المستقبل –
يقترب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية، وتشتد مطالبة الهيئة المشرفة على الانتخابات من وسائل الإعلام كي تنضبط في حدود القانون…
كيف تعمل وسائل الإعلام الغربية في مواسم الانتخابات؟
تستخدم الحملات الانتخابية في الدول الغربية ما يسمى الإعلام السياسي وسيلة هي الأنجع في كسب أصوات المقترعين. وكاد الإعلام السياسي ينحصر في مواسم الانتخابات بما يسمى الإعلام الانتخابي الذي استعار من التسويق التجاري أحدث أساليبه وتقنياته وطبقها في الحملات الإعلامية الانتخابية وسمي "الماركتنغ" (أو التسويق) الانتخابي. ما هي آليات الماركتنغ الانتخابي؟.
يقوم التسويق الانتخابي بتقسيم "الأسواق" التي تتعلق بحقل نشاطه، وهي:
أ ـ تسويق المرشح: ويقوم بتحديد الاستراتيجية التي سيتبعها المرشح، ويرسم صورة هذا المرشح وفقاً لما يصبو اليه العدد الأكبر من مقترعيه المحتملين.
ب ـ تسويق الناخبين: ويقوم، من جهة، بتحديد الناخبين المحتملين وبالتوجه اليهم، عبر وسائل الإعلام بشكل خاص، لتكوين دوافعهم المتجهة نحو المرشح، ومن جهة أخرى، بالعمل لتقليص هامش الامتناع عن التصويت.
ج ـ تسويق الملتزمين أو المحازبين: ويقوم باجتلاب أعضاء جدد للحزب، وبتأطير الأعضاء المنتسبين وتنشئتهم وتعبئتهم. وهؤلاء يشكلون الموارد البشرية الهامة في عملية التسويق السياسي، إذ يمثلون "قوة شرائية" كبيرة (ورخيصة في معظم الأحيان) يملكها الحزب والمرشح وبرنامج الحزب.
د ـ ولعل الاتصال السياسي هو "عصب" التسويق الانتخابي ونقطته المركزية، ويتم على مستويات عدة أهمها:
1 ـ الإقناع السياسي، بإطلاق "حملة إعلامية واسعة" هدفها التعريف بالمرشح وببرنامجه، وتبديد المخاوف، وتقديم التطمينات، وأحياناً تحريض الفئات المتطرفة والأقليات. وبالنتيجة تبتغي هذه الحملة، بشكل خاص، قولبة الرأي العام حول مبادئ عامة ومبسطة ومواقف شائعة، وذلك في سبيل الوصول الى نوع من إجماع عام.
2 ـ التصويب نحو أهداف انتخابية محددة. وهكذا يميز المرشح ما بين الجماهير المعتبرة أنها تدعمه طبيعياً، وبين مجموعة "المفاتيح" الذين يعتبرون "محطات ترحيل" تنقل الشعارات والمفاهيم والنداءات، وبين "الناخبين المترددين" الذين يجب كسب أصواتهم بإزالة ترددهم.
3 ـ يبقى على التسويق الانتخابي أن يستخدم استخداماً جيداً "قنوات الدعاية السياسية" (تلفزيون ـ اذاعة ـ ملصقات ـ مهرجانات خطابية، إلخ..).
منذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأ تطبيق التسويق الانتخابي، وراح يستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية، لا سيما التلفزيونية كوسيلة هي الأكثر فاعلية في هذا الحقل. ففي العام 1952، طبق المرشح لرئاسة الجمهورية الأميركي ايزنهاور أولى أساليب التسويق المنهجية خلال حملته الانتخابية. وفي العام 1960، وظف جون كينيدي في حملته الانتخابية تقنيات التحليل الاجتماعي ـ السياسي المتطورة لمعرفة اتجاهات الرأي العام الشعبي. وفي العام 1968، ثم في العام 1972، وبعد دراسة دقيقة لأساليب الدعاية المتلفزة، ركز نيكسون في حملته الانتخابية على أسلوب المخاطبة عبر الشاشة الصغيرة.
أما في فرنسا، وعلى الرغم من أن شارل ديغول قد تنبه لأهمية وسائل الإعلام الجماهيرية واستغلها للاتصال بالفرنسيين بشكل فعال، فإن التطبيق الكامل لتقنيات التسويق الانتخابي لم تدخل حيّز الوجود إلا في العام 1974 حيث استخدمها فاليري جيسكار ديستان، وفرنسوا ميتران، وجاك شابان دلماس في حملتهم الانتخابية لرئاسة الجمهورية. وفي العام 1981، وضع فرنسوا ميتران تسعة شروط لإجراء نقاش تلفزيوني مع منافسه فاليري جيسكار ديستان. وكانت تلك الشروط تتعلق باختيار المخرج، والصحافيين المشاركين في الحوار، وشكل الأثاث في الاستديو، وعدد الكاميرات، والمسافة الفاصلة ما بينه وبين ديستان، إلخ.. وربح فرنسوا ميتران المعركة الانتخابية…
إن التقنيات الإعلامية الحديثة المستخدمة في ترويج مرشح للانتخابات تكاد تشبه التقنيات المستخدمة لترويج سلعة استهلاكية. واستقصاءات الرأي العام تؤكد هذا الأمر حيث أن نتائجها المتعلقة بهذا أو ذاك المرشح تتغير بسبب مناظرة تلفزيونية يكسب فيها المتناظر علامات من جراء جملة يقولها، أو انفعال تركز عليه الكاميرا، أو سرعة خاطر في الرد، أو تردد في الإجابة على سؤال، والى ما هنالك من "حضور" إعلامي لا يعكس في العمق حقيقة شخصية المرشح في ما يتعلق بقدرته على إدارة الشأن العام، وبصوابية برنامجه الانتخابي. فهل بات الشكل يطغى على المضمون؟ وهل باتت الصورة هي الحدث؟.
إن التسويق السياسي يطرح إشكاليات، منها:
ـ ما هو الحيّز المعطى للسياسة بحصر المعنى، وللتقنية؟ فإعطاء الأولوية للمستوى التقني هو، الى حد ما، تشويه في مفهوم "السياسة" إذ تصبح هذه مجرد نشاط يرتكز على أساليب تقنية غايتها الحصول على السلطة.
ـ لذلك، بتنا اليوم نشهد توجهاً جديداً في "التسويق السياسي" يرفض الانطلاق من نماذج "جماعية" تعبّر عن السلوكية الانتخابية، ويعير انتباهاً كبيراً الى السلوكية الانتخابية "الفردية"، هذا وأن طريقة اعتبار النماذج الجماعية في السلوكية الانتخابية أداة صحيحة ومطابقة للواقع أدت الى نتائج "كاريكاتورية".
ونجد صورة عن إحدى نتائج مثل هذه الطريقة في ما وصلت اليه بعض مؤسسات استقصاء الرأي العام الأميركي، والتي انتهت الى استخراج صورة نموذجية للناخب الأميركي المتوسط: ولقد اتسمت الصورة بالسمات الرئيسة السبع التالية:
الناخب الأميركي المتوسط: (1) ليس شاباً ولا كهلاً. (2) ليس غنياً ولا فقيراً. (3) ليس من السود. (4) ليس أمياً ولا مثقفاً. (5) هو بالأحرى من الجنس الأنثوي. (6) ينتمي دينياً الى الطائفة البروتستانتية. (7) يسكن ضواحي مدينة كبيرة!..




















