» على ما يبدو لا تحمي الرأس، حيث يتبين أكثر فأكثر أن هذا النظام، وقد بات متعدد الرؤوس بعد وراثة الإبن لأبيه قبل ثماني سنوات، إما أن يبقى «معاً» وإما أن يسقط «معاً». والى ذلك تضاف حقيقة أن نظام الأسد إتجه في مسار لا «يأخذ» منه ما يريد ولا يستطيع أن يتراجع عنه في نفس الوقت.
الحقد السوري: لبنان «حسكة في حلقة»
على أن ما لا بد من التوقف عنده بعد ذلك كله، هو كيفية تعاطي لبنان مع النظام السوري في ضوء المعطيات الآنفة جميعاً.
مما لا شك فيه أن «الفيلم» بالرغم من إنكشاف أكاذيبه، أي بالرغم من عدم تماسكه، إنما يعبّر عن حقد على لبنان.
فالنظام يعتبر ما جرى في لبنان منذ 2005 بمثابة «حسكة في حلقه». وليس قادراً على «بلعها» أو التخلص منها. فمن البداية أي من «أصله» في العام 1970 ربط هذا النظام مصيره ووجوده بـ«إستلحاق» لبنان.
والى الحقد الذي يبني سياسته مع لبنان على أساسه، فإن العلاقات الديبلوماسية اللبنانية ـ السورية أقرّت في «لحظة إضطرار» تجاه فرنسا والمجتمع الدولي. وذلك ما يفيد، بالرغم من العلاقات الديبلوماسية ـ التي لم تنشأ عملياً بعد ـ أن العلاقات اللبنانية ـ السورية لن تستقيم بوجود التحقيق والمحكمة الدوليين ونتائجهما.
زيارة بارود كان «يمكن تفاديها»
لذلك، لا يمكن ولا يجوز أن يسير لبنان في «تطبيع» متسارع الخطى أو «دافئ» مع سوريا في ظل نظامها، ليس فقط قبل القيام العملي للسفارتين في بيروت ودمشق، بل قبل إنتهاء التحقيق الدولي أساساً. وفي هذا السياق، لا بدّ ان يقال إن العلاقات «الرسمية» ومن ضمن قنوات رسمية، هي «الأصلح» من «التطبيع الدافئ السريع».. خصوصاً أن النظام السوري ليس فقط لم يلبِّ حقوق لبنان الأبعد من العلاقات الديبلوماسية، بل لأنه يريد تطبيعاً لصالحه في ظل «البهورة» على لبنان.
فعلى سبيل المثال، إن زيارة وزير الداخلية زياد بارود الى دمشق أمس كانت لـ«تمرّ» بشكل عادي لولا أنها تلت «فيلم الإعترافات» الذي يستهدف لبنان وحكومته عامة ومكوناً رئيسياً من الاجتماع السياسي هو «تيار المستقبل» و14 آذارخاصة. كان «يمكن» تفادي هذه الزيارة من زاوية «التضامن الوطني».
أما وأنها لم تؤجل، فإن أسئلة كثيرة تُطرح، أهمها بعد «الفيلم»: هل وافقت دمشق على تسليم «المعترفين» إلى التحقيق الدولي؟. هل وافقت على تسليم شاكر العبسي الفار عندها ثم الموقوف لديها الى التحقيقين اللبناني والدولي؟ هل تعهدت بالكفّ عن التدخل المخابراتي؟ هل أعطت ضمانات بعدم «إستئناف» الإرهاب والإغتيال في لبنان؟.




















