نصير الأسعد
لا يحتاج المرء الى عناء كي "يكتشف" أن خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مساء الإثنين الماضي إنما يصدر، في جانبه ذي الصلة المباشرة بالمسألة الانتخابية، عن خوف على أوضاع حلفائه ممّن سمّاهم "مسيحيي المعارضة" و"سنّة المعارضة" ومن أوضاع هؤلاء الحلفاء.
"التبادلية" و"ردّ الجميل"
لا شك أن "حزب الله" كان ولا يزال بحاجة "ماسّة" الى "التغطية" التي يقدّمها له الجناح المسيحي لـ8 آذار، والجنرال ميشال عون تحديداً. ولذلك، فإن وجهاً أول لخطاب نصرالله هو "ردّ الجميل" لعون في معرض تثمين دوره خلال السنوات الماضية. أما الوجه الثاني فهو "شعور" نصرالله ـ في ضوء ما يتوافر له من معطيات ومعلومات ـ بأن "الحليف العوني" يواجه حالاً من التراجع "الجامد" في البيئة المسيحية، وبأن هذا الحليف لن يعود قادراً بعد الانتخابات في 7 حزيران على إدعاء تمثيل "الأكثرية الكبرى" من المسيحيين.
ومع أن السيد قال إنه لا يعرف ما إذا كان دفاعه عن الجنرال سوف "يخدم" الرجل أو لا مما كان يقتضي تالياً "الرأفة" بالحليف بتقليل الدفاع عنه أو بعدم الدفاع عنه أساساً، فإنه حاول "تبرئته" من "المثالثة" ومن "العمل على تقصير ولاية رئيس الجمهورية". وفي سياق متّصل سعى نصرالله ـ في مجال الشهادة لعون ـ الى أن يقدّمه زعيماً "عنيداً" للمسيحيين لا يتهاون بحقوق المسيحيين ومصالحهم، معلناً أنه ما على المسيحيين لـ"التأكد" من عناد الزعيم إلا سؤاله هو.. أي السيد نصرالله!
إنقاذ الجنرال.. الى حدّ تفضيله على برّي
بطبيعة الحال، لا يمكن القول إن "حزب الله" هو الجهة الوحيدة التي تحاول "إنقاذ" عون. ذلك أن "مسيحيي النظام السوري" أعلنوا منذ ما قبل انتهاء العملية الإنتخابية الإنتساب الى كتلة عون النيابية المقبلة لـ"تبدو" كبيرة. هذا ما قاله رئيس "المردة" سليمان فرنجية. وهذا ما سيكون عليه موقف "الحزب السوري القومي الاجتماعي" وموقف إلياس السكاف و"كتلته الشعبية".. طبعاً إذا فازوا وفاز مرشحوهم. أما "الإشارة" الأهم ـ في السياسة ـ الى مساعي إنقاذ الجنرال، فأتت من "حزب الله" نفسه الذي "إضطر" إضطراراً الى إظهار موقف كان على الأرجح يرغب في إبقائه سرياً، إذ قال من جزين إن وضعية الجنرال أهم بالنسبة إليه من وضعية الرئيس نبيه برّي.
مأزق "الجمهورية الثالثة"
وسط هذه "الصورة"، من الواضح أن "حزب الله" يعرف أن ما يريده هو إنقاذ حليفه، ومن الواضح أيضاً أن عون يعرف أنه متراجع مسيحياً. بل لعلّ اللبنانيين جميعهم باتوا يعرفون أن الحليف العوني لـ"حزب الله" تمّ توريطه في شعار "الجمهورية الثالثة". "الجمهورية الثالثة" مضمونٌ يدركه "حزب الله" وحده. هي "جمهورية المثالثة" تحت مسمّى "الثلث المعطّل". طلب الحزب من حليفه العوني أن يحكي عن "الجمهورية الثالثة" من دون أن يعطيه "كلمة السر".. فتورّط وراح في تورّطه ـ وإرتباكه ـ يقول "أي كلام".
وإذا كان الخوف على وضع الحليف المسيحي ومنه واضحاً في خطاب نصرالله الذي لا يؤدي إلا الى "مفعول عكسي" مسيحياً، فإن الخوف على وضع "سُنّة المعارضة" لم يكن أقلّ.
اليوم "المجيد والحزين".. و"المكابرة"
تجلّى الخوف الثاني في كشف السيد عن "معاتبات" له من جانب "سُنّة 8 آذار" على إعتباره 7 أيار "يوماً مجيداً". وتجلّى في محاولته "إستيعاب" تداعيات تمجيده للسابع من أيار 2008، فاعتبره "يوماً حزيناً وأليماً لأن ضحايا سقطوا فيه".
لكنه هنا ـ أي في هذا المجال ـ وعلى الرغم من وطأة 7 أيار على "حزب الله" وعلى علاقاته بالبيئات اللبنانية كافة، وعلى الرغم من وطأة التمجيد أيضاً، إستمر السيد نصرالله في المكابرة، إذ سارع الى القول إن آلام يوم 7 أيار "تبقى" أقل بكثير من الخطر الذي جرى إحباطه ـ بالسلاح! ـ والمتمثل بالفتنة المذهبية.
على أن الخوف على وضعَي مسيحيي وسنّة 8 آذار، والذي لا يخفى في خطاب نصرالله، لم يمكن للأمين العام لـ"حزب الله" تبديده على الرغم من حنكته. ذلك أنه قبل إطلالته على جماهير الضاحية كان مسبوقاً بتصريح للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. فقد أعلن نجاد أن "فوز المعارضة (في الإنتخابات اللبنانية المقبلة) سيقوّي المقاومة ويغيّر الأوضاع في المنطقة".
نجاد يكشف المستور!
هذا التصريح الإيراني "مهمّ". إنه إعلان عن إهتمام إيراني بانتخابات لبنان وعن رهان إيراني على هذه الإنتخابات وعن تدخل "ما" فيها تالياً. وهو إعلان عن مدى "مصيرية" الانتخابات اللبنانية بالنسبة الى المشروع الإيراني في المنطقة. وهو إعلان عن الأهمية الإستراتيجية إقليمياً لهذه الإنتخابات. وإعلان ـ متجدد ـ عن موقع لبنان ضمن المشروع الإقليمي الإيراني. وعليه فإن تصريح نجاد "مهم" لأنه "يفضح" الإعتبار المصيري للإنتخابات بالنسبة الى "حزب الله" الذي لا يعترف علناً بذلك. وهو "مهم" لأنه يكشف معنى التصويب من جانب "حزب الله" على التدخل الأميركي ـ الغربي المزعوم لصالح 14 آذار، فيكون التصويب على تدخل أميركي للتغطية على تدخل إيراني "على المكشوف". وهو "مهم" لأن ما حاول نصرالله ترميمه في خطابه هدمه تصريح واحد لنجاد. كيف ستستقبل البيئة المسيحية دفاع نصرالله عن عون فيما يكشف نجاد المستور ويقول إن تحالف 8 آذار رأس حربة في المشروع الإيراني إقليمياً؟ وكيف ستستقبل البيئة السنّية دفاع نصرالله عن 7 أيار بوصفه "علاجاً" مؤلماً من مرض خطير؟
إذاً هدوءٌ أم توتّر؟
إن المقدمات الآنفة تدفعُ باتجاه السؤال الآتي:
إذا كان وضع الحليف المسيحي لـ"حزب الله" مرتبكاً ومتراجعاً،
وإذا كان وضع "سنّة المعارضة" على هذه الدرجة من "الصعوبة"،
وإذا كانت الإنتخابات في 7 حزيران على هذا القدر من المصيرية والإستراتيجية بالنسبة الى إيران ومشروعها الإقليمي،
هل إن "حزب الله" مستعدٌّ لعدم "الضغط" على العملية الإنتخابية، وهل هو مستعدّ لتحمّل حصولها سلمياً وديموقراطياً، وهل إنه مستعدّ للتسليم بنتائجها؟ أم أن الأيام المقبلة "تُنبئ" بتوتّر حزب اللهيّ عالٍ؟
في خطابه الأخير، نسب السيد نصرالله الى "التحالف الرباعي" في العام 2005 هدفاً نبيلاً هو "منع وقوع أي فتنة خصوصاً بين الشيعة والسنّة".. مع أنه كشف الوظيفة التجييشية لذلك "التحالف" بالنسبة الى الجنرال. وفي خطبه المتتالية في الآونة الأخيرة، كرّر نصرالله القول إن 7 أيار كان لـ"منع الفتنة". أليس من سبيل الى "منع الفتنة" غير "التحالف الرباعي" أو 7 أيار؟ أليست العملية السياسية الديموقراطية "وصفة" من أجل "منع الفتنة"؟




















